ليالٍ رمضانية بطعم المصريين

ثقافة

الأربعاء, 10 أغسطس 2011 11:05
ليالٍ رمضانية بطعم المصريين
كتبت - نهلة النمر:

مصر تقبض علي تراثها بيد من حديد كأم تحمل وليدها، تعبر به الأزمات والأيام والسنين، فلا تسمح له بالسقوط ولا التهاوي، ربما كان هولها المُعين علي العبور من بين كل الصعاب، أو كان النور المضيء في الطريق. وما بين التعاليم الدينية والطقوس الدنيوية يظل الموروث الشعبي والثقافي للمصريين والذين يعيشون أسعد لحظات السنة وهم يستطلعون الهلال مستقيلين أجمل شهور السنة وأفضلها شهر رمضان.

في هذا الشهر لا تخجل مصر أن تتحول إلي فتاة جميلة تغازل تراثها وتستدعيه. هذا التراث الذي بدأ مع صدر الإسلام.. الفانوس.. والمدفع.. صلاة التراويح والمسحراتي. مَنْ منا لا يطرب لمسحراتي الحي؟ فمازال وجود المسحراتي له سحر خاص رغم تعدد أدوات الإيقاظ لكن صوت المسحراتي في الليالي الرمضانية يضفي حميمية علي الأجواء ويعيدنا إلي أيام جميلة.

 

يقول الدكتور علي ليلة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إن الموروث الثقافي المصري يتميز بالقوة عنه في الدول المجاورة لأن مصر بلد حضاري عريق تهتم بالتراث وتعرف كيف تتعرف عليه وتتعامل معه وتمتزج به وأضاف أن مصر بلد يعشق ماضيه ويحافظ عليه ويتفاخر به ومن هنا كان الاهتمام باحتفالية شهر رمضان وغيرها من الاحتفاليات. ولكل احتفالية سمات خاصة تمتزج بسمات شعبها التي يتميز بها عن غيره. وأشار إلي أن الشعب المصري شعب متفائل بطبعه ذو طبيعة انبساطية يبحث عن السعادة أينما كانت وفي أبسط صورها لأن حياة المصريين مليئة بالصعاب ويومهم مغلف بالمعاناة لذلك تجدهم يبحثون عن البهجة من خلال استدعاء التراث فهو

شعب يحب أن يسعد نفسه.

ويتحدث الدكتور صلاح الراوي، أستاذ الفلكلور الشعبي بأكاديمية الفنون عن الموروث الثقافي المصري من زاوية خاصة ومختلفة فهو يري الجماعة الشعبية المصرية تستقبل كل ما يقدمه لها الوجود من زاويتها الخاصة، فعلي سبيل المثال النص الديني المرتبط بالقرآن نص محدد ولكن طبيعة مصر الخاصة لها سمات نادرة جعلت الشعب المصري يتميز عن غيره احتفالياً فهو ليس شعب صحراء إنما شعب ضفاف ونهر ومصب ويصف الراوي مصر بتاريخها العريق بأنها عبارة عن سبيكة حضارية مترابطة ومن هنا يجيء الاحتفال برمضان شعبياً يختلف عنه رسمياً حيث تؤمن الجماعة الشعبية بأن الصوم فكرة لضبط النفس وليس فكرة للكآبة وهو دعوة دنيوية كما كان دعوة دينية فكلمة رمضان كريم مفردة ينبغي الوقوف أمامها لأنها أحد مفاتيح الرؤية عند الجماعة التي تؤمن بأن هذا الشهر ثري ويُثري كل من يعيشه ويلحق بأجوائه بكل ما تحمله كلمة الثراء من معانٍ بداية من التمرة التي يفطرك عليها سائق التاكسي ومروراً بالحب والتسامح ووصولاً إلي العبادة وصلة الرحم.

ويري أيضاً أن الوعي الجمعي لدي الجماعة الشعبية في مصر واحد، فالأقباط والمسلمون يحتفلون معاً في كل المناسبات بحثاً عن البهجة.

أما الدكتورة إنشاد عزالدين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنوفية فتري أن مصر من أكثر البلاد العربية

والإسلامية حفاظاً علي الموروث الشعبي عامة والمرتبط منه برمضان خاصة وترجع ذلك إلي أن مصر تحتضن أكبر عدد من الأضرحة ومقامات أهل البيت ولما لهذه المزارات من روحانية خاصة دفعت المصريين للتبرك بها والمحافظة علي زيارتها وجعلتهم يداومون علي الاحتفال بالموالد طلباً للبهجة حتي إنهم تفننوا في البدع والطقوس الغريبة.

إن كل فرد في الأسرة المصرية يعرف كيف يحتفل برمضان، فالطفل يهتم بالفانوس وتزيين البيت والشارع، وتنهمك النساء في إعداد الولائم والأطعمة بينما يتجه الشيوخ والرجال للتعبد وصلاة التراويح والتهجد كما أشارت إلي موروثات اجتماعية قديمة تدعم الانتماء وتزيد من دفء المشاعر وهي لم شمل الأسرة، حيث يعتاد أفرادها علي الإفطار سوياً وربما لا يحدث هذا كثيراً.

وتضيف الدكتورة إنشاد أن الشعب المصري يعيش حياة صاخبة طوال العام ويأتي رمضان ليكون بمثابة واحة للمتعبين. من ناحية أخري، فهي تري أن رمضان هذا العام سوف يتزامن مع أجواء العطلة الصيفية حتي يكون تخفيفاً من الأعباء وفرصة للاستمتاع به ومعايشة كل طقوسه قبل أن تتجه الأنظار مرة أخري إلي بداية الموسم الدراسي الذي يفرض هو الآخر متطلباته.

وعن الدكتور أحمد يحيي، أستاذ الاجتماع بجامعة قناة السويس فيري أن رمضان يمثل للمصريين اعتبارات كثيرة أولها الاعتبار الإيماني حيث يحرص كل فرد علي الطاعة ويواظب علي أداء الفرائض، وكذلك الاعتبار الاجتماعي حيث يحرص المصريون علي التواصل الأسري والاجتماعي والتصالح مع الآخرين رغبة في الوصول إلي الرضا الاجتماعي لكل من نتعايش معهم، وأضاف أن هناك بعداً ثقافياً وهو أحد الموروثات المهمة في رمضان حيث تلجأ الأغلبية من المصريين إلي قراءة القرآن والكتب الدينية وتقام ندوات دينية لفهم حقيقة الإسلام وطبيعة الشهر الكريم وما يحمله في باطنه من الرحمة والعطاء وإنكار الذات.

وأشار الدكتور يحيي إلي سلبيات تصاحب هذا الشهر ومنها سلوكيات سيئة تجعلنا ننظر بغرابة إلي هذا الشعب المليء بالمتناقضات ومنها الكسل بحجة الصيام وزيادة المزاج العصبي.

أهم الاخبار