البوكر العربية.. شكوك لا تنتهي

ثقافة

الأحد, 19 ديسمبر 2010 18:26
كتب: إبراهيم عبدالمعطي

رغم أن النسخة العربية لجائزة البوكر وصلت إلى عامها الرابع، إلا أنها لم تستطع أن تكتسب ثقة كثير من المثقفين العرب، ومازالت دون الاحترام الذي تتمتع به جوائز أخرى كبرى مثل جائزة الملك فيصل العالمية وجائزة العويس وجائزة الشيخ زايد.. فمنذ أيام أعلنت لجنة تحكيم الجائزة قائمتها القصيرة، وكان من المفاجئ خلوها من أسماء كبيرة مثل خيري شلبي وواسيني الأعرج وفواز حداد.

القائمة القصيرة ضمت 6 روايات هي: (بروكلين هايتس) لميرال الطحاوي من مصر، و(رقصة شرقية) لخالد البري من مصر، و(القوس والفراشة) لمحمد الأشعري من المغرب، و(معذبتي) لبنسالم حميش من المغرب، و(صائد اليرقات) لأمير تاج السر من السودان، و(طوق الحمام) لرجاء عالم من السعودية.

مرشحان مصريان

ميرال الطحاوي المرشحة عن روايتها "بروكلين هايتس"، وهي أديبة تركت بصمة واضحة في الأدب العربي، خاصة أنها ركزت على أدب الصحراء والغوص في عوالمه الخفية، وأنتجت عددا من الأعمال بدأتها بالمجموعة القصصية "ريم البرارى المستحيلة"، وأتبعتها بروايات: "الخباء"، و"الباذنجانة الزرقاء"، ونقرات الظباء"، ثم روايتها الأخيرة المرشحة للبوكر.

والمصري الثاني الذي ضمته القائمة القصيرة هو خالد البري الذي بدأ حياته الأدبية بكتاب "الدنيا أجمل من الدنيا"، وألف رواية "نيجاتيف" ثم رواية "رقصة شرقية" المرشحة للبوكر.

ويجمع بين الطحاوي والبري تحولهما من اليمين إلى اليسار، فقد كانت ميرال الطحاوي عضوة في جماعة الإخوان المسلمين، وبدأت الكتابة في مجلة "الدعوة" ثم مجلة "لواء الإسلام"، وصدر كتابها الأول "مذكرات مسلمة" بمقدمة لزينب الغزالي. وكانت نقطة التحول في حياة ميرال الطحاوي عندما تركت جماعة الإخوان وخلعت الحجاب، مبررة ذلك بقولها "توقفت عن أن أنظر لنفسي باعتباري عورة وجسدا".

أما خالد البري فقد انضم إلى الجماعة الإسلامية عندما كان في المرحلة الإعدادية، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية التحق بكلية الطب في جامعة أسيوط، وتخرج فيها عام 1997. وتعرض للاعتقال فانقلب من النقيض إلى النقيض، وخلع عباءة التشدد، ونشر مراجعته لأفكاره في كتاب بعنوان "الدنيا أجمل من الجنة: سيرة أصولي مصري سابق". ويوضح البري أنه ألف هذا الكتاب لأنه يحب الكتابة، وليس من أجل المتاجرة بهذه القضية، ويقول: "أكره صورة الراديكالي المنقلب علي جماعته ولا أطيق هذا الكتاب، أريد أن

تؤمنوا بأني عدت كاتبا وروائيا، وربما ما لا يريد أحد تصديقه، إنني كتبت "أجمل من الجنة" بالأساس لأني أحب الكتابة، وليس المتاجرة بالقضية".

ويجمع بين روايتي "ميرال" و"خالد" المرشحتين للبوكر أن الشخصية الرئيسية فيهما عربية تعيش في الغرب، فرواية "بروكلين هايتس" تتحدث عن شاعرة مصرية "هند" تسافر مع ابنها الصغير إلى الولايات المتحدة، بعد مرورها بتجربة زواج لم تنجح، وتعرض الرواية لمعيشة "هند" في أمريكا وذكريات الطفولة التي لا تفارقها في فترة السبعينيات في مصر والتي شهدت تحولات كبيرة في المجتمع.

أما رواية خالد البري "رقصة شرقية" فيتناول فيها شخصية "كاتيا" فتاة من أم مصرية وأب لبناني، تريد أن تتعلم الرقص الشرقي، وتقابل محاولاتها بالرفض من أمها، في الوقت الذي تمارس فيه الأم ما هو أسوأ من الرقص.

