رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إسرائيل‮.. ‬الحقيقة والأسطورة في‮ ‬عقول المصريين

حارة اليهود‮.. ‬آخر ما تبقي من‮ ‬يهود مصر‮ ‬

ثقافة

السبت, 18 يونيو 2011 19:30
كتب : رامي‮ ‬المنشاوي:‮ ‬

حملت الحارة معالمهم،‮ ‬وبدت حرفهم وصناعاتهم التي اشتهروا بها علي مر التاريخ ماتزال هنا شاهدة علي ان قوما قد عبروا من هنا او سكنوا هنا وانفقوا أيام عمرهم هنا،‮ ‬الموقف اشبه بمساجد المسلمين في‮ ‬اسبانيا،‮ ‬غرناطة،‮ ‬طليطلة‮ " ‬حين استوطن المسلمون ربوع الاندلس‮ .‬

حتي‮ ‬اسم الحارة لم‮ ‬يتغير بعد،،،،‮ "‬حارة اليهود‮"‬،‮ ‬وقد اختلفت الاراء التاريخية حول‮ ‬يهود الحارة وسبب تواجدهم هنا،‮ ‬فالبعض أشار إلي أن اليهود هم انفسهم من جنحوا الي التجمع بمكان‮ ‬يضمهم ويحوي‮ ‬طقوسهم وآخرون زعموا ان السلطات هي‮ ‬من جمعتهم بهذا المكان وحاصرتهم بربوع الحارة،‮ ‬وفي‮ ‬الحارة لبس بسيط،‮ ‬وبين الرأيين‮ ‬غلب الرأي الاول من خلال التعرف علي شخصية اليهودي‮ ‬الذي‮ ‬يجنح دائما إلي العزلة بحسب المعتقدات التوراتية وذلك للتمكن من ممارسة شعائرهم وطقوس العبادة والطعام والشراب،‮ ‬فاليهودي‮ ‬لايأكل الا الذبائح التي تذبح بحسب الشريعة اليهودية،‮ ‬واليهودي‮ ‬يأثم إثما كبيرا لو ادي‮ ‬صلاة السبت بمفرده وانما‮ ‬يتوجب عليه ان‮ ‬يؤديها في‮ ‬جماعة‮ .‬

حارة اليهود‮ ..‬

بقيت المعالم والبنايات التي تحمل النجمة السداسية هنا شاهدة علي تواجد اليهود واستقرارهم وبخاصة مع وجود ثلاثة معابد‮ ‬يهودية ما تزال موجودة بالمكان،‮ ‬وقد‮ ‬يظن البعض أن حارة اليهود هي‮ ‬حارة أو زقاق ضيق وهو زعم خاطئ كون الحارة عبارة عن حي‮ ‬يضم اكثر من‮ ‬350‮ ‬حارة مابين الأزقة الضيقة والحواري المتعرجة التي في‮ ‬النهاية تشبه الي حد كبير السراديب المكشوفة‮ .‬
استوطن اليهود الحارة وراجت تجارتهم،‮ ‬واستمرت شاهدة عليهم وعلي وجودهم فحارة اليهود بحي‮ ‬الموسكي‮ ‬الذي‮ ‬يتبع الجمالية مايزال محتفظا بمحلات المجوهرات التقليدية والذهب الصيني،‮ ‬وكان المعلم الزمني‮ ‬أراد صهر الماضي‮ ‬بالحاضر لكنه استبدل العنصر البشري‮ ‬باخر والمادة الخام بمادة أخري فبدل التاجر اليهودي‮ ‬اضحي‮ ‬هناك التاجر المسلم والمسيحي‮ ‬وبدلا من صناعة الذهب،‮ ‬تتم صناعة الحلي الشعبية والذهب الصيني‮ ‬رغبة في‮ ‬شيء واحد فقط هو بهجة الفقراء‮ .‬
دكاكين مجوهرات تقليدية،‮ ‬لعب اطفال،‮ ‬مسمط لبيع احشاء الحيوانات واطعام العمال،‮ ‬احترس وانت تسير وانتبه لظهرك مخافة ان تصطدم بك عربة‮ ‬يجرها شاب‮ ‬ينادي‮ ‬بصوت عال‮: "‬ظهرك‮ ‬يا محترم‮" ‬ثم سرعان ما‮ ‬يمر الي جوارك مختفيا عن الأنظار بعربته المحملة بكراتين منوعة بينما التاجر‮ ‬يهرول وراءه لاحقا ببضاعته للحظات ويختفي‮ ‬الشاب والعربة وصاحب البضائع تبتلعهم تعرجات حارة اليهود بدهاليزها‮ .‬

