المؤسسة العسكرية و"ما بعد مبارك"

ثورة الغضب

الأربعاء, 16 فبراير 2011 09:39
تحليل -أحمد إبراهيم:

المؤسسة العسكرية ومرحلة ما بعد مبارك

ثمة أجواء من التفاؤل حينا، والحذر في أحيان كثيرة تسود المشهد المصري إزاء دور المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد مبارك،

والسعي الشعبي لتحقيق انتقال مدني للسلطة بخطوات ديمقراطية تحفظ لثورة 25 يناير نجاحاتها ومكتسباتها.

لا ينكر أحد أن الترقب والتخوف يسكنان أرواح الثوار على الرغم من أن بيانات وقرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة نجحت حتى الآن في تبديد قدر كبير من هذه المخاوف، خاصة بعد قرار حل مجلسي الشعب والشورى، والتحفظ على عدد من قيادات النظام السابق، وتشكيل لجنة برئاسة الفقيه الدستوري المعروف -والذي يحظى بإجماع شعبي- المستشار طارق البشري للقيام بالتعديلات الدستورية المطلوبة لطرحها في استفتاء شعبي.

المخاوف منطقية.. ويمكن القول إن المشهد العربي - بشكل عام- يحمل دلالات سلبية في حال تدخل المؤسسة العسكرية في المعترك السياسي، وأن المؤسسات العسكرية في العديد من الدول العربية لا تنأى بنفسها عن التعاطي مع السياسة وشئون الحكم، لكن يتفاوت دورها وحجم نفوذها من دولة إلى أخرى، وبعضها يحرص على جلب حكام مدنيين ينفذون رغباتها وسياساتها.

التفاؤل من تونس

ليس مبالغا القول إن حيادية الجيش التونسي في بدايات المشهد عندما تجاهل أوامر بن علي بإطلاق النار على المحتجين عززت من قوة الاحتجاجات الشعبية، في الوقت الذي كان يعول عليه نظام الرئيس المخلوع في إخماد أي تحرك من هذا القبيل.

بدا ذلك جليا في الثورة التونسية إذ ظل الجيش كامنا في ثكناته 23 عامًا هي مدة حكم بن علي حتى أشعل بوعزيزي شرارة الغضب، ونجح في أن يخرج المؤسسة العسكرية عن صمتها ليبرز دورها في حماية مكتسبات التونسيين، والحيلولة دون سقوط البلاد في دوامة الفوضى والعنف.

وأيا كان حجم الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية في تونس في رحيل نظام بن علي، فإن التحول اللافت للجيش من حياد في بدايات المشهد - حتى سقوط 66 شهيدا- إلى لعب دور أكبر في حماية الثورة، ومطاردة قوات الحرس الرئاسي ، والتصدي لأعمال العنف من قبل الموالين للرئيس المخلوع، حسم المعركة لصالح الشعب.

ثورة "بوعزيزي" كنموذج عربي سلطت الضوء على الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة العسكرية في مسار

الأحداث، وتأمين عملية انتقال سياسي في البلاد وصولا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، وهو سيناريو لا يعني نجاحه -إمكانية تكراره في بلدان عربية أخرى- ، وفي نفس الوقت لا يمكن تجاهله أو استبعاد احتمالات حدوثه خاصة في ظل وجود أنظمة عربية تمارس بحق شعوبها قمعا كبيرا وتزويرا فجا في انتخاباتها.

عسكر ضد الشعب

إزاء دور الجيش التونسي في تأمين عملية الانتقال السياسي للبلاد، وما يحمله من دلالات إيجابية حتى الآن، يمكن أن تحول المؤسسة العسكرية في بلدان أخرى دون أي تغيير تطمح إليه الشعوب العربية، بل قد تكون أداة قمع فنسبة 80% من الناخبين الجزائريين الذين صوتوا لجبهة الإنقاذ الإسلامية عام 1990 لم يستطيعوا فعل شيء أمام عدد من جنرالات الجيش وطلقات النار.

الجيوش العربية *

تعداد الشعوب العربية 320 مليونا

عدد الجنود العرب في الخدمة 2 مليون

عدد جنود الاحتياط العرب 1 مليون

دبابات 16000

عربات مصفحة 30000

مدفعية 12000

طائرات عسكرية 2900

سفن وزوارق 29

غواصات 4

وتشهد مجزرة حماة في 2 فبراير عام 1982م على المدى الذي يمكن أن تصل إليه اليد الطولى للجيش, حيث كانت أوسع حملة عسكرية يشنها النظام السوري ضد المعارضة، وأودت بحياة الآلاف من أهالي مدينة حماة، حيث قام النظام السوري بتطويق المدينة وقصفها بالمدفعية ثم اجتياحها عسكرياً.

وهناك المؤسسة العسكرية السودانية التي استولت على السلطة في السودان أربع مرات كانت الأولى في 17 نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود، والثانية في 25 مايو 1969 الذي قادها آنذاك العميد جعفر نميرى، والثالثة انتفاضة 6 أبريل 1985 والتي عرفت بـ«انتفاضة أبريل» وأعادت النظام الديمقراطي وتسلم بعدها المشير عبد الرحمن سوار الذهب مقاليد الأمور، والرابعة بقيادة العميد عمر البشير في 30 يونيو 1989 وحتى الآن، وهناك العديد من الانقلابات العسكرية التي لم تنجح في الاستيلاء على السلطة منها انقلاب الرائد هاشم العطا في يوليو 1971 ضد جعفر نميرى، وحركة محمد نور

سعد 1976، وحركة 28 رمضان ضد عمر البشير في إبريل 1990.

وتعد موريتانيا بلد الانقلابات، فمنذ عام ١٩٧٨ شهدت البلاد ١٦ انقلابا كان آخرها الانقلاب ضد ثاني رئيس منتخب في البلاد وهو سيدي ولد شيخ عبدالله الذي تسلم الحكم في أبريل ٢٠٠٧ من الجيش الذي انقلب علي سلفه معاوية ولد الطايع، بينما جاء الأخير بانقلاب عسكري، كما شهد حكمه إحباط عدة انقلابات، ومن ثم باتت الانقلابات السمة الأساسية لتداول السلطة في موريتانيا، فجميع الحكام سوى اثنين كانوا من العسكر.

المشهد المصري

المؤسسة العسكرية المصرية دوما ما تحظى بالتقدير على نطاق واسع بسبب عدم تورطها في قضايا فساد، وتركيز دورها على حماية أمن البلاد وتولى المهمات المدنية مثل تشييد مشاريع تنموية ضخمة والتدخل في حالات الكوارث الطبيعية والقيام بمهمات إنسانية، مع الأخذ في الاعتبار أن الاستياء الشعبي ربما يطول العديد من قيادات هذه المؤسسة، لكن نظرا لحساسية مواقعها وتعقيدات حساباتها فهي لا تستطيع أن تعبرعن ذلك.

ثورة 25 يناير دفعت بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة لواجهة المشهد السياسي ، وسط مؤشرات قوية تؤكد حسن إدارته للأزمة، وتقديره الكبير لدماء الشهداء والجرحى الذين سقطوا على يد النظام السابق مؤكدا في بياناته مشروعية مطالبهم، لكن الخوف "المشروع" يمكن البعض أيضا من إمكانية الالتفاف على الثورة أو محاولة تفريغ عدد من مطالبها من مضمونه الحقيقي، لاسيما في ظل وجود بقايا للنظام لها مصالح قوية في القفز على الثورة، وضغوط خارجية من قوى إقليمية ودولية تحاول أن تشارك في رسم ملامح "ما بعد مبارك".

بقاء عمر سليمان - نائب الرئيس المخلوع- خلف كواليس المشهد السياسي، وتشكيلة حكومة أحمد شفيق، والدور الخفي لعدد من أركان النظام السابق على رأسهم صفوت الشريف وأحمد فتحي سرور وزكريا عزمي وغيرهم، بالإضافة إلى وجود مراكز قوى على رأسها جهاز أمن الدولة وربما أجهزة أمنية أخرى، لا شك أنها مؤشرات تعزز من حالة ترقب وحذر باتت تسكن قطاعا كبيرا من شباب الثورة.

يظل الأمر مرهونا - من وجهة نظري- بمدى قدرة المصريين على الإبقاء على حال اليقظة، وحشد قوى المجتمع المدني والنقابي لحماية ما حققته ثورة 25 أبريل، والعمل بشكل "سلمي" على تنظيف مؤسسات الدولة من بقايا نظام يكن روح العداء لثورة أطاحت بأركانه وثرواته، مع الأخذ في الاعتبار بأهمية الحوار والتعاون بين القوى والفاعلة وأركان المؤسسة العسكرية بما يعزز من انحيازها لثورة شعب، ويجهض أي ضغوط داخلية أو خارجية تحاول القفز على دماء التحرير.

** الأرقام في الجدول تقريبية مأخوذة من موسوعة الشعوب www.nationsencyclopedia.com ودراسة أعدها أنتوني كوردسمان بعنوان The military balance in the middle east على موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية www.csis.org

 

 

 

أهم الاخبار