مغامرة فردية أم دعوة لمشروع قومي‮ ‬لإحياء كتب الرواد؟‮!‬

ثقافة

الأربعاء, 04 مايو 2011 11:56
تحقيق‮: ‬سمية عبدالمنعم


لأنها‮ ‬غيرت وجه الحياة وأعادت رسم ملامحنا،‮ ‬بل أعادت إلينا الحياة،‮ ‬فقد صارت ثورتنا منطلقاً‮ ‬لأهدافنا في‮ ‬التوجه نحو الأفضل ابتغاء اللحاق بموكب الحضارة الذي‮ ‬طالما حلمنا بالسير فيه‮. ‬ولأنها كانت ثورة عقل اعتمدت علي‮ ‬فكرة ولدت في‮ ‬عقول صانعيها من الشباب فصار لزاماً‮ ‬علينا أن نهتم بتلك العقول ونقدم إليها ما‮ ‬يعينها أكثر علي‮ ‬الانطلاق في‮ ‬الطريق،‮ ‬وليس أهم في‮ ‬بناء العقول من الثقافة وسيلة نتبعها بإتاحة جميع أنواع المنتج الثقافي‮ ‬ميسوراً‮ ‬أمام هؤلاء الشباب‮.‬

فما علينا إلا أن نكسر ما أحطنا به أنفسنا وما أحاطتنا به عهود الاستبداد البائدة من قيود كبلت الكثير من إبداع السلف وأخفته عنا طويلاً،‮ ‬إما بالمصادرة أو بمنع الطبع تماماً‮ ‬ربما لمخالفته التوجهات السياسية للنظام أو لإثارته جدلاً‮ ‬ما،‮ ‬حتي‮ ‬لنجد الكثير من إنتاج الثقافة العربية الحديثة الذي‮ ‬ظهر في‮ ‬منتصف القرن‮ ‬18‮ ‬وبدايات القرن‮ ‬19‮ ‬لم‮ ‬يعد متاحاً‮ ‬لقراء اليوم فتحول إلي‮ ‬ظاهرة‮ ‬غريبة لتراث وأثر‮.‬

وإننا لنعجب إذا علمنا أن الكثير من مقالات طه حسين والعقاد ومحمد مندور علي‮ ‬سبيل المثال لم‮ ‬يتم جمعه ونشره فضاع علينا منهل خصب لعقول فذة حفل بها مجتمعنا العربي‮ ‬يوماً‮.‬

ورغم قيام بعض جبهات الدولة بإعادة طبع بعض كتب التراث مثل سلسلة ذخائر ومجموعة سلاسل العرب،‮ ‬إلا أن إنتاجها كان مركزاً‮ ‬علي‮ ‬أنواع بعينها مما لا‮ ‬يثير جدلاً‮ ‬أو‮ ‬يطرح قضايا شائكة،‮ ‬بل كانت تصدر بأعداد وطبعات محددة‮.‬

لذا فإن هذا القصور من قبل الدولة قد حدا ببعض الأفراد للقيام بإعادة طبع هذا المنتج علي‮ ‬نفقتهم الخاصة،‮ ‬في‮ ‬محاولة منهم لحفظ قيمة ثقافية وتقديمها للجمهور،‮ ‬وليس أدل مثال علي‮ ‬ذلك مما‮ ‬يقوم به مركز د‮. ‬عبدالرحمن بدوي‮ ‬والذي‮ ‬أقامه ابن أخيه محسن بدوي‮ ‬عام‮ ‬2008‮ ‬بغرض الحفاظ علي‮ ‬إبداع الفيلسوف المصري‮ ‬د‮. ‬عبدالرحمن بدوي‮ ‬والذي‮ ‬يعد بحق أول فيلسوف وجودي‮ ‬مصري‮ ‬قام منذ‮ ‬1939‮ ‬بجهود جبارة في‮ ‬إحياء التراث الفلسفي‮ ‬اليوناني،‮ ‬فحقق الكثير من المؤلفات في‮ ‬هذا الصدد وترجمها للعربية،‮ ‬كما شغل بالبحث في‮ ‬الكتابات والترجمات العربية القديمة حول فلسفة اليونان،‮ ‬فقدم أكثر من‮ ‬150‮ ‬مؤلفاً‮ ‬يدور معظمها حول الفكر والفلسفة الوجودية اليت طالما آمن بها،‮ ‬إلا أننا نراه قد تحول في‮ ‬مرحلة ما فأنتج كتابيه‮ »‬دفاع محمد ضد منتقديه‮«‬،‮ »‬دفاع عن القرآن ضد الطاعنين فيه‮« ‬في‮ ‬نزعة إسلامية مفاجئة بررها بدوي‮ ‬نفسه قائلاً‮: ‬إنه‮ ‬يبحر في‮ ‬بحور الفكر الوجودي‮ ‬والفكر الإسلامي‮ ‬علي‮ ‬السواء دون أن‮ ‬يظلم أحدهما علي‮ ‬حساب الآخر‮.‬

ورغم قيمة وعبقرية فيلسوفنا إلا أن اختلافه مع نظام عبدالناصر ومهاجمته الشديدة للكثير من رموز الفكر والسياسية وقتئذ من خلال الكثير من مقالاته حيث كان أشهرها‮ »‬هذه بلاد الإقطاع‮«‬،‮ »‬خزانة الدولة في‮ ‬جيب السلطان‮« ‬حتي‮ ‬لنجده‮ ‬يقول في‮ ‬مطلع الجزء الثاني‮ ‬من مذكراته‮ »‬تحولت مصر لسجن كبير لا‮ ‬يسمح بالخروج منه إلا للسجانين‮«.‬

فقد أدت جرأته في‮ ‬تقديم وجهات نظره تلك لمصادرة كتبه من الأسواق حتي‮ ‬اختفت تماماً‮ ‬بحلول فترة السبعينيات،‮ ‬فكان د‮. ‬عبدالرحمن بدوي‮ ‬أحد ضحايا الاستبداد والطغيان السياسي‮ ‬الذي‮ ‬حرمنا لعهود طويلة من ثمرات إبداع‮ ‬يانعة‮.‬

لذا فقد جاء محسن بدوي‮ ‬ليضيء بمركزه منارة إبداع ظلت خافية عنا طويلاً،‮ ‬وقد عمد في‮ ‬ذلك لخطة عمل قد صرح بها مؤخراً‮ ‬بحيث تجدد مهمة المركز في‮ ‬الاضطلاع بإعادة طبع أعمال د‮. ‬عبدالرحمن بدوي‮ ‬التي‮ ‬نفدت وتتوزع بين تحقيق وترجمة وتأليف،‮ ‬وتبلغ‮ ‬150‮ ‬كتاباً،‮ ‬كذلك ترجمة أعماله المنشورة باللغات الأخري‮ ‬للعربية والعكس‮.‬

وقد انتهي‮ ‬المركز من إصدار أربعة كتب هي‮: »‬الأصول اليونانية للنظريات السياسية في‮ ‬الإسلام‮«‬،‮ »‬خريف الفكر اليوناني‮«‬،‮ »‬ربيع الفكر اليوناني‮«‬،‮ »‬شهيدة العشق الإلهي‮«‬،‮ »‬شخصيات قلقة في‮ ‬الإسلام‮«‬،‮ »‬رسالة في‮ ‬التسامح‮«.‬

حقاً‮ ‬لكم نتمني‮ ‬تكرار مثل تلك التجربة مع مبدعين آخرين،‮ ‬لكن هذه الأمنية تحمل معها تساؤلاً‮ ‬دهشا قد‮ ‬يساورنا‮: ‬لماذا لا تقوم الدولة في‮ ‬ظل ثقافة الحرية التي‮ ‬يطل عليها مجتمعنا الآن بإنشاء مشروع قوي‮ ‬لإعادة طبع وإحياء كتب التراث وكتب المبدعين التي‮ ‬صدرت في‮ ‬العهود البائدة؟ لماذا ننتظر أن‮ ‬يضطلع أحد أقارب المبدع أو المهتمين بشأنه بمثل تلك المهمة،‮ ‬وهي‮

‬في‮ ‬الأساس‮ ‬يجب أن تكون مهمة الدولة حتي‮ ‬تضمن التعميم وتشمل جميع الإنتاج الثقافي‮ ‬المخفي‮ ‬عنا؟

سؤال ربما من كثرة إلحاحه علينا حملنا للتوجه إلي‮ ‬المثقفين وصانعي‮ ‬الرأي‮ ‬الثقافي،‮ ‬علنا نجد عنه إجابة شافية‮: ‬بداية‮ ‬يؤكد د‮. ‬عبدالمنعم تليمة أستاذ النقد الأدبي‮ ‬بجامعة القاهرة،‮ ‬أن المحافظة علي‮ ‬المنتج الثقافي‮ ‬القديم إنما هو مسئولية مجتمعية عامة تنهض بها مؤسسات المجتمع الرسمية والمدنية ويقوم عليها أهل الاختصاص في‮ ‬كل الحقول والتخصصات،‮ ‬وتشمل هذه المسئولية أمرين،‮ ‬أولهما‮: ‬ما وصل إلينا ونمي إلي علمنا من مروٍ‮ ‬ومخطوط من الموروثات الفنية والفكرية والعلمية التي‮ ‬أبدعها قدماؤنا،‮ ‬كما تشمل ما أبدعه المحدثون والمعاصرون ونفدت نشراته وطبعاته،‮ ‬وبهذا الصدد فإننا ننص علي‮ ‬ما‮ ‬يلي‮:‬

أولاً‮: ‬أن خدمة المنتج الثقافي‮ ‬القديم،‮ ‬جمعاً‮ ‬وتحقيقاً‮ ‬وتصنيفاً‮ ‬ونشراً‮ ‬علمياً،‮ ‬كان ولايزال وجهاً‮ ‬ملموحاً‮ ‬من وجوه نهضتنا في‮ ‬التاريخ الحديث منذ فجر القرن التاسع عشر،‮ ‬غير أن الجهود في‮ ‬هذا الصدد وهي‮ ‬مشكورة وباقية،‮ ‬لم تقم علي‮ ‬خطة واضحة مطردة علي‮ ‬الرغم من خلود أعلام من كبار المحققين والدارسين وبروز أدوار للجامعات ومراكز التحقيق والتوثيق وجهات حكومية وخاصة‮.‬

ثانياً‮: ‬إن ثورتنا المجيدة الراهنة،‮ ‬عصرية والمعني‮ ‬العصري‮ ‬لها أن عملنا في‮ ‬خدمة التراث وإعادة نشر ما نفد من طبعات سيكون علي‮ ‬أسس عصرية من التخطيط والضبط والإحاطة والاستفادة من تقنيات الصورة والعناصر الإلكترونية‮.‬

إلا أن د‮. ‬عبدالمنعم الجميعي‮ ‬الأمين العام للجمعية المصرية التاريخية‮ ‬يؤكد علي‮ ‬أن وزارة الثقافة هي‮ ‬المنوطة بالحفاظ علي‮ ‬كتب التراث وإعادة طبع الكتب المهمة وليست مهمة الأفراد،‮ ‬لكن الأخذ في‮ ‬الاعتبار ألا‮ ‬يكون المنتج الثقافي‮ ‬متعارضاً‮ ‬مع العادات والتقاليد المنتجة حتي‮ ‬لا‮ ‬يمثل خطراً‮ ‬علي‮ ‬المجتمع،‮ ‬إلا أنه‮ ‬يستطرد قائلاً‮: ‬إن دور الدولة في‮ ‬هذا الصدد لن‮ ‬يتضح إلا بعد وضوح توجهاتها بعد الثورة وهو ما لن تعرفه إلا بعد انتخاب رئيس الجمهورية وهو الفيصل في‮ ‬تحديد التوجه الثقافي‮ ‬للنظام الجديد ونوعية ما سيهتم بنشره عن ثقافة‮.‬

ويرفض د‮. ‬سامي‮ ‬سليمان أستاذ النقد العربي‮ ‬بجامعة القاهرة بقوله‮: ‬إنه ليس كل ما أنتجته الأجيال السابقة‮ - ‬مما‮ ‬يسمي‮ ‬تراثاً‮ - ‬صالحاً‮ ‬لإعادة الطبع والنشر مرة أخري،‮ ‬فإن عملية النشر تخضع لتوجهات القوي‮ ‬الفكرية في‮ ‬علاقتها بمؤسسات النشر،‮ ‬فإذا تتبعنا معرض الكتاب علي‮ ‬مدار عشرين عاماً‮ ‬مضت‮ ‬يمكننا أن نلاحظ الإقبال الرهيب من قبل القراء علي‮ ‬الكتب ذات التوجهات السلفية ولعل ذلك ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفسر ما‮ ‬يحدث الآن في‮ ‬الساحة السياسية من حضور للتيارات السلفية،‮ ‬إذن فإننا بحاجة لتصورات ذات شمولية في‮ ‬انتقاء الكتب التي‮ ‬يمكن إعادة طبعها‮.‬

ويستقبل أحمد عامر‮ »‬ناشر‮« ‬سؤالي‮ ‬بسؤال آخر‮: ‬لماذا لم نسمع من أحد المرشحين للرئاسة عن برنامجه الثقافي‮ ‬حتي‮ ‬الآن رغم إعلانهم لبرامج سياسية واجتماعية وثقافية إلا أن أحدهم لم‮ ‬يتطرق لهذا الجانب الحيوي،‮ ‬كما أن هذا البرنامج الثقافي‮ ‬بما‮ ‬يجب أن‮ ‬يحمله من خطة لإعادة نشر كتب التراث وكتب المبدعين،‮ ‬مما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تتبناه الدولة والتي‮ ‬لم تقم بدورها المنوط بها عن الفترة الماضية،‮ ‬والذي‮ ‬ربما‮ ‬يرجع لقصور الميزانية المحددة لإعادة الطبع،‮ ‬فإذا ما علمنا مثلاً‮ ‬أن ميزانية هيئة قصور الثقافية‮ ‬200‮ ‬مليون جنيه فإن‮ ‬100‮ ‬مليون منها تخصص للمرتبات و70‮ ‬مليوناً‮ ‬للمنشآت والثلاثين مليوناً‮ ‬للأنشطة وإعادة الطبع،‮ ‬وهو ما‮ ‬يؤكد أنه لم تكن هناك آلية محددة لإعادة نشر الكتب،‮ ‬فقد كان‮ ‬يتم توزيع عدد محدد مما‮ ‬يعاد نشره ثم بعدها تسحب باقي‮ ‬النسخ من الأسواق بعد فترة محددة من طرحها‮.‬

وإذا ما حاول أحد الناشرين إعادة طبع تلك الكتب بعيداً‮ ‬عن الدولة فإنه‮ ‬يفكر ألف مرة خاصة إذا كانت من نوعية الكتب التي‮ ‬يثار حولها جدل ما ويتوقع سحبها من السوق أو تكون من المجلدات ذات التكلفة العالية والتي‮ ‬لا‮ ‬ينتظر منها عائد مناسب‮.‬

إذن فإن الأمر برمته‮ ‬يعد مغامرة لا‮ ‬يمكن الإقدام عليها إلا من قبل الدولة‮.‬

ولأنها دعوة اتفق الجميع عليها فإننا نتمني‮ ‬أن نشهد‮ ‬يوماً‮ ‬نري‮ ‬فيه مشروعاً‮ ‬قومياً‮ ‬يأخذ علي‮ ‬عاتقه إعادة تقديم تراثنا وإبداعاتنا للأجيال الجديدة،‮ ‬علنا نستعيد زهرات إبداعنا في‮ ‬زمن التحرر‮.

 

أهم الاخبار