رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خيبة الأمل وحرية العراق

جولة عربية

الأربعاء, 21 ديسمبر 2011 11:12
بقلم - فيصل جلول

لم يجرؤ مسئول عراقي واحد على توجيه الشكر للولايات المتحدة الأمريكية على  (احتلال/تحرير) العراق خلال السنوات التسع الماضية،

ولم يعبّر أي من الذين جاءوا إلى بلادهم على ظهر الدبابات الأمريكية عن امتنانه لجنود “العم سام” المطرودين والذين لولاهم لما كان هؤلاء يحتلون مواقع الحكم والمعارضة في عراق اليوم . لكن لماذا يمتنع هؤلاء عن شكر المحتل؟ ولماذا ينكرون فضله عليهم؟ يستدعي الجواب العودة قليلاً إلى الوراء .

احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في العام 2003 بعد صراع  طويل مع الرئيس الراحل صدام حسين بدأ في العام ،1990 إثر احتلال الكويت، ومن ثم تحريرها وإلحاق الهزيمة بالجيش العراقي الذي كان يعتبر في حينه الأهم في المنطقة . وتابعت واشنطن إهانة العراق وإضعاف العراقيين عبر حصار دام حتى سقوط بغداد، وأدى بحسب المنظمات الدولية إلى قتل مئات الآلاف من أطفال هذا البلد، كما أدى إلى فرض مناطق الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبه، وإلى فصل الأكراد وبعض سكان الجنوب عن السلطة المركزية التي أصيبت بضعف تراكم على مر السنين، وانتهى باحتلال هذا البلد وإعدام رئيسه، وتحطيم الحزب الذي يحكمه، وقتل أكثر من 100 ألف من أبنائه المدنيين بحسب إحصاء أمريكي، ومليون عراقي بحسب إحصاءات العراقيين، ناهيك عن تشريد ملايين المواطنين، ومن بينهم أكثر من مليون مسيحي غادروا بلادهم إلى الأبد، فضلاً عن دفع ربع سكان العراق إلى أدنى خط

الفقر وتقسيم البلاد بوسائل إثنية وطائفية وجهوية .

وقد لاحظ الجميع في اليوم التالي لرحيل المحتل أن الدولة الأعظم في العالم والأهم تكنولوجياً لم تتمكن من حل مشكلة الكهرباء التي كانت تعمل بانتظام في العهد السابق، كما لم تفلح في تعويض النظام الصحي الذي انهار، وكان من بين الأفضل في المنطقة، وقد امتنع المحتل عن تزويد العراق بسلاح جوي دفاعي، فتركه عرضة للتهديد من جيرانه الكثر، ولم يعبأ إلا بتدريب الشرطة وأفراد الجيش لقمع الشعب وضمان الأمن، وهي حال مناقضة تماماً لما كان عليه العراق في العهد السابق من قدرة على ردع الآخرين عن التدخل في شؤونه .

وفي اليوم التالي لرحيل المحتل استأنفت القوى السياسية العراقية العمل ضد بعضها، فالكتلة العراقية تتهم رئيس الوزراء بالدكتاتورية والتفرد بالسلطة، فيرد بنزع الثقة عن نائب رئيس الوزراء وأحد أبرز وجوه الكتلة، في حين يلجأ نائب الرئيس طارق الهاشمي إلى كردستان العراق خوفاً من الملاحقة، وتعيش البلاد بلا وزارة داخلية منذ تشكيل الحكومة، وبلا إقرار قانون النفط العراقي مع بقاء مصير كركوك غامضاً، وعرضة للتجاذب، وأخيراً مبادرة بعض المناطق لطلب الاستقلال الذاتي ومواجهة هذا المطلب بتظاهرات اعتراضية عنيفة كما حصل في

محافظة ديالى .

من جهة ثانية، زرعت الولايات المتحدة سفارة يتجاوز عدد عناصرها 16 ألف شخص مع حماتهم من “المارينز”، وهي أكبر سفارة في العالم يراد منها السهر على التنازع بين الفئات العراقية، والتحكيم بين كتل وشخصيات سياسية تدين بنفوذها للمحتل الأمريكي الذي سيهتم أيضاً عبر سفارته بضمان وصول إمدادات النفط العراقي إلى الأسواق التي يريد أن تصل إليها ولعله الإنجاز الأهم في مشروع احتلال العراق، هذا المشروع الذي أخفق في تحسين البيئة الأمنية للدولة الصهيونية، وبالتالي في تحطيم محور الممانعة والمقاومة الذي بات اليوم يملك في العراق صلة وصل جديدة تتيح لأطرافه الاتصال .

خلاصة القول إن المحتل الأمريكي أضعف العراق وحطّمه وطيّفه وأهانه وتركه بلا وسائل فعالة للدفاع عن أجوائه وحدوده، فضلاً عن رعايته لدستور ونظام سياسي لا يعمل بطريقة طبيعية من دون تدخل خارجي سواء من السفارة الأمريكية أو الإيرانية أو الاثنتين معاً، هذا إن لم يعمد أطراف اللعبة السياسية العراقية إلى إطلاق النار على بعضهم بعضاً والسعي لتصفية بعضهم ما دامت الانقسامات التي نظمها المحتل لا تنطوي على مواصفات للتعايش السياسي السلمي وتداول السلطة بطريقة ميسرة، ناهيك عن تحقيق الانسجام بين السلطات الإقليمية والسلطة المركزية .

بكلام آخر يمكن القول إن المحتل الأمريكي خلّف وراءه أشلاء بلد ودولة وشعب، وبالتالي من الطبيعي ألا تقابل جريمته هذه بكلمة شكر وامتنان من عراقي واحد بما في ذلك أولئك الذين جاء بهم على ظهر دباباته .

تبقى إشارة إلى المقاومة العراقية الباسلة التي لولاها لبقي الاحتلال جاثماً على صدور العراقيين إلى أجل غير مسمى، ولما استطاع محور المقاومة والممانعة أن يرفع في العراق شارة نصر كبيرة على غرار تلك التي رفعها من قبل في قطاع غزة وجنوب لبنان .

نقلاً عن صحيفة الخليج الإماراتية