جويتسولو:من يكتب عن بيت الديكتاتورالغارق؟

ثقافة

الخميس, 14 أبريل 2011 11:26
كتبت -شيماء أحمد :

بين كاتبين عالميين حاربا الديكتاتورية وتعرضا للإضطهاد دار لقاء أمس بالمركز الثقافي الإسباني بالقاهرة بين الروائيين خوان جويتسولو من إسبانيا، وعلاء الأسواني من مصر ، حيث استرجعا خلال ساعتين تجاربهما مع الاستبداد القائم بالعالم العربي قبل أن تهب رياح الحرية .

تساءل جويتسولو مَن من الأدباء العرب يكتب لنا عن مصففة شعر أصبحت قرينة حاكم تونس وتمتعت بأكبر نفوذ بالبلد ، وماذا فعلت بعد الثورة هل ذهبت للبنك لتأخذ سريعا ما جمعته خلال السنين، وفيما يتعلق بمصر هل نرى مشهدا من العتاب والتشاجر يجمع بين قرينة الرئيس السابق وبينه عما أدى بهما لهذا الوضع ؟ وكيف ينظر الإبن "اللص المتواضع " لهذا الشجار ؟ وكيف تحول هؤلاء الأمناء الطيبون التابعون لمبارك كل هذا التحول بعد الثورة ليكتشفوا أن أحدا لم يصدقهم وأنهم غرقوا مع من غرق.

خلال اللقاء قال جويتسولو إنه تابع ثورات تونس ومصر وغيرهما من البلاد العربية عبر الفضائيات وخصوصا قناة "الجزيرة" حتى شعر أنه يقف بالميدان مع كل عربي ثائر . وبعد سقوط الرئيس التونسي بن علي سأله أحد الصحفيين عن توقعاته، وقال غن الثورة ستنتشر وأن مصر سيكون شعبها أول من يثور ضد النظام الحاكم، مبررا ذلك بما شاهده خلال زيارته لمصر عام 2008 حينما رأى ديكتاتورية لا يطيقها الناس إضافة لمستوى معيشي متدن للغالبية من الشعب، وتذكر مقولة الأسواني في كتاب له أن الناس قد تطيق حاكما ديكتاتورا أو مستوى معيشيا صعبا لكن على ألا يجتمعان معا لأن هذه اللحظة تعني الإنفجار والثورة حتما .

يرى الكاتب أن الثورة العربية عموما تعتمد على وسائل إتصال متطورة مثل الشبكات الإجتماعية "فيس بوك، تويتر" وفضائيات، وهو ما حرمت منه الأجيال الأقدم حول العالم، فلو عرف العالم بما كان يحدث من فظاعات على أرض سراييفو بأيد الصرب منذ 17 عاما ربما لم تستمر مأساتهم لأكثر من أسبوعين.

 

يضاف لذلك برأيه تسريبات ويكيليكس التي كشفت الوجه القبيح للحكام حول العالم.

وتطرق الكاتب الإسباني لبلده الأصلي إسبانيا واصفا تطورها من دولة ديكتاتورية لدولة ديمقراطية بعملية مخاض صعبة، فقد عاشت إسبانيا في نهاية القرن السابع عشر حالة من الدوغماتية أو الإنغلاق الكاثوليكي المتشدد والتي أرهقت الشعب كثيرا ، واستمر النضال سنوات كثيرة لتحقيق الديمقراطية.

 

كاتب إنساني

اعتبر الأسواني أن جويتسولو نموذج للكاتب الملتزم بالقضايا الإنسانية وقد قضت والدته في غارة للجنرال فرانكو وكأنه على موعد مبكر منذ طفولته مع الديكتاتورية ، ولذا ظل مطاردا من فرانكو وعاش منفيا خارج إسبانيا، كما منعت أعماله سنوات طويلة

، وأحب المغرب فعاش فيها منذ منتصف التسعينيات .

ينظر الأسواني لجويتسولو باعتباره كاتبا عالميا لا ينحاز لعرقه أو دينه ويدافع عن حقوق الإنسان ويعتبر نفسه سليل الأندلس، حيث الحضارة العظيمة التي شيدها المسلمون وجمعت أهل الديانات الأخرى في تمازج سمح .

كما أن هذا الكاتب كما يقول الأسواني يفعل دوما ما يؤمن به ، ولهذا كان من غير المستغرب أن يرفض تقبل جائزة تحمل إسم العقيد القذافي، ذلك المستبد الذي يقتل شعبه اليوم، وعلل جويتسولو ذلك حينها بأن الجائزة جاءت من نظام لا يعترف بحقوق الإنسان وقد تولى القذافي السلطة من 40 عاما بالقوة المسلحة وارتكب جرائم بحق شعبه .

ولما عاد الحديث لـجويتسولو أكد أنه يحب العرب ولذا فهو ينتقدهم، لأنه لا يمكنه إنتقاد أعدائه بشكل يجعلهم يستفيدون من نصيحته ، وتذكر كمثال على ذلك حينما عقد لقاء في بالنسيا عام 1986 حول دور المثقفين في الكفاح من أجل الديمقراطية ، وتحدث كاتب عراقي عن الصورة المؤلمة لنظام الديكتاتور صدام حسين أمام الحاضرين الإسبانيين، وهنا غضب كاتب عربي آخر واتهم جويتسولو بأنه يشوه صورة العرب !

 

الجهل والاستبداد

 

ثم وجه جويتسولو سؤالا للأسواني عن سر تلازم جهل الشعوب وعدم حصولهم على تعليم جيد في ظل الأنظمة المستبدة ، ورأى الأسواني أن المستبد يتصرف بمنطق اللص الذي يحب الظلام ويكره النور الذي يكشف سرقاته وجرائمه، ولذا فهو يخشى من إتاحة الوعي للناس بدرجة تجعلهم يكتشفون وجهه القبيح ويثورون للإطاحة به ومحاسبته، ومن جهة أخرى فإن الإستبداد يتضمن في طياته الفشل في كل المجالات وأهمها التعليم .

وعلق جويتسولو على هذا الأمر بأنه يشعر بألم من عملية صناعة التخلف المقصودة من جانب النظم المستبدة تجاه شعوبها، وضرب المثل بالجزائر التي شجع هو وزوجته جبهة التحرير فيها ضد الإحتلال، ولكنه فوجيء بانهيار التعليم بعد انقلاب بومدين ، والذي وصل الحال فيه لعدم تمكن الناس من اللغة العربية، يضاف لذلك العائدين من دول الخليج والذين تشرب بعضهم أفكارا متشددة وصلت بهم لحروب أهلية راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء .

وقارن جويتسولو بين القرنين التاسع عشر والعشرين في شكل الإستبداد من الأنظمة، ورأى أن الإختلاف شكلي

ولكن الجوهر واحد، فقد حل الذهب الأسود أو البترول محل الأصفر فقط، وكان المعدن الأصفر يصل شبه جزيرة إيبريا ثم يستقر بهولندا ، وهو الآن بصورة البترول يتحول لأموال تضخ في بنوك سويسرا، حتى أن صدام لم يجد من عائدات البترول في الكويت حينما احتلها سوى 13% فقط ، ونشاهد القصور المنيفة للملوك والأمراء والحكام ليس في بلادهم فقط وإنما في الدول الأوروبية، ولهذا فإن المستبدين استخرجوا الثروات من باطن الأرض لصالحهم ولم تعد على شعوبهم ، وإلا لماذا نجد 47% من العرب أميين ، ونعلم كيف أن الإرهاب يغذيه الجهل والفقر .

كما اعتبر أن العدوان البشع على فلسطين والعراق يؤثر أيضا في الأوضاع التعليمية والبحثية هناك والتي تنهار تقريبا على مدى أجيال متلاحقة ، ويؤثر بالتبعية على التطور الإنساني في الشرق الأوسط ، لكنه متفائل لأن الثورة جعلت الشعوب تملك مصيرها.

 

الرقابة العنيفة

 

انتقل جويتسولو للحديث عن مظهر آخر للتخلف في العالم العربي وهو الرقابة، وهو أمر وجده أيضا ببلده الأصلي إسبانيا في الماضي، متذكرا عصر الجنرال فرانكو حينما كانت التقارير الرقابية ترفع برفض أعمال جويتسولو ، حتى أنه وجد نفسه يمارس الرقابة الذاتية فلا يكتب ما يريده بوضوح وهنا قرر التوقف والعودة للمكاشفة والصراحة في رواياته فعادت أعماله تمنع من جديد .

تميزت الأمسية بأجواء من الصفاء الروحي بثتها كلمات الأديب الكبير جويتسولو وخاصة حينما تحدث عن رحلته للمقابر المصرية بصحبة صديقه المغربي، فقد ظل يعيش بداخلها شهرا ، وتأمل كلمات الصوفي الجليل إبن الفارض وفلسفته في الحياة والموت، وشاهد أناسا يعيشون هناك بكرامة كبيرة رغم فقرهم، وقد دون تجربته في صحيفة "باييس" الإسبانية ، ولكنه فوجيء بمستشار المكتب الصحفي المصري هناك يتصل به ويعاتبه بقسوة لأنه يسيء لمصر والسياحة !

تكرر المشهد ذاته حين حاول تصوير فيلم عن مصر، ولكنه وجد أن التليفزيون الإسباني يصور ما تريده الحكومة المصرية وليس الحقيقة، فهم يذهبون للأماكن الراقية والفنادق حيث الأغنياء يصرفون ببذخ والمواطنون الميسورون يتسمتعون بالأماكن الخلابة، ولكنه أي جويتسولو أراد روح مصر الشعبية وهنا اعترض السفير المصري بالطبع !

 

سقوط ديكتاتور

يقول جويتسولو إنه لو كان لديه من الشباب بما يكفي لكان قد صنع عملا أدبيا هاما يتحدث عن سقوط ديكتاتور أي من البلاد العربية، ويمزج التاريخ بالحاضر، يكتب عما يدور بعقل الديكتاتور الذي اعتاد على إرسال قبلات لشعبه الغفير والتواجد بين حكام العالم والتمتع بحياة فاخرة للغاية، فكيف يتخلى عن هذه الحياة التي اعتادها لسنوات طويلة وأسرته ؟

ثم سأل جويتسولو علاء الأسواني عن علاقة الكتاب العرب بالديكتاتورية ، وقال الأسواني إن الأدب حياة على الورق ولكنها أكثر عمقا ودلالة ، مؤكدا أن الأدب الذي يعيش هو ذلك الذي يركز على الإنسان وأحزانه وتفكيره وليس الأحداث، لأن الأحداث تتغير ولكن هموم البشر تبقى هي نفسها من عصر لعصر، وهو ما يجعلنا حتى اليوم نقرأ أدب ديستوفيسكي أديب روسيا العظيم والذي تناول حياة القياصرة والشعوب في القرن التاسع عشر ولكن كأنه يتحدث عن حالنا اليوم .

اللقاء شهد حضورا كثيفا من إسبانيين ومصريين وحضره سفير إسبانيا لدى مصر فيدل سينداجورتا، وقام بالترجمة د. علي المنوفي الأستاذ بجامعة الأزهر .

 

أهم الاخبار