رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ضربة قلم

ليست حكومة بل دار للمسنين

جمال يونس

الخميس, 03 فبراير 2011 08:57
بقلم ـ جمال يونس

أعود بذاكرتي لمسافة 38 عاما للوراء.. أستحضر صورتك يا سيادة الرئيس.. صورة اللواء محمد حسني مبارك، قائد القوات الجوية وصاحب الضربة الاولي التي افقدت العدو الاسرائيلي توازنه، ومهدت الطريق لنصر أكتوبر.

ومن بين ثنايا السنين استخلص تفاصيل رحلة صعود بطل وأفول شمس قائد.. رحلة تحولت فيها من رمز للنصر إلي عنوان للقهر.

* اتذكرك بطلا قوميا فرح الشعب بتعيينك نائبا لرئيس الجمهورية رغم صغر سنه وقلة خبرته السياسية وقلنا أحسن السادات صنعًا لأنك لم تتلوث بأفكار الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي والشباب بخير.

* اطمأن الشعب حين آل الأمر إليك بعد اغتيال الرئيس السادات، وزاده اطمئنانا حين صرحت عقب اختيارك رئيسا للجمهورية أنك لن تحكم أكثر من فترتين والكفن مالوش جيوب.. لكنك وبعد أن استمكنت من الامر رفضت تعديل الدستور لتبقي الرئاسة مدي الحياة.

* تساءلنا كيف يحكم مبارك بنفس رجال السادات وأحسنا الظن بك.. وقلنا إن تغيير السياسات أهم من تغيير الاشخاص وأن سيادتك »عشري«.

* استبشرنا خيراً وتفاءلنا عندما بدأت عهدك بالافراج عن 1536 معتقلا سياسيا ثم امتلأت السجون في عهدك بأضعاف هذا العدد.

* اعتقدنا أنك ستبدأ إصلاحا سياسيا شاملا وأنك سوف تقفز إلي مستقبل نختار فيه مجالسنا النيابية وحكوماتنا دون تزوير. وتركتنا لحفنة من الصغار أداروا أكبر عملية نصب وسطو سياسي في تاريخ مصر الحديث وبدلا من أن تستمع لرغبة الاحزاب والقوي السياسية بالتدخل كانت اجابتك الساخرة والصادمة.. خليهم يتسلوا .. في عهدك تم إغلاق حزب العمل وصحيفته بالضبة والمفتاح.

* بدأت عهدك بالاصلاح الاقتصادي وتنفسنا الصعداء وفرحنا بشعار صنع في مصر وتشجيع الصناعة الوطنية بعد انتكاسة الانفتاح الاقتصادي. ثم تركت  حانوتية الخصخصة يدفنون صناعات ومصانع كانت مصدر فخرنا.

* زادت ثقتنا حين قدمت عصمت السادات ورشاد عثمان للمحاكمة بتهم الفساد.. كان شعار مرحلة السادات - اسرق واهرب - وفي عهدك صار الشعار - اسرق واتطمن - فزاد الفساد وتركته يستفحل. الفساد مثل مرض الايدز فكما يفقد الجسم مناعته، يفقد المجتمع حيوته وقدرته علي الانطلاق. يشعر الافراد بعدم الرغبة في العمل.. يتملكهم الاحباط واليأس.. تتبدل لديهم المشاعر القومية والنخوة الوطنية بالرغبة في الاغتناء بأي وسيلة وتسودهم الانانية والطمع ويتراجع العمل كقيمة لا تضمن لصحابها العيش الكريم والستر وتحل محلها الفهلوة والسرقة .. المناخ السياسي الفاسد هو »الحضانة« التي ينمو ويكبر فيها اللصوص.

* الديمقراطية كانت للتنفيس والفضفضة ليست اكثر وأصبحنا في عهدك مثل »وابور الجاز المنفس صوته عالي وناره باردة«.

* يتباهي رجالك أنك لم تقصف قلما وهم علي حق لأنك وضعت القلم وصاحبه وراء الشمس وتحولت كلمات النقد إلي عبارات نعي تشيع صاحبها إلي المجهول.

* تسلمت مصر وكانت الطبقة المتوسطة مازالت آمنة وباقية وكانت صمام أمن التنمية الاقتصادية ولكن رجالك قضوا عليها وانقسم الشعب إلي شطرين .. أغنياء أغلبهم أصدقاء ابنك وفقراء

هم أغلبية المصريين.

* كانت في مصر حركة نقابية نفخر بها لكنها خمدت وتجمدت بفعل الامن.. من يصدق أن بعض النقابات لم تجر بها انتخابات منذ عشرين عاما.

لن أحدثك عن البطالة وتدهور التعليم والصحة.. ولن اذكرك بمياه الشرب المخلوطة بالصرف الصحي.. لن اذكرك بضحايا القطارات.. لن اتكلم عن مصر الملطشة علي المستوي العربي والدولي.

من المسئول يا سيادة الرئيس عن معاناة المصريين من ازدواجية الحكم بعدما أصبح ثمة رئيسان الاب والابن حتي أن المهندس احمد عز أمين التنظيم سابقا أعلن عام 2009 أن جمال مبارك هو مفجر ثورة التحديث.

وبمفهوم المخالفة فإن الأب في نظر السيد عز مثال للجمود والتخلف.

* تسلمت مصر وفيها بعض من عافية وآلاف باتت أشبه بمريض غيبوبة جذع المخ علي جهاز التنفس .. نحن نحيا ولا نعيش.

والآن .. جاءك الامر من حيث لم تحتسب أو تتوقع.. قام بالثورة شباب »بيور« غض ولد وكبر في عهدك وثار ضدك.. ليس محسوبا علي اي من القوي السياسية ومحاولة »حشر« الاخوان إنما هو تبرير لاعمال العنف ضد المتظاهرين أمام الرأي العام محليا ودوليا.

كم من الحكماء قدموا النصيحة قبل أن يفوت الآوان ثم بدأت تتفهم وتدرك مطالب الشعب ولكن بعد فوات الآوان.

انتظرناك طويلا حتي ظهرت وتكلمت وأقلت الحكومة ثم انتظرناك طويلا حتي طلعت علينا بتشكيلة من كبار السن. كيف نصدقك ونواياك تجاه الشعب وأنت حولت الحكومة والرئاسة إلي دار للمسنين.

يا سيادة الرئيس.. للاسف لم تأت بجديد يتناسب مع الحادث الجلل والظرف العام.. انت كمن يقلب ياقة القميص الدائبة بدلا من تغيير القميص كله غير عابئ بفرق اللون وأنت لا تعبأ بفرق الظروف.

كفي يا سيادة الرئيس.. ظللنا نجري في عهدك علي مشاية كهربائية استنفدت طاقاتنا دون أن نتحرك للإمام.

عفوا يا سيادة الرئيس مصر التي في خاطرك ذهبت ولن تعود.. أما مصر التي في خواطرنا أصبحت تتجاوزك.