رمضان شاهد عيان علي سحق الطغاة والمتكبرين

ثقافة

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 08:00
تقرير - صلاح صيام:

مَنَّ الله تعالي علي شعب مصر بهذه الثورة العظيمة المباركة «ثورة 25 يناير»، فهي ثورة التغيير والتطهير والإصلاح، ثورة الحرية والعدالة - وهذا من فضل الله علينا ويأتي رمضان هذا العام بنكهة وروح الثورة وتتضح معالم هذه الروح في كل شيء فتأثر سوق الفوانيس الرمضانية لتظهر أول مرة فوانيس المجلس العسكري علي شكل الدبابة وأخري عليها شعارات الثورة كما تشبع البلح بروح الثورة وظهر «بلح الشهداء» و«بلح الثورة».

لقد كان رمضان بحق شهر الانتصار علي المبطلين والمستكبرين والطغاة، فكيف به هذا العام، وقد جاءنا وسط يقظة عامة من الشعوب ضد جميع الطغاة في الشرق والغرب.

إنها صحوة وفرحة عامة من المقهورين والمغلوبين والمعذبين في الأرض الذين سلبت حرياتهم، وسرقت أموالهم، وذاقوا الخسف والهوان، وصبروا وصابروا، واحتملوا ما لا تحتمله الجبال من أذي وهوان، وكيد، ثم انطلقوا بعد كل هذا يطالبون بحقوقهم، ويدفعون المعتدي عليهم، لا يحملون سلاحا، لأن ما معهم من حق في الحياة الكريمة هو أقوي من كل سلاح، إنهم في كل مكان يمثلون انتفاضة المغلوبين والمعذبين في الأرض، وهذا الأدوات لا يستطيع أن يقف أمامها أحد، ولو كان يحمل الصاروخ ويركب الدبابة.

ولقد تساقط الشهداء، ومازالوا يتساقطون برصاص الجزارين الذين سرقوا أموال الأمة، وضيعوها في ملذاتهم وشهواتهم، سقط الضحايا في الميادين، وسقط أكثر هؤلاء في السجون، وعاشوا في ذل وخوف ورعب من مستقبلهم المظلم، ومن عاقبتهم علي أيدي قضاة العدل، المتأمل في أحداث شهر رمضان عبر التاريخ الإسلامي يجد أموراً عجيبة هذه الأمور ليست مصادفة فكل شيء عند الله عز وجل بمقدار، سيجد أن المسلمين ينتقلون كثيرا من مرحلة إلي مرحلة أخري في رمضان من ضعف إلي قوة ومن ذل إلي عزة، ارتبط شهر رمضان بالجهاد، حتي آيات الصوم في سورة البقرة تنتهي في ربع من القرآن ثم يبدأ ربع جديد وثاني آية فيه تتحدث عن القتال والجهاد هذه آيات كثيرة تحض علي الجهاد والقتال بشدة والطلاقة واضحة بينها من آيات الصيام فالإعداد لجهاد هو إعداد للنفس والجسد بل والأمة كلها.. العلاقة بين الصيام والجهاد وثيقة جدا فالتاريخ الإسلامي يؤكد هذا الارتباط فأول خروج المسلمين لقتال مشركي قريش كان في رمضان وليس المقصود هنا غزوة بدر فقد خرج جيش إسلامي لأول مرة لقتال المشركين بعد الإذن لهم بالقتال، وكان ذلك في السنة الأولي للهجرة، ولم

يكن صيام رمضان قد فرض بعض وكانت هذه هي سرية حمزة بن عبدالمطلب عم الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانت السرية في مكان يعرف باسم «سيف البحر». إذن أول مرة يرفع المسلمون فيها سيوفهم للدفاع عن حقوقهم وأنفسهم كانت في رمضان ولم يحدث قتال في هذه المرة.. وتمر الأيام ويأتي شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة ليشهد حدثا هائلا من أهم الأحداث في تاريخ الأرض وليس في تاريخ المسلمين فقط ألا وهو غزوة بدر الكبري في السابع عشر من رمضان وقد انتهت بالنصر الباهر للمسلمين، وهو أول صدام حقيقي بين المسلمين ومشركي قريش وكانت قريش تحمل لواء الكفر في الجزيرة العربية فلماذا تكون أول غزوة في رمضان؟ ولماذا يكون أول صدام حقيقي مع المشركين في رمضان؟

ولماذا هذا الانتصار الرائع في رمضان وليس أي شهر آخر؟

الاجابة ببساطة أن هذا رسم لسياسة الأمة وتخطيط لمستقبلها، فأمة لديها شهر تستطيع أن تغير في نفسها تماما بعد موقعة بدر وأصبح لهم دواة معترف بها وشوكة قوية ومكانة ووضع مستقر انتقل المسلمون إلي مرحلة جديدة تغير هائل حدث في كل شيء، تغير في مجري التاريخ ولذلك سميت غزوة بدر يوم الفرقان وربطها المولي عز وجل بشهر رمضان من أجل أن نتفكر دائما في هذا الشهر ونتأكد أن النصر من عند الله وليس بالعدة والعتاد فلا يصح أن تنتصر أمة بعيدة عن ربها ودينها فإذا تمسكت هذه الأمة بالله فلا تشك أن النصر حليفها وهو زرع للأمل في نفوس المسلمين إلي يوم القيامة وكذلك دعوة إلي وحدة الصف والتضحية بكل شيء النفس والمال والوقت والجهد ليتم النصر هذه القاعدة ضرورية وكذلك الاعداد الجيد قرر المستطاع لمواجهة الاعداء وطاعة أولي الأمر فإذا جعلنا هذه المبادئ نبراس حياة فزنا في الحياة والآخرة أما في السنة الثامنة من الهجرة فكان الموعد مع حدث من أهم أحداث التاريخ، إنه فتح مكة، اللقاء الأخير والفيصل مع مشركي قريش، فقد خرج الرسول وجيش المؤمنين من المدينة المنورة قاصدًا مكة في

العاشر من رمضان وفتحها في الحادي والعشرين منه.

والموقف في فتح مكة مختلف عن بدر، ففي غزوة بدر كان الخروج في رمضان علي غير اختيار المؤمنين، لأن القافلة المشركة بقيادة أبي سفيان جاءت في ذلك التوقيت فخرجوا لها، لكن الخروج في فتح مكة كان بتخطيط وتدبير من رسول الله ومن المؤمنين، كان من الممكن أن يؤخروا الخروج 3 أسابيع فقط ليخرجوا في شوال بعد انتهاء رمضان، كان من الممكن أن يقول بعضهم: نستفيد بالصيام والقيام وقراءة القرآن، ونؤخر الجهاد 3 أسابيع فقط.. لكن كل هذا لم يحدث.

فرمضان شهر الجهاد، ليس فيه تعطيل للقتال، لا توجد به راحة للمؤمن، بل علي العكس، عندما انطلق الرسول بالجيش، واقترب من مكة، كان صائما وكان الصحابة كلهم صائمين معه، قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فماذا فعل الرسول؟ هل أخر الصيام، أم أخر الجهاد؟ لقد «دعا بقدح من ماء بعد العصر» تخيل اليوم قرب علي الانتهاء، ومع ذلك يرسخ معني في غاية الأهمية في قلوب المسلمين، إذ «شرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم».

تأمل منهم من قلد، ومنهم من لم يقلد الرسول في هذه النقطة، الأمر علي الجواز، فبلغه أن أناسا صاموا، يا تري ماذا قال؟ قال: «أولئك العصاة».

أولئك العصاة مع أنه في الأيام الأخري كان يسمح لمن أراد أن يفطر فليفطر، ومن أراد الصوم فليصم، لكن في هذه المرة الأمر مختلف، فهم ذاهبون إلي مكة للجهاد، والجهاد يحتاج إلي قوة وجلد.

لم يؤخر الجهاد بل أفطر، لأن الجهاد متعين الآن، أما الصيام فيمكن قضاؤه بعد ذلك ولكن الجهاد لا يؤخر، الجهاد ذروة سنام الإسلام، لذلك أفطر الرسول في هذا اليوم، لأن الرسول كان مسافرًا سفرًا طويلاً جدًا في الصحراء في رمضان. فكان الصيام صعبًا جدًا.

وضعت كذلك في فتح مكة مئات القواعد لبناء الأمة الإسلامية، ففتح مكة كان في رمضان، وكل رمضان نتذكر فتح مكة، نتذكر صدفة أن أول صدام حقيقي مع مشركي قريش كان في رمضان في غزوة بدر، وآخر صدام مع المشركين كان - أيضا - في رمضان في فتح مكة، هل يعقل أن تكون صدفة؟

هذا الشهر تتغير فيه أحوال الأمة بشكل رائع، علامات في منتهي الوضوح، في هذا الشهر الكريم الرسول هدم صنم هبل، ومعه أكثر من 360 صنما بداخل الكعبة المشرفة، وهذه الأصنام ظلت داخل الكعبة 21 سنة، بداية من نزول البعثة علي الرسول عليه الصلاة والسلام، وبالتأكيد ظلت هذه الأصنام سنين طويلة قبل البعثة موجودة، في كل هذه الشهور السابقة والسنوات السابقة ربنا - سبحانه وتعالي - يختار أن هذه الأصنام تدمر وتكسر وتقع في شهر رمضان.

هذا شهر اعزاز الإسلام وتمكين الدين، ونصر المؤمنين، رمضان شهر الانقاذ والنجدة والنصر والعزة، فلا يصح ألا يعلم المسلمون هذه المعاني، ويظنوا أنه شهر الأعمال الفنية الجديدة، والدورات الرياضية، والخيم الرمضانية، ليس هذا هو رمضان الذي يريده ربنا سبحانه.

 

أهم الاخبار