هل كان لتحول "ميرال" و"خالد" من اليمين إلى اليسار دورا في دخولهما القائمة القصيرة للبوكر التي تعد امتدادا لجائزة البوكر العالمية؟ وهل تفضل لجنة الجائزة الأعمال التي تتناول حياة العربي في الغرب وسؤاله عن هويته؟

المتنافسون الآخرون

تساؤل آخر لا بد أن يثور في الذهن، زهو: لماذا ضمت القائمة القصيرة وزيرين مغربيين أحدهما سابق والآخر حالي؟ وهما محمد الأشعري وزير الثقافة المغربي السابق، وبنسالم حميش وزير الثقافة المغربي الحالي، ولا خلاف على أنهما من المبدعين، خاصة أن بنسالم حميش أحد الحاصلين على جائزة نجيب محفوظ عن الجامعة الأمريكية.

وبالإضافة إلى التساؤل السابق، فإن الروايتين المختارتين تزيدان الشكوك حول اختيار روايات تتناول موضوعات بعينها للدخول في التنافس على الجائزة، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الأعمال الفائزة تتاح لها فرص الترجمة إلى اللغات الغربية، ويبدو أن هذا يجعل لجنة التحكيم تفضل الروايات التي ترضي القارئ الغربي وتكرس للصورة المشوهة عن الإنسان العربي الذي تتصف بيئته بالإرهاب وتعاني شخصياته من التمزق.

وتتناول رواية "القوس والفراشة" للأشعري حسب تقرير اللجنة "موضوعي

التطرف الديني والارهاب من زاوية جديدة، وتستكشف تأثيرات الارهاب على الحياة العائلية، اذ تروي قصة والد يساري يتلقى في أحد الايام رسالة من تنظيم القاعدة تفيد بأن ابنه، الذي يتابع دراسته في باريس بحسب اعتقاده، مات شهيدا في أفغانستان. تنظر الرواية في وقع هذا الخبر الصادم على حياة بطلها، وبالتالي على علاقته بزوجته".

أما رواية "معذبتي" لبنسالم حميش فإنه "يتزاوج اسلوبها بين "ألف ليلة وليلة" وأعمال فرانز كافكا، انها قصة تجربة رجل بريء في سجن امريكي. خلال فترة أسره، يتعرض البطل للاستجواب والتعذيب من جانب العرب والاجانب على حد سواء، لكن الكاتب ينجح في تقديم كوة أمل في وضع يائس".

وإذا ألقينا نظرة على الروايتين المتبقيتين نجد أن رواية "صائد اليرقات" لأمير تاج السر تتناول "قصة عميل مخابرات سابق يضطر الى التقاعد بسبب حادث، فيقرر كتابة رواية عن تجاربه، وهكذا يشرع في التردد على مقهى يرتاده المثقفون، ليجد نفسه موضع ملاحقة من جانب الشرطة". وأما رواية "طوق الحمام" لرجاء عالم فإنها تكشف "ما تخفيه مدينة مكة المكرمة من عوالم سرية تنضوي على المظاهر السلبية في حياة البشر، من الرقيق الأبيض.. إلى التطرف الديني.. إلى استغلال العمال الأجانب في ظل مافيا من متعهدي البناء يقومون بتدمير معالم المدينة التاريخية. يتصادم هذا الواقع المعتم مع جمال رسائل عائشة إلى عشيقها الالماني".

ومن خلال ما سبق تتضح اختيارات اللجنة التي تركز على موضوعات معينة تقدم نماذج تروج لصورة بعينها عن الإنسان العربي وتساند محاولة الخروج على القيم في بعضها.

غياب المعايير

"تغيب عن اللجنة المعايير النقدية".. هذا ما أكدته الناقدة شيرين أبو النجا بعد استقالتها من لجنة التحكيم في الدورة السابقة، وقالت "أبو النجا" للزميل سيد محمود في جريدة الحياة اللندنية: "استقالتي من اللجنة جاءت نتيجة شعوري بالخيبة، لأنها لم تعتمد معايير نقدية واضحة في مراحل عملها الأخيرة، رغم أن رئيسها الكاتب طالب الرفاعي كان أعد استمارة تحكيم واضحة، وأرسلها الى أعضاء اللجنة عبر البريد الإلكتروني، لكنه لم يلجأ إليها خلافاً لما وعد، وفضل دائماً اللجوء إلى التصويت الرقمي في كل مرة كان يحتد فيها النقاش".

وقدمت مثالا تطبيقيا لملاحظاتها: "ليست لدي اعتراضات على القائمة القصيرة، لكن لي تحفظات واضحة عن أكثر من نصفها وبالتحديد عن روايتين، هما "السيدة من تل أبيب" و"أمريكا"، ففي الرواية الأولى صفحات كاملة تمدح حاكماً عربياً راحلاً، وفي الثانية ما يشبه التطابق مع عالم رواية "صور عتيقة" لإيزابيل الليندي. وعلى صعيد آخر كنت أرى أن الفلسطينية "سحر خليفة" لجأت إلى التقنية نفسها التي لجأ إليها المصري محمد المنسي قنديل، ومع ذلك انحازت اللجنة للثاني واستبعدت عمل الأولى من دون شرح أو توضيح نقدي يمكن الاطمئنان إليه".

أهم الاخبار