مسلسل الحسن والحسين أعاد طرح القضية

من يفك الاشتباك بين حرية الإبداع وثوابت المجتمع؟

ثقافة

الأربعاء, 10 أغسطس 2011 11:08
تحقيق: صلاح صيام

(لقد حاولت من خلالهما أن أقدم للقارئي والمشاهد المسرحي أروع بطولة عرفها التاريخ الاسلامي كله دون أن أتورط في تسجيل التاريخ بشخوصه وتفاصيله التي لا أملك أن اقطع فيها بيقين) الكلمات السابقة للراحل العظيم عبدالرحمن الشرقاوي متحدثا عن مسرحيتيه (الحسين ثائرا) و(الحسين شهيدا).. واليوم نشهد جدلا شديدا حول عرض مسلسل تليفزيوني يجسد الملحمة العظيمة ,واشتد الجدل بعد إعلان مجمع البحوث الإسلامية مطالبة الجهات المسئولة بمنع عرض الأعمال الدينية التي تجسد بعض الشخصيات الممنوعة مثل آل البيت او الصحابة في إشارة واضحة إلي مسلسل الحسن والحسين, تزامن ذلك مع ارتفاع الذعر والرعب من جانب علماء الدين, ونقابة الاشراف وجميع محبي آل البيت في مصر والسودان الذين وصفوا عرض المسلسل بأنه سيؤدي إلي شق صفوف الأمة العربية ويعمل علي بلبة الأوضاع وعدم استقرارها, رغم موافقة الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور نصر فريد واصل علي عرض المسلسل.. بين المنع والعرض, والموافقة والرفض يدور هذا التحقيق.

الروائي سعيد الكفراوي يري أن الابداع ليس له حدود, والكاتب المبدع من أدواره المهمة اختراق الثابت ومواجهة المواصفات القديمة والخروج من سطوة الماضي لاستشراق المستقبل وإلا ما كانت أعمال تاريخية عظيمة عند كتاب كبار في تاريخ الادب مثل تولستوي ودستوفسكي وهمنجواي علي الصعيد العالمي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وبعض تجارب الستينيات علي الصعيد المحلي, والتي خالفت المواصفات القائمة, والخلاصة أن الأدب لا توجد أمامه سلطة أبدية وكل موضوعات الكتابة خاضعة للتساؤل ولتحكيم العقل وحتي الخروج من سلطة الماضي وسلطة تواريخ وكتابات ثبتت الواقع والخروج إلي مستقبل عبر الكتابة والإبداع.

ويؤكد (الكفراوي) أن أمام الكاتب عدة محاذير يصنعها الواقع منها المحافظة علي قناعات الجماعة الاجتماعية وعدم المساس بعقائد مستقرة وموجودة من خلال النص ولكن مع كل هذا لا يمنع مساءلة أي شيء, فكافة أشكال التقدم التي حدثت عبر القرون كانت خروجا علي سلطة الماضي, في عصر النهضة ازاح زمن الأنوار سلطة الكنيسة الي مكان يخصها وباشر العقل والتفكير الحر وحق الإنسان في مباشرة خلق الحضارة

ويدعو (الكفراوي) إلي احترام عقائد الناس ولا داعي لمجابهة تلك العقائد بالاشكال المستقرة, لكن إذا وقفت العقيدة حائلا بين التقدم, تساءل أمام الابداع لكي يأخذ فرصة صياغة المستقبل,

كل شيء قابل للمساءلة, الثقافة والفن وبالمناسبة أنا مع ظهور الصحابة في أعمال فنية باعتبارهم شخصيات ليست مقدسة ولكن شخصيات تاريخية لهم ما لهم وعليهم ما عليهم, فلماذا لا يظهر الحسن والحسين علي الشاشة ونبين قيمتهما الرفيعة ويكونا معيارا لقيمة العدل والنقاء والطهارة بدلا من دفنهما, وكذلك معاوية وعمرو بن العاص اللذان فعلا ما فعلا وقالا إن لله جنودا من عسل؟

ويطالب (الكفراوي) بضرورة محاربة الخرافات والموروثات الشعبية وإيمان العجائز والخوف من المجهول إذا أردنا التحرر من قيود الماضي.

ويري الدكتور رمسيس عوض أن العلاقة بين الدين والفن علاقة عضوية وثيقة ,فقد ترك الدين في الفنون والآداب (المعمار - النحت - الرسم ) أعمق الأثر, وعظمة الكتدرائيات خير شاهد علي ذلك, فالانسان يقف أمامها مشدوها حتي لو كان ملحدا, ونحن في مصر القديمة والقبطية والاسلامية نري مظاهر لا تنتهي تؤكد الأثر العميق الذي تركه الدين في الفن, ونفس الشيء ينطبق علي الآداب, فأول رواية ظهرت في إنجلترا من تأليف جون بانيان كانت مستمدة من الدين المسيحي بشكل مباشر وصريح, ورغم أن الآداب العالمية بمرور الزمن نأت بنفسها عن التأثر المباشر بالدين, فإن هناك حتي يومنا الراهن مسمي من الأدب الخلاق يندرج تحت عنوان (الأدب الديني) ولكن بمرور الزمن وخاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين, استقلت الفنون والآداب استقلالا شبه كامل عن الدين فظهرت أنماط أدبية تعارض التفكير الديني التقليدي مثل الأدب الوجودي وأدب اللامعقول. 

وباستقلال الفنون والآداب عن الدين نشأت مشكلة لا يزال العالم العربي عاجزا عن استيعابها ناهيك عن مواجهتها, وهي ماذا يفعل إذا اصطدمت الفنون والآداب بالمواصفات الدينية والأخلاقية مثلما فعلت رواية د. هـ. لورانس (عشيق الليدي)وغيرها الكثير ونجم عن هذا الصدام بين الفن والدين مشكلات قانونية عويصة.

وبطبيعة الحال استنت النظم الحاكمة مجموعة من القوانين التي تنظم العلاقة بين الدين والفن, وفي البداية جنحت هذه القوانين

إلي مؤازرة الأفكار الدينية والأخلاقية السائدة في المجتمع, فقد نص قانون البذاءة البريطاني علي اعتبار العمل الأدبي بذيئا إذا وردت فيه فقرة بذيئة, ونفس الشيء حدث في أمريكا التي طبقت طريقة (هيكلين) المماثلة.

ولو ألقي القارئ العربي نظرة علي موسوعة الرقابة والاعمال المصادرة في العالم لاكتشف أن أروع الاعمال الادبية والفنية التي أنتجتها قريحة البشر تعرضت يوماً من الايام للقمع والمصادرة ومعني هذا أن الانسان قد يخطئ في الحكم علي عمل أدبي أو فني, كما أن المفاهيم البشرية تتغير من عصر إلي عصر, فنحن نقف إجلالا أمام هذه الكلاسيكيات العظيمة التي تعرضت يوما ما للمصادرة بل نقوم بتدريسها للنشء في دور العلم والجامعات.

ولا شك أن ديناميكية العقل الاوربي – علي عكس جمود العقل العربي وتحجره  ساعد إلي حد كبير في  فك الاشتباك بين الفن والدين.

ويري الأديب عبد الوهاب الأسواني أن شخصيات مثل الحسن والحسين  وغيرهما مجهولة بالنسبة للجمهور وأقرب إلي الخرافات, ويخيل إليه أنهما يحملان كرامات وحصانات, ولكني أري أن عظمتهما في انتصارهما علي أنفسهما وكبت الشر والسعي إلي الخير والصراع مع الهوي, فعمر بن الخطاب – قبل الاسلام - كان يدمن شرب الخمر ولا يستطيع التخلي عنه, فكم عاني في ترك هذا الذنب بعد الإسلام, والعجيب أننا نجد من يتحدث عن معونة السماء ومساعدة الإله وهذا غير حقيقي, لأنه ببساطة إذا صح هذا الكلام فلماذا ظل الرسول عليه السلام طوال 23 عاما يجاهد لتوصيل رسالته, إذن هؤلاء الصحابة عانوا وضحوا وتحملوا الكثير من أجل الدعوة والإسلام ومن حقنا أن نعرف عنهم كل شيء.

ويحذر (الاسواني) من الطعن في العقائد والمجاهرة بذلك لأن من حق أي إنسان أن يرتاح لعقيدة معينة, وكل إنسان مزود بحاسة تدله علي الله فمنهم من يعبد البقر والنار وغير ذلك, فلا ينبغي مهاجمة الأديان مطلقا وأذكر حادثة طريفة عندما كنت خارج الوطن ووجدت هندياً يعبد البقرة وسط سخريه زملائه, فمنعتهم من ذلك وعندما اختليت به سألته لماذا البقرة بالذات فقال (البقرة  ماما) فتذكرت الفلاح المصري العظيم الذي تمثل البقرة له الحياة, وهناك قصة أخري عندما أحب الاديب العظيم محمد مستجاب سيدة وطلبت منه أن يعبر لها عن حبه فوصفها بالبقرة فغضبت وتركته للابد فتعجب من تصرفها فكيف يمدحها بالعطاء والتضحية - علي حد وصفه - وهي لا تفهم ذلك بل تعتبره نقيصة.

ويلخص (الأسواني) رأيه في قوله: لا مانع عندي من ظهور أي شخصية صحابية سواء في المسرح أو السينما أو التليفزيون لنظهر عظمة هذه الشخصية, ونبين من أين أتت لها الكرامات، ففي أوروبا رأينا المسيح عليه السلام علي شاشات السينما, فما المانع من ظهور شخصيات مثل أبو بكر وعمر وعثمان, ولكن لا ينبغي ظهور الأنبياء فقط  في أعمال فنية.

أهم الاخبار