الرؤساء أغروا شعبهم بالكتب التي يقرأونها..

ساركوزي رسب في اختبار الثقافة ونجح هولاند *

ثقافة

الاثنين, 14 مايو 2012 13:17
ساركوزي رسب في اختبار الثقافة ونجح هولاند *ساركوزي وهولاند
باريس - أنيسة مخالدي:

لا تزال الاهتمامات الثقافية للرئيس الفرنسي الجديد فرنسوا هولاند علامة استفهام كبيرة، لكن خلفيته الأكاديمية العريقة والكتب السياسية التي ألفها، شفعت له عند الفرنسيين، مقارنة بساركوزي الذي صدم الفرنسيين تكرارا بقوله إنه «ابن التلفزيون» غير عابئ بإظهار لا مبالاته بالأدب بل واحتقاره له.

ثقافة الرئيس والكتب التي قرأها وخلفيته المعرفية، تبقى موضع اهتمام الفرنسيين. لا يبدو هولاند مثقفا كبيرا حتى الآن لكن ضحالة ساركوزي ساعدته كثيرا، على ما يبدو، لينال رضا الفرنسيين. وهنا تحقيق حول المزاج الفرنسي الثقافي في اختيار الرؤساء.
هل التمتع بثقافة واسعة بالنسبة لرجل سياسة هو مما يؤثر في اختيار الناخبين له؟ هذا السؤال طرحته مؤخرا الكاتبة والصحافية رافييل باكيه من جريدة «لوموند». وهو نقاش يهم الفرنسيين، لا سيما أنهم أظهروا على مدى العقود الماضية حرصا شديدا على اختيار زعمائهم حسب مواصفات معينة يكون فيها للثقافة والفن مكانة مميزة.
نظرة سريعة على رؤساء فرنسا السابقين تكشف أن معظمهم كانوا محبين للأدب والشعر والفنون بكل أشكالها، كما كانوا حريصين على التقرب من المثقفين وخدمة قطاع الثقافة وتطويره. معظمهم خلد فترة حكمه بإنجاز فني أو ثقافي ضخم: «مركز بوبور» الثقافي إنجاز للرئيس جورج بومبيدو، «متحف أورسي» لفاليري جيسكار ديستان، «المكتبة الوطنية» و«متحف اللوفر» لفرانسوا ميتران، و«متحف كي برنلي» لجاك شيراك. النقاش في هذا الموضوع عاد للواجهة بقوة بمناسبة الاستحقاقات الرئاسية القريبة، لا سيما أن قلة من رجال السياسة، اليوم يبدون قريبين من هذه المواصفات.


ديغول القارئ الكبير وبومبيدو الشاعر


عندما سئل الرئيس الفرنسي الراحل جورج بومبيدو عام 1969 عن قضية كانت قد أثارت الرأي العام الفرنسي، وهي لأستاذة انتحرت بعد أن سجنت لعلاقة غرامية ربطتها بأحد طلابها، اختار الرئيس الراحل أن يجيب ببيت شعري جميل لبول إيلوار، مطلعه: «لمن يريد أن يفهم..» عبر فيه بذكاء، ليس فقط عن موقفه من هذه القضية بدبلوماسية كبيرة، ولكن أيضا عن حسه المرهف وثقافته الشعرية الواسعة. الرئيس الفرنسي الراحل الذي حكم من عام 1969 لغاية 1974، بدأ حياته المهنية كأستاذ للأدب الفرنسي وعلى الرغم من أنه اتجه للسياسة، فإنه ظل عاشقا كبيرا للشعر، كتب مؤلفا ضخما من 450 صفحة بعنوان «أنتولوجيا الشعر الفرنسي» حول شعراء فرنسا من أوستاش دوشون لغاية بول ايلوار، كما ألف ثلاثة كتب أخرى. وكان أول من أرسى تقليد «ندوات الإليزيه» التي كانت تجمع رئيس الدولة كل أربعاء بشخصيات من عالم الثقافة والفن والسياسة لمناقشة مواضيع ثقافية مختلفة. بومبيدو كان معروفا أيضا بولعه بالفن المعاصر، الذي يسعى لتطويره في بلاده، وكان يصرح بـ«أنه من غير المقبول أن يكون الفن المعاصر غائبا في بلد به أكبر متاحف العالم». وكان أول رئيس يدخل تحفا ولوحات معاصرة لقصر الإليزيه. الفنان المعاصر «ياكوف أغام» الذي اهتم بتصميم غرفة جلوسه عام 1973، يتذكر على صفحات مجلة «باري ماتش» كيف أن الرئيس بومبيدو كان يتابع عن كثب جديد هذا الفن، ويبدي رأيه في كل لوحة أو تحفة جديدة. وقبل بومبيدو كان الجنرال ديغول أكثر رؤساء فرنسا شعبية، قارئا كبيرا اهتم بكل أنواع الأدب والعلوم. ألف هو نفسه أكثر من 28 كتابا في السياسة والأدب، أهمها كان «مذكرات حرب» من ثلاثة أجزاء «دار بلون». وهو مجلد ضخم كُتب بطريقة جميلة جعلت النقاد يتفقون على تسمية مؤلفه بـ«البطل العسكري الذي يملك موهبة الكتابة». ديغول كان يولي أهمية كبيرة لقطاع الثقافة. فهو أول من أنشأ وزارة للثقافة وعين على رأسها الكاتب الكبير أندريه مالرو.


 جيسكار الروائي وميتران المشيّد الكبير


* نادرا ما يقبل وزير ومرشح للانتخابات الرئاسية الظهور على شاشات التلفزيون، وهو يعزف على آلة

الأكورديون، لكن فاليري جيسكار ديستان فعلها قبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات الرئاسية. وهي الحادثة (حسب رأي الصحافة) التي طبعت أذهان الفرنسيين، وساعدته على الفوز على غريمه ميتران في انتخابات 1974. لكن العزف على آلة الأكورديون لم يكن أكثر ما عرف عن الرئيس جيسكار ديستان، بل إن أكثر ما صنع شهرته كسياسي مثقف تفرغه منذ نهاية مهامه الرئاسية للكتابة والتأليف. وهو صاحب عدة محاولات نثرية، وعدة روايات، أهمها تلك التي نُشرت عام 2009 بعنوان «الرئيس والأميرة»، وأثارت تعليق الصحافة البريطانية فوصفتها «الغارديان» مثلا بأنها «رواية الرئيس التي نتأرجح فيها بين التعجب والفضول»، وتساءلت ما إذا كانت سردا لعلاقة واقعية جمعت فعلا الرئيس الفرنسي السابق بالأميرة الراحلة (ديانا). وعلى الرغم من ثقافته العلمية، حائز على شهادة في الاقتصاد، إلا أنه كان يحب الأدب ويتمنى «لو يملك ريشة موبسان».
منذ 2003 يحتل جيسكار ديستان المقعد رقم 16 في الأكاديمية الفرنسية. وهي المؤسسة العريقة التي لا تقبل العضوية إلا لشخصيات ثقافية وفنية بارزة في المجتمع الفرنسي.
لكن يبقى الرئيس الراحل فرنسوا ميتران أكثر رؤساء فرنسا اهتماما بالثقافة، فترة حكمه الأولى والثانية (من 1981 إلى 1995) تركزت بشدة على تطوير المكانة الريادية لفرنسا كوجهة ثقافية وفنية مهمة، حتى عرفت بفترة «المشاريع الكبيرة» تم فيها تشييد أكبر المعالم الفنية والثقافية كـ«متحف اللوفر»، و«معهد العالم العربي» و«أوبرا باستيي» و«مدينة الموسيقى» و«المكتبة الوطنية» وكلها مشاريع كبيرة كلّفت فرنسا آنذاك أكثر من 30 مليار فرنك فرنسي (العملة القديمة) حسب ما ورد عن ماري دولارو في كتابها «الفرعون الجمهوري: المشاريع الكبيرة لميتران» (دار نشر «ستوك»). لكن ميتران كان أيضا خطيبا بارعا يتحدث لغة فرنسية جميلة وعاشقا كبيرا للأدب والتاريخ، يقرأ بشراهة لمؤلفين فرنسيين وأجانب أيضا. الكاتب جوليان غراك يذكر أنه «لم يكن يراه إلا وبيده كتاب، كان إعجابه بمؤلفات ستندال وزولا يجعلانه يكرر قراءتها مرات كثيرة. كان الرئيس الوحيد الذي أصر على الظهور في الصورة الرسمية للإليزيه وهو يقرأ كتابا». أحاط نفسه بمجموعة كبيرة من الأدباء والمثقفين وكان صديقا شخصيا لكثيرين منهم مثل: مارغريت دوراس، بول غيمار وفرانسواز ساغان. ألف أكثر من 23 كتابا في الأدب والسياسة والكثير من الرسائل والمقدمات. بدأها بمجموعة قصصية عام 1939 وهو جندي في الجيش بعنوان «المطر الصديق».


الفنون البدائية لشيراك والتلفزيون لساركوزي


جاك شيراك الذي حكم فرنسا من 1995 إلى 2007، انتقد كثيرا لاهتمامه الضعيف بالثقافة والفنون. فهو مثلا لم يحرص كميتران أو بومبيدو على المداومة على اللقاءات الأسبوعية التي تجمع تقليديا كل رؤساء فرنسا بالمثقفين والأدباء بل جعلها أقل انتظاما وأكثر تركيزا على المواضيع السياسية. وكان الصحافيون يسخرون من ذائقته التي تجعله يسمع الموسيقى العسكرية ويقرأ الروايات البوليسية. لكن شيراك أحدث المفاجأة حين كشف بعد ولايته الثانية عن اهتمامه بالفنون البدائية بعد أن استوعب أن هذه الميزة قد تزيد من شعبيته. ويقال إنه حفظ هذا السر طويلا لأنه كان يخشي أن يُقارن بميتران الذي كان يحب لامارتين وزولا بينما هو مُولع بالأقنعة الأفريقية والتماثيل الصينية. اهتم بإعادة الاعتبار لهذه الفنون وبمعية صديقه المجمع الكبير جاك كرشاش

دشن جناحا جديدا للفنون البدائية في متحف اللوفر، وافتتح بعدها متحف «كي برنلي» المخصص للفنون البدائية.
أما خليفته ساركوزي فقد ظهر منذ توليه مقاليد الرئاسية كشخصية سياسية قليلة الاهتمام بالثقافة والفنون، محدثا قطيعة نهائية مع نموذج الزعيم المثقف الذي جسده بومبيدو الشاعر، ميتران الكاتب وشيراك الفنان. وكان الرئيس المنتهية ولايته يدافع عن هذا التوجه ويسمى نفسه (ابن التلفزيون)، بل وكان لا يخجل في الاعتراف بأن ثقافته شعبية لا ترقى لمستويات عالية، وأنه يفضل مشاهدة برامج الشاشة الصغيرة أو ممارسة الرياضة على القراءة، وهو الذي قال إن: «السياسي الذي لا يشاهد البرامج التلفزيونية لا يمكن أن يتعرف على الفرنسيين، وأنه لا يحبذ الزعماء الذين يعيشون في صومعتهم مع النخبة بعيدا عن عامة الشعب». بل وذهب لأبعد من ذلك حين هاجم روائع الأدب الفرنسي، مصرحا أمام جمع من الشباب: «لا أفهم كيف يجبر بعض الحمقى الطلبة على قراءة رواية كـ«أميرة كليف» لمدام دولافييت بدل تشجيعهم على القيام بأعمال خيرية، بماذا ستفيدهم مثل هذه المؤلفات؟ ساركوزي الذي صدم المثقفين وعامة الفرنسيين بهذه التصريحات، هوجم كثيرا للأخطاء اللغوية الكثