رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوهام الأسد السوري

جولة عربية

الجمعة, 16 ديسمبر 2011 11:23
كتب - أمير طاهري:

ماذا يفعل المرء عندما تنفد حججه؟ بالنسبة لبعض المثقفين العرب والإيرانيين فالجواب بسيط، ويتلخص في أن يصم المرء خصومه بأنهم «عملاء» لقوى أجنبية، وقطع شطرنج في «مؤامرة» تحاك في الخارج.

وهذا هو ما حدث في عام 2009 عندما خرج الملايين من الإيرانيين إلى الشوارع للاحتجاج على الانتخابات الرئاسية التي حكموا عليها بأنها كانت مزورة.
وحيث إنه لم يكن هناك أي تحقيق مستقل في هذه المطالب، فلم يتمكن أحد من تأييدها أو رفضها. ولكن الأمر المؤكد، مع ذلك، هو أن الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع كانوا مواطنين إيرانيين عاديين شعروا بالمهانة بسبب التزوير الانتخابي الذي تم على نطاق واسع، ولم يكونوا «عملاء» لأحد.
وعلى الرغم من ذلك، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، لم يكن ببساطة يريد أن يفهم، أو لم يستطع أن يفهم هذه الحقيقة، حيث قام هو وحاشيته، بعد أكثر من عامين من ذلك التاريخ، بتحويل روايتهم الخاصة للأحداث إلى نص مقدس لا يرقى إليه الشك. ونظرا لأنهم قد أصبحوا أسرى نظرتهم العقائدية، فإن خامنئي وحاشيته لم يعودوا قادرين على تحليل ما حدث، ناهيك عن قدرتهم على القيام بوضع سياسات للتعامل مع العواقب.
ونحن نشهد الآن، مع دخول الانتفاضة السورية شهرها التاسع، محاولة مماثلة للهروب من الواقع من جانب الرئيس السوري بشار الأسد وحاشيته، فبعد أن نفدت حججهم، عمد بعض مؤيدي الأسد إلى استخدام الحيلة القديمة المتمثلة في وصم خصومه بأنهم «عملاء» و«متآمرون».
وفي المقابل، فإن أحد الخيارات المتاحة هي وصم الذين يصمون الآخرين بأنهم «عملاء» لقوى أجنبية، بأنهم هم أنفسهم «عملاء لنظام الأسد» في «مؤامرة تحاك من دمشق»، ولكن هذه الشتائم المتبادلة لن توصلنا في النهاية إلى شيء.
وتمر سوريا حاليا، في حقيقة الأمر، بأعمق أزمة في تاريخها كبلد مستقل، وليس هناك من ينكر حقيقة أن الأسد لا يستطيع، أو لا يريد مجرد التفكير في إيجاد حل سياسي لهذه الأزمة، فتصريحاته الأخيرة والمقابلات التي أجريت معه مؤخرا تشير إلى أنه قد وضع كل البيض الذي معه في سلة