حدوتة الحارة
في‮ ‬عام‮ ‬1848‮ ‬تجمع قرابة‮ ‬5‮ ‬آلاف‮ ‬يهودي‮ ‬من عدد وصل إلي‮ ‬150‮ ‬الف‮ ‬يهودي‮ ‬يقطنون محافظات مصر بحي‮ ‬الموسكي‮ ‬الشهير بالحركة التجارية وتجهيزات العرائس،‮ ‬وظن التجار اليهود انه بإمكان اليهود الفقراء من المصريين التجمع بهذا الحي‮ ‬وممارسة الحرف اليدوية من خلال التدريب علي‮ ‬يد كبار الصناع اليهود والحرفيين،‮ ‬وظل الاثرياء اليهود الذين‮ ‬يعيشون في‮ ‬مصر‮ ‬يتابعون أحوال أقرانهم اليهود الفقراء ويمدونهم بالمال بهدف المساعدة علي تعلم الحرفة وليس الكسب،‮ ‬دليلنا في‮ ‬الحارة الحاج محمد نور والبالغ‮ ‬من العمر قرابة التسعين عاما‮ ‬يبحر بذاكرته ويؤرخ قائلاً‮: "‬فكرة حارة اليهود كانت في‮ ‬الأساس قائمة علي تجميع اليهود الفقراء واكسابهم الحرف،‮ ‬وكان اليهود مهرة جدا في‮ ‬طلاء النحاس والمعادن والمشغولات الحديدية‮ .‬ولعلني‮ ‬اعود بذاكرتي‮ ‬الي سنين طويلة‮ .‬حيث كنت أعمل أنا وتاجر كبير الآن لا داعي‮ ‬لان اذكره في‮ ‬محل الخواجة كنعان‮ .‬كنا وافدين من بلادنا في‮ ‬الدلتا،‮ ‬وكنا مجرد شيالين،‮ ‬لكن الخواجة كنعان كان رجلا طيبا ومتدينا،‭ ‬في‮ ‬يوم طلب منا الخواجة كنعان أن نساعده،‮ ‬ومرة في‮ ‬مرة بدأت أنا وصديقي‮ ‬التاجر الكبير حاليا نقوم بتعلم المهنة من الخواجة،‮ ‬لكن الصراحة أن الخواجة كنعان كان حريصا جدا علي مهاراته وعندما شاهد إصرارنا علي العمل معه وتعلم الحرفة اخدني‮ ‬من‮ ‬يدي وقالي‮: ‬يا محمد أنا هاعلمك تحول الحديد دهب،‮ ‬وكانت الجملة المقصود منها هو تعليمنا فن الطلاء لانه وقتها لم تكن هناك اجهزة كمبيوتر ولا معايير رقمية لإضافة المواد للطلاء كان الموضوع كله بحسب مهارة الفرد‮ .‬كان معنا في‮ ‬المحل مجموعة شباب‮ ‬يهود،‮ ‬صراحة كان الشباب اليهودي‮ ‬في‮ ‬الحارة خواف ويخشي‮ ‬من حدوث اي‮ ‬مشاكل،‮ ‬وكنا بنعاملهم معاملة طيبة وهم كذلك،‮ ‬أغلب من كان معنا من الشباب
اليهودي‮ ‬فقراء لدرجة شديدة جدا لكن للأمانة كان عندهم اصرار‮ ‬غير عادي،‮ ‬وكان كل‮ ‬يوم سبت‮ ‬يأتي إلي الخواجة كنعان رجل ثري‮ ‬وبيده حقيبة،‮ ‬يعطي‮ ‬الحقيبة للخواجة كنعان ويجلس هو والخواجة علي المكتب الخشب ويتبادلان الحديث همسا ثم‮ ‬ينصرف الرجل،‮ ‬بعدها‮ ‬يبدأ الخواجة كنعان في‮ ‬توزيع بعض الأموال علي العمال اليهود‮. ‬تعايش اليهود مع المسيحيين والمسلمين في‮ ‬الحارة حياة طيبة جدا وكان لهم معابدهم لأداء صلواتهم‮ ‬يوم السبت وكنا نقوم احيانا بزيارة بيوتهم،‮ ‬لكن كانوا حريصين جدا علي حياتهم الشخصية،‮ ‬وفكرة البخل المتوارثة عندهم تعود في‮ ‬الاساس الي فكرة الجبن لانهم جبناء جدا ويخشون تقلب الزمن‮ .‬لكن الحقيقة انهم دائما كانوا‮ ‬يشاركوننا أحزاننا وأفراحنا‮.‬
ويعود محدثي‮ ‬مرة اخري مكملاً‮: "‬أغلب الدكاكين التي تراها الآن لتجار‮ ‬يهود تركوها لأصدقائهم المصريين دون عقود ظنا منهم أنهم سيعودون إليها مرة أخري،‮ ‬فلازلت أذكر موقف الخواجة كنعان بعد النكسة حين بكي‮ ‬أمامي‮ ‬وقال لي‮: "‬مكتوب إني‮ ‬أمشي‮ ‬يا محمد‮" ‬واصطحب سارة ابنته وسافر ولا أدري‮ ‬اين سافر،‮ ‬لكن دعني‮ ‬اقول لك‮: ‬إن بعض الشباب كان‮ ‬يتناقش معه بعد حرب‮ ‬1948‮ ‬وكنا بعد النكبة نمقت وجودهم جدا وهم كانوا‮ ‬يشعرون بذلك،‮ ‬ولكن مثلا الخواجة كنعان كان دايما‮ ‬يقولي‮ "‬يا محمد‮ ‬يا اخويا اليهودي‮ ‬عايز‮ ‬يعيش في‮ ‬امان وسط ناس بيحبوه وانا عمري‮ ‬كله في‮ ‬مصر من ساعة ما امي‮ ‬جاءت من بابل‮ .‬وفكرة وطن‮ ‬يجمع اليهود ده سرقة ونصب ولا موسي‮ ‬ولا توراة‮ ‬يرضي‮ ‬بيه،‮ ‬وانا عايز اعيش واموت في‮ ‬مصر‮ ‬يا محمد‮ ".‬
ويكمل الحاج نور‮ :"‬الخواجة كنعان كانت ابنته تدرس الحقوق بجامعة فؤاد الاول وكانت أحيان كتيرة تأتي‮ ‬سارة الي الورشة،‮ ‬بعد النكسة لم‮ ‬يكن هناك من مفر الي الرحيل عن مصر بسبب التخوف عند اليهود من عبد الناصر الله‮ ‬يرحمه،‮ ‬أهل حارة اليهود فوجئوا بعد النكسة باسبوع بأن ورشة الخواجة كنعان مغلقة،‮ ‬اعتقدنا انه سافر ميت‮ ‬غمر لبعض اقاربه هناك،‮ ‬ولكن بعد مرورو اكتر من ستة أشهر،‮ ‬فتح أهل الحارة الورشة فلم‮ ‬يجدوا فيها سوي‮ ‬ماكينة الكبس وأوعية الطلاء‮ ".‬

‬ثلاثة معابد‮ ‬
ثلاثة معابد فقط هي‮ ‬حصيلة المعلم المكاني‮ ‬المتبقي بحارة اليهود وأن تحول أغلبهم إلي مقالب للقمامة باستثناء معبد موسي‮ ‬ابن ميمون الشهير والذي‮ ‬عرف صاحبه الفليسوف والطبيب اليهودي‮ ‬ابن ميمون بحبه للمسلمين وتقربه إلي الخليفة صلاح الدين الأيوبي‮. ‬إضافة إلي وجود بعض الأزقة التي‮ ‬تحمل الأسماء العبرانية كحارة‮ "‬ابراهام‮" ‬ودرب نصير‮.‬
ومرة أخري مع أحد شهود العيان المقدس وهبة الذي‮ ‬يروي‮ ‬حواديت المعبد بحد تسميته فيسرد‮: "‬معظم التجار الكبار هنا داخل حارة اليهود وافدون من الاقاليم وارياف مصر وكنا ناتي هنا ونعمل ونبيت في‮ ‬نفس الورش التي‮ ‬نعمل بها،‮ ‬وكان‮ ‬يوم السبت هو‮ ‬يوم إجازة الحارة وبات هذا اليوم هو‮ ‬يوم المتعة الروحية لكل العمال والحمالين في‮ ‬الحارة‮. ‬كنا نتوجه جميعا‮ ‬يوم السبت الي المعابد اليهودية،‭ ‬صراحة كنا نذهب الي المعابد بسبب أشجار التوت التي كانت تكثر في‮ ‬ساحات المعابد وكان عم‮ ‬يعقوب حارس المعبد‮ ‬يتركنا نصعد الشجرة وناكل التوت ونرقب الاحتفالات‮. ‬ولعل ما‮ ‬يدور بالذاكرة الآن هو مشهد فتيات الحارة اليهوديات واللاتي لم‮ ‬يكن مسموح لهن بالفسحة إلا‮ ‬يوم السبت فكنت أنا وأصدقائي‮ ‬المسلمين نذهب لمحاولة جذب أطراف الحديث مع اليهود،‮ ‬ولعل موقف استحضره الآن كما‮ ‬يمر امام عيني‮ ‬حين وقع صديقي‮ ‬علي الذي‮ ‬وفد من قنا في‮ ‬حب فتاة‮ ‬يهودية وكنت انا الشاهد علي هذه القصة،‮ ‬كان اسمها راما‮. ‬وكنا نلتقي خلسة بعد
إغلاق الورشة في‮ ‬ساحة الحسين،‮ ‬ولما توهجت قصة الحب بين علي وراما،‮ ‬تشجع علي وأخبر والده أنه‮ ‬يحب‮ ‬يهودية ويريد الزواج منها،‮ ‬لكن بعد‮ ‬3‮ ‬أيام،‮ ‬فوجئنا بأن علي محجوز في‮ ‬الكاركون لأن أبوه اتهمه بسرقة مصاغ‮ ‬أمه،‮ ‬وكان هدف ابوه هو طبعا اثناؤه عن فكرة الارتباط باليهودية،‮ ‬صراحة كان‮ ‬يوما لا استطيع نسيانه حين سمح المخبر للحاج محمود والد علي بزيارته،‮ ‬وكنت انا معاه،‮ ‬تنتاب المقدس وهبة ضحكة‮ ‬يعقبها قهقهة تدمع لها عينه‮.. ‬ذهبت مع عم محمود لأجل زيارة علي،‮ ‬وطبعا عندما شاهد الحاج محمود ابنه نهره وخلع البلغة وضربه علي راسه وهو‮ ‬يقول له‮ "‬يهودية‮ ‬يا ابن الكلب‮ "..‬ثم تنازل عن المحضر وعاد علي عن فكرته،‮ ‬يصمت محدثي‮ ‬للحظات ثم‮ ‬يختم لقائي‮ ‬به قائلا‮ :""‬هييييييييه دنيا الله‮ ‬يرحم الجميع أمواتنا وأموات المسلمين والنصاري‮ ‬واليهود‮".‬

براعة اليهود‮ ..‬
برع اليهود كما اسلفنا في‮ ‬طلاء المعادن وصناعة الجواهر إلا أن الصناعة والحرفة التي كانت مشهورة لديهم هي‮ ‬صناعة الخزائن والخزن لدرجة أن ثلاث حواري‮ ‬بالحي‮ ‬اليهودي‮ ‬تحمل اسم الخزانين أي صانعي‮ ‬الخزن،‮ ‬وتعود مهارة اليهود في‮ ‬صناعة الخزن الي حرصهم الشديد في‮ ‬انفاق الأموال،‮ ‬وقد عرفت الصورة الشهيرة والتي ما تزال متواجدة داخل بعض المحلات‮ "‬صورة للتاجر الذي‮ ‬يبيع نقدا والتاجر الذي‮ ‬يبيع بالدين‮". ‬كمعلم للتعامل المادي‮ ‬مع التاجر اليهودي‮ .‬
ومع شاهد جديد‮ ‬يروي‮ ‬كيف كان اليهود‮ ‬يتعاملون نقدا بقوله‮: "‬التاجر اليهودي‮ ‬أو الصانع اليهودي‮ ‬كان‮ ‬يقوم بتجميد الاموال ثم‮ ‬يضعها في‮ ‬الخزينة ولا‮ ‬يبقي معه إلا بضعة مليمات هي‮ ‬حجم نفقاته الشخصية والأسرية،‮ ‬وكان ما‮ ‬يدخل الي الخزينة‮ ‬يصعب أو قل‮ ‬يستحيل أن‮ ‬يخرج ثانية‮". ‬

ماري‮ ‬آخر نساء اليهود بمصر‮ ‬
في بداية الالفية كان بيت ماري‮ ‬اليهودية المصرية الأخيرة والكائن بحارة اليهود معلم حياتي‮ ‬لامرأة‮ ‬يهودية رفضت الرحيل عن مصر رغم كل المجهودات التي بذلتها السفارة الصهيونية بالقاهرة لترحيلها إلي تل أبيب إلا أن ماري‮ ‬رفضت الرحيل وأعلنت موقفها صراحة بأنها لن تترك مصر وانها تريد أن تموت هنا إلي جوار جيرانها،‮ ‬وكانت ماري‮ ‬مثالاً‮ ‬للنموذج اليهودي‮ ‬الذي‮ ‬امتزج بالهوية المصرية وآثر البقاء عن الرحيل عن الأراضي‮ ‬المصرية‮. ‬إلا أن السفارة الإسرائيلية أصرت عقب وفاتها علي ترحيل الجثمان الي القدس المحتلة ودفنها في المقابر اليهودية‮.‬

موسم الرحيل‮ ‬
كانت بداية نزوح اليهود ورحيلهم عن ارض مصر مع عام‮ ‬1948‮ ‬تزامنا مع احداث النكبة ثم احداث عصابات الهجانة وما فعله السفاحون الصهاينة بالعرب العزل والاطفال الأمر الذي‮ ‬ترك انطباعا سيئا أو ذنبا حمله‮ ‬يهود مصر بسبب عرقهم الديني،‮ ‬ثم مع بداية ثورة‮ ‬يوليو تزايدت اعداد المهاجرين خوفا من المد الثوري‮ ‬وأن‮ ‬يقوم عبد الناصر بإحراق اليهود كما فعل هتلر في‮ ‬المانيا،‮ ‬وزادت وتيرة الهجرة في‮ ‬العام‮ ‬1967‮ ‬حيث كان فرارا جماعيا تحت اسم البحث عن وطن أو حياة‮ .‬
ولعل من المواقف التي‮ ‬يذكرها المؤرخون هو اندثار اعداد اليهود بحارة اليهود‮ ‬انه مع الهجرات المتزايدة،‮ ‬كانت تواجه اليهود مشكلة في‮ ‬آخر أيامهم بالحارة،‮ ‬عندما لم‮ ‬يتبق منهم سوي‮ ‬30‮ ‬امرأة وخمسة رجال فقط،‮ ‬لأن الشريعة اليهودية تشترط إقامة صلوات السبت في‮ ‬وجود عشرة رجال علي الأقل‮. ‬ولذا،‮ ‬فقد عاني اليهود من عدم الصلاة جماعة،‮ ‬وكانوا‮ ‬يقومون بالصلاة فرادي،‮ ‬وهو أمر عظيم حسب شريعتهم‮. ‬مما دعا الحاخام الإسرائيلي‮ »‬ألبير شيرازي‮« ‬إلي أن‮ ‬يدعو إلي الحضور إلي مصر في‮ ‬عيد رأس السنة العبرية وعيد الفصح لإقامة شعائر الاحتفال في‮ ‬الحارة،‮ ‬في‮ ‬النصف الأخير من القرن الماضي‮. ‬وهو ما ذكره الكاتب طه علي‮.‬

يهود مصر‮ ‬
ولعلني‮ ‬اختم هنا بكتاب العالم المصري‮ ‬الطبيب محمد أبو الغار والمعنون بـ‮ "‬يهود مصر من الازدهار إلي الشتات‮" ‬حيث‮ ‬يقول كاتبنا‮ "‬يهود في‮ ‬مصر لم‮ ‬يكونوا طائفة واحدة كما نتصور،‭ ‬وهي‮ ‬جالية تكونت عبر مراحل تاريخية طويلة،‮ ‬فقد أقام في‮ ‬مصر أعداد كبيرة منهم قبل دخول الاسلام،‮ ‬وزادت أعدادهم حتي‮ ‬وصلت إلي‮ ٥٧‬‭ ‬ألف‮ ‬يهودي‮ ‬مصري‮ ‬قبل عام ‮٨٤٩١‬‭ ‬عندما أعلن قيام دولة إسرائيل‮.‬
أما اليهود المصريون الأصليون الذين عاشوا في‮ ‬مصر قرونا طويلة فيقدر عددهم بنحو عشرة آلاف أي‮ ‬حوالي‮ ٥١‬٪‭ ‬من الجالية اليهودية،‮ ‬وكانوا‮ ‬يتكلمون العربية بنفس اللهجة المصرية وتشربوا العادات والتقاليد المصرية،‭ ‬وشاركوا المصريين أفراحهم وأحزانهم،‭ ‬وكانت أحوالهم تتحسن عندما‮ ‬يعم الرخاء،‭ ‬وتسوء كلما عم الهوان واليأس في‮ ‬البلاد‮.‬‭ ‬وقد كان هؤلاء اليهود المصريون الأصليون‮ ‬ينتمي‮ ‬غالبيتهم‭ ‬إلي‮ ‬طائفة القرائين وبعض اليهود الربانيين أقل الطوائف تعاطفا مع الصهيونية‮.‬
وقد عاش معظمهم في‮ ‬حارة اليهود وبعضهم في‮ ‬وسط الدلتا‮.‬‭ ‬وجاء معظم أبناء الجالية من العمال الحرفيين وغالبيتهم ومن الفقراء‮.‬‭ ‬ويعيش بعضهم علي‮ ‬معونات الأثرياء ـ ومن المهاجرين حديثا لمصر ـ أو المؤسسات الخيرية‮.‬‭ ‬كانوا أولاد بلد حقيقيين،‮ ‬وعاشوا في‮ ‬حارة اليهود‮ ‬يرسلون أولادهم الي‮ ‬المدارس اليهودية التي‮ ‬يمولها أغنياء اليهود‮.‬‭ ‬ولم تكن حارة اليهود حكرا علي‮ ‬اليهود فقط،‭ ‬بل كان‮ ‬يسكنها مسلمون وأقباط‮.‬‭ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬يهود الحارة ـ وهم المصريون الأصليون ـ ممثلين في‮ ‬الطائفة اليهودية أو قيادتها في‮ ‬مصر‮.‬‭ ‬وقد جري‮ ‬تهميشهم من جانب أغنياء اليهود الذين وفدوا حديثا في‮ ‬مصر‮.‬

أهم الاخبار