رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عمَّ يتنافسون؟!

جمال يونس

الخميس, 11 أغسطس 2011 09:46
بقلم - جمال يونس

- انتهازية القوي الدينية تدفع الشعب للكفر بالثورة والديمقراطية

ممدوح سالم عرض إغلاق 30 دائرة في انتخابات مجلس الشعب للطرق الصوفية

- الشيخ محمد أبوالعزايم طلب وساطة رئيس حزب الأحرار الدستوريين للاعتراف بطريقته .. وإسماعيل صدقي فصّل دائرة لمحمود أبوالعزايم في مجلس النواب

- شيخ الطريقة الرضوانية تحول إلي صاحب كرامات بعد انضمام عبدالناصر وحسين الشافعي والتهامي

شيخ السادة السمانية جمع توقيعات أثناء ثورة 19 تدعو لبقاء الإنجليز مقابل عشرة قروش لكل شخص

مشايخ الطرق كانوا يتوسلون للملك فاروق لدعوتهم علي إفطار رمضان

 

<< العبث والفوضي، هما الوصف الحقيقي والأقرب لواقع المشهد السياسي بعد ثورة يناير، وأصبحت الدولة المدنية شعارا تسعي القوي السياسية والدينية الي تحقيقه كل بطريقته، وكل حسب مصلحته ووفق أهدافه وسادت الانتهازية السياسية ومن يتابع الأوضاع الحالية ينتابه الإحباط الشديد حيث يلاحظ أن القوي السياسية تعتمد علي اقصاء الآخر وركوب موجة الثورة دون مراعاة للصالح العام غير مدركة أن التناحر والخلافات إنما يصب في صالح النظام السابق وتدعم الاتجاه نحو الديكتاتورية التي تحقق ما فشلت فيه الحرية والديمقراطية وهو وحدة الدولة وأمن المواطنين وتؤكد المزاعم القائلة بأننا شعب لا يستحق الحرية ولا تصلحه الديمقراطية.

<< عمّ يتنافسون هؤلاء وهؤلاء.. وكأن المراد من رب العباد كان مجرد خلع مبارك من سدة الحكم وحسب فلا أحد يتحدث عن الإصلاح السياسي البطيء والكسيح ولا الدستور ومستقبل مصر، كل فصيل سياسي يسعي لإقصاء منافسيه وأخشي من الوصول الي تلك اللحظة التي يكفر فيها الشعب المصري بالثورة والديمقراطية بعد أن ظل يتفرج علي الفصائل والائتلافات والحركات والأحزاب لعدة أشهر ويصير مستعدا ومرحبا بأي انقلاب عسكري يعيد هذه الأفراح الي حظائرها وتعود مرة أخري الي نقطة الصفر. لقد كتبت في شهر مايو الماضي أحذر من لغة الاستعلاء التي تتحدث فيها بعض القوي الدينية وحالة الاستقواء التي تعيشها وتمارسها التيارات الإسلامية للانفراد بكعكة الحكم اعتمادا منها علي صبر المجلس العسكري أو تساهله أو تأييده ومثلما لفتت نظري تصريحات مرشد الإخوان في شهر مايو بأن الإخوان يتعاملون مع القوي السياسية بمنطق والأحزاب بمبدأ الأم وهو ما يفسر بالهيمنة. وكذا تصريحات عبدالهادي القصبي شيخ مشايخ الطرق الصوفية بأن هناك 15 مليون صوفي سيكون لهم دور كبير في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة وهم من سيرجحون كفة مرشح علي آخر وحزب علي آخر وسيكونون فرس الرهان في أي انتخابات.

لم تكن هذه التصريحات وتلك عفو خاطر أو زلة لسان وإنما مقصودة لذاتها فقد لفت نظري أيضا أحداث جمعة «تشتيت الشمل» التي نجحت في تفتيت الصف حيث ذهبت بعض القوي السياسية تستجدي المدد والعون من الطرق الصوفية حيث أعلن علاء أبوالعزائم شيخ الطريقة العزمية عن تنظيم مليونية يردون بها علي المنافس التقليدي لهم وهم السلفيون.

ورغم أن الطرق الصوفية من الناحية النظرية والقانونية لا تمارس السياسة إلا أنها من الناحية العملية مدينة في وجودها ونفوذها وانتشارها لعلاقاتها مع الأنظمة الحاكمة والأحزاب السياسية، وقد سعي مشايخ العديد من الطرق الصوفية الي استغلال مكانتهم الدينية لتحقيق منافع شخصية من خلال الانغماس في السياسة والاشتراك في الانتخابات

أو تأييد القصر الملكي والنظام الجمهوري وتنوعت انتماءاتهم الحزبية بقدر تنوع المنافع والمصالح.. الشيوخ كانوا يحققون الحظوة والمكانة واتباعهم يستفيدون بالصدقات والهبات والتبرعات.. هكذا العلاقة بين الصوفية وأنظمة الحكم لا تعدو أن تكون مجرد مصالح متبادلة.. علي من يضحكون.

<< التصوف هو الزهد في الدنيا والتقرب الي الله والتقشف في العيش والتعفف عن المناصب والغنائم والانفال وفترات الضعف والفوضي هي البيئة المناسبة لانتشار التصوف.. والمتصوفة هاربون من الحياة.. فارون الي الله، وفي عام 1903 صدرت أول لائحة منظمة للطرق الصوفية في مصر ثم عدلت تعديلا جزئيا بعدها بعامين وأصبح لهذه الطرق سجلات وملفات ثم تم تعديل هذه اللائحة بعد ثورة 1952.

وعقب اصطدام عبدالناصر مع جماعة الإخوان عام 54 أدرك أهمية الطرق الصوفية واستخدامها لمواجهة التعاطف الشعبي مع الإخوان وأعلن عام 1955 عن عزمه لإصلاح الطرق الصوفية وأوكل هذه المهمة للمشير عبدالحكيم عامر الذي استبعد الشيخ أحمد الصاوي من منصب المشيخة لعلاقته بالقصر وعين أحد أصدقائه المقربين وهو الشيخ محمد محمود علوان شيخ الطريقة العلوانية الخلوتية وتعد المرة الأولي التي يتم فيها تعيين شيخ مشايخ الطرق الصوفية بقرار من الحاكم وليس وفقا للائحة المجلس الصوفي الأعلي الذي تقضي اللائحة بانتخابه وهو ما يعني امتثال الطرق الصوفية لإرادة النظام الحاكم ودليل علي ضعفهم واعتيادهم علي التسييس والتخديم علي الأنظمة الحاكمة المختلفة لتحقيق مكاسب شخصية أوفئوية.

<< ويحكي لنا تاريخ الطرق الصوفية أثناء ثورة 19 أن الشيخ محمد إبراهيم الجمل، شيخ السادة السمانية جمع توقيعات من التجار وعامة الناس علي عريضة تطالب بعدم الرغبة في الاستقلال والدعوة لبقاء الانجليز في مصر، ومنح كل من يوقع علي العريضة عشرة قروش وهو مبلغ كبير آنذاك، وثار عليه الناس بعد انتشار أمره وأرادوا ضربه وتوعدوه بالويل والثبور ما دعاه للجوء الي قسم البوليس فأحاط الناس بالقسم لمدة يومين فاضطر المأمور لطلب قوة عسكرية ونقله الي منزله وبعد انصراف القوة الانجليزية هاجمه الناس وكسروا أبواب بيته وحطموا محتوياته والزجاج وأصدر المجلس الصوفي قرارا بوقفه متهما إياه بأعمال تخرج عن نظاق عمل الطرق الصوفية وهو الاشتراك في العمل السياسي ولكن الانجليز نجحوا فيما بعد في إلغاء الوقف!

وفي العصر الملكي كانت المشيخة العامة للطرق الصوفية تحتفل بعيد ميلاد الملك وتوزع منشورا علي الطرق وتتصل بمأموري المراكز لحماية المواكب وكان الملك يدعو لمائدة افطار في رمضان سنويا يلتقي خلالها مع الشخصيات المهمة.

وكان مشايخ الطرق يتوسلون اليه ويقدمون الالتماسات ليحظي أي منهم بهذا الشرف ويفطر مع الملك.

في العهد الملكي حظي الشيخ إبراهيم نيازي شيخ التكية القادرية في الاسكندرية برعاية الأمير عمر طوسون وفي نجع حمادي نعم أحمد أبوالوفا الشرقاوي شيخ

الطريقة الخلوتية برعاية الامير يوسف كمال ونجح الشيخ محمد ماضي أبوالعزايم في الحصول علي اعتراف رسمي من مشيخة الطرق الصوفية بطريقته عام 1933 بوساطة محمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين وحظي أخوه محمود أبوالعزايم في المنيا بمساندة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء الذي جعل قرية المطاهرة دائرة انتخابية لمحمود وقام بتعيين عمدة لها من أبناء عائلته نكاية في عائلة شعراوي التي ينتسب اليها محمد علي شعراوي القطب الوفدي، وأدي هذا الإصرار علي تعضيد مكانة محمود عبدالعظيم أحد مؤيدي اسماعيل صدقي في مواجهة محمد فؤاد سلطان باشا أحد كبار الملاك المنتمين للحزب الوطني.

وفي الحقبة الناصرية استغل الاتحاد الاشتراكي الاحتفالات الدينية التي تشارك فيها الطرق الصوفية لتوزيع النشرات وإلقاء الخطب للدعاية للنظام وأصبح من الضروري فيما بعد الحصول علي شهادة حسن السير والسلوك من لجان الاتحاد الاشتراكي كشرط للتعيين في وظائف الدولة والترقي داخل مراتب الطرق الصوفية حتي الخطبة في المساجد التي يتولاها بعض مشايخ الطرق، اشترط النظام في الحقبة الناصرية موافقة وزارة الأوقاف، وكان الشيخ أحمد رضوان من أكثر شيوخ الطرق الصوفية شهرة في كل أنحاء مصر بسبب انضمام عبدالناصر وحسين الشافعي وحسين التهامي لطريقته، ودعما له من جانب النظام السياسي تم رصف الطريق الذي يصل بين قريته (البغدادي - الأقصر) وبين الطريق الرئيسي الأقصر - أسوان. كما أقيمت محطة سكة حديد قريبة من قريته علي الخط الحديدي بين القاهرة وأسوان وإطلاق اسم الساحة الرضوانية علي المنطقة كلها. ونظرا لحظوة الشيخ رضوان وتأثيره علي الرئيس جمال عبدالناصر فقد اعتبره الاتباع والمريدون قطبا عارفا وربانيا ونسبوا اليه العديد من الخوارق والكرامات.

<< استغل مشايخ الطرق الصوفية أنظمة الحكم المتتابعة الملكي والجمهوري ومن عبدالناصر الي السادات ومبارك واستفادوا منهم ربما لقدرتهم علي التكيف والتواؤم مع الظروف والمستجدات السياسية وبالمثل أيضا استغلت الأنظمة هذه الطرق لتحقيق مصالحها ومن الشيوخ الذين استفادوا وأفادوا شيخ الجنيدية حسن إبراهيم الجنيدي الذي كان عضوا في الاتحاد القومي ثم عضوا بارزا في الاتحاد الاشتراكي وعضوا في مجلس الأمة لثلاث فترات متصلة 64/68/1972 وأيضا الشيخ  كامل القاياتي شيخ القاياتية الخلوتية حيث كان عضوا في مجلس الأمة عن دائرة العدوة والشيخ صلاح الأحمدي الشبراوي شيخ الهيكلية الشبراوية عن دائرة كفر صقر واستطاعا بمكانتهما السياسية والحصانة البرلمانية، القضاء علي منافسيهما في الطريقتين وتولي الشيخ محمد حامد المسلمي شيخ المسلمية الخلوتية منصب سكرتير عام مساعد لجنة الاتحاد الاشتراكي بالشرقية والشيخ خيرالله فضل عطية أحد خلفاء الطريقة الدوياتية الشاذلية تولي منصب سكرتير عام الاتحاد الاشتراكي في محافظة مرسي مطروح.

<< وفي عهد السادات التزم مشايخ الطرق الصوفية بالخط الحكومي ولم يصطدموا بالنظام مثلما فعلت الجماعات الإسلامية الأخري وكانت علاقاتهم سمنا علي عسل مع السادات ما دفع ممدوح سالم رئيس الوزراءالي عرض إغلاق ثلاثين دائرة انتخابية لمرشحي الصوفية علي الشيخ سطوحي شيخ مشايخ الطرق الصوفية الذي رفض هذا العرض خوفا من الزج بمشايخ الطرق في معارك سياسية واستنكرت الطرق الصوفية اغتيال السادات وأيدت مبارك ولم تعترض علي تعيين أبوالوفا التفتازاني نائب رئيس جامعة القاهرة في منصب شيخ المشايخ عام 1983.

من السلفية للصوفية يا قلبي لا تحزن.. المتصوفة أيدوا وباركوا كل من حكم مصر ابتداء من الخديو إسماعيل حتي مبارك واليوم يستعرضون عضلاتهم للرد علي السلفيين الخصم التقليدي والتاريخي غير عابئين بمصلحة مصر.. اليوم أصبحوا ثوارا وانتقلوا من حلقة الذكر الي حلبة السياسة.. أقول لكل القوي السياسية والدينية اتقوا الله في مصر واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.. احترموا عقولنا وتذكروا حقائق التاريخ.. أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم.

<< ومضات

هرب جمل وحمار من صاحبهما بحثا عن الحرية.. وأثناء سيرهما توقف الحمار فجأة وقال للجمل: لابد أن أعود للبلدة لأنني تركت فيها مقودي ولجامي فقال له الجمل: سر والزم أخاك الوتدا .. فإنما خلقت لكي تقيدا، (أحمد شوقي).