القمع الوحشي، بعدما قرر، أو بعدما جعله آخرون يقرر، أن القوة هي الشيء الوحيد الذي من الممكن أن ينقذ نظامه.
ومن المفارقات أن الأسد نفسه قد يكون يمهد الطريق أمام التدخل الأجنبي في سوريا دون أن يدري، مثلما فعل معمر القذافي في ليبيا، وصدام حسين في العراق، وهو يفعل ذلك من خلال ثلاث طرق:
أولا، تهديد أمن الدول المجاورة، ولا سيما الأردن، وتركيا، من خلال قيام الأسد بتعميق الأزمة السورية، إلى جانب قيامة بخلق حالة من عدم الاستقرار في منطقة بلاد الشام، حيث يؤدي عدم الاستقرار في أحد البلدان، في كثير من الأحيان، إلى انجرار البلدان المجاورة إلى صراع لا يعنيهم من البداية. وهذا هو ما حدث مع فيتنام الجنوبية في الفترة من 1950 إلى 1975، ومع أفغانستان عقب الغزو السوفياتي في عام 1979.
وثانيا، اعتماد الأسد بشكل متزايد على دعم من الجمهورية الإسلامية في طهران، حيث وصفت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، «إيرنا»، الوضع في الأسبوع الماضي بأن «سوريا في ظل الرئيس بشار الأسد هي جزء من المحيط الدفاعي للجمهورية الإسلامية ضد أعدائها»، وإذا ما قمنا بصياغة هذا الوصف بشكل أكثر بساطة سنجد أن إيران قد تورطت بالفعل في الأزمة السورية، ولن يكون من المدهش، بالتالي، أن يعتبر خصوم إيران سوريا ساحة قتال.
وثالثا، قيام الأسد بجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للحوار الوطني الذي يسعى للبحث عن مخرج سلمي للأزمة، من خلال تعزيز الادعاء بأن الأزمة السورية هي جزء من صراع أوسع نطاقا بين قوى خارجية متنافسة.
ونظرا لأن الأسد يرفض «الحل السوري» للأزمة، بعد أن رفض «الحل العربي» من قبل، فإنه لم يتبق أمامه سوى الأمل في حل عسكري أمني، مبني على أساس الفرضية القائلة بأنه إذا قتل ما يكفي من
الأشخاص، فإن الأمور ستبدأ في الهدوء.
ولا يفعل المدافعون عن الأسد، الذين يشجعونه على تصديق أوهامه، سوى أن يعطوه المزيد من الحبل لكي يشنق به نفسه، حيث يعتقد أولئك المدافعون أنهم سوف ينجحون في إقناع الجماهير السورية بالكف عن إزعاج النظام، من خلال وصم الزعماء المؤيدين للديمقراطية بأنهم «عملاء» ووصم الثورة بأنها «مؤامرة»، ولكن ذلك قد يؤدي إلى حدوث تأثير معاكس من خلال إقناع مزيد من السوريين أن هناك حاجة إلى مساعدة خارجية وأنه ينبغي الترحيب بها من أجل التخلص من النظام، حيث إن الناس الذين يتم دفعهم للثورة حتى تأخذهم حماسة التمرد لا يفكرون مرتين في مصدر العون اللازم للحصول على الحرية.
وقد صاحب معظم الثورات التي نجحت من قبل وجود بعض الدعم من الخارج، على الرغم من صعوبة تحديد مدى كون هذا الدعم حاسما في نجاح هذه الثورات أم لا.
فلو سألنا الفرنسيين، على سبيل المثال، فإنهم سوف يقولون لنا إن الثورة الأميركية، التي كان من نتائجها ظهور الولايات المتحدة، كانت نتيجة استراتيجية فرنسية تهدف إلى إضعاف إنجلترا، حيث شارك المئات من ضباط الجيش والمخابرات الفرنسيين في هذا المشروع.
ولو سألنا الإنجليز بعد ذلك فسيقولون لنا إن الولايات المتحدة، التي كانت حديثة النشأة، قد ساعدت في إثارة الثورة الفرنسية بمساعدة من شبكة جماعة «المتنورين» الأوروبية.
وألم يقم الألمان بشراء تذكرة القطار للينين، في الآونة الأخيرة، ومساعدته على العودة إلى روسيا في الخفاء لإشعال الثورة؟
وكان الشاه في إيران مقتنعا في عام 1979 أن الثورة الإيرانية «مؤامرة» حاكتها الولايات المتحدة بقيادة جيمي كارتر، ونفذها «عملاء» لبريطانيا وروسيا.
وقد سمعنا القذافي، وبن علي، وصالح ومبارك وغيرهم، وهم يرددون، في الآونة الأخيرة، كلمات، مثل «عملاء» و«مؤامرة».
إن ما لا يفهمه المدافعون عن الأسد هو العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل الأحداث، حيث إنه إذا كان لدى المرء بيضة وقام بتدفئتها، فإن الأمر قد ينتهي به بالحصول على دجاجة، ولكنه إذا كان لديه حجر وقام بتسخينه، فإنه لن يحصل إلا على حجر ساخن في النهاية، وبالتالي لم تكن أي قوة خارجية تستطيع أن تدفع سوريا باتجاه الثورة، لو لم تكن سوريا تمر بحالة ثورية منذ البداية، ولذا فإن الأسئلة الوحيدة الصحيحة التي ينبغي طرحها هي: ما الذي اضطر سوريا إلى أن تدخل في هذه الحالة الثورية؟ وما الذي يمكن القيام به لمساعدتها على الخروج من تلك الحالة بأقل ضرر ممكن؟
وإذا كانت مشكلة الأسد تتمثل في أن سوريا تمر بحالة ثورية، فإن مشكلة سوريا تتمثل في حالة الإنكار التي يعيشها الأسد.
نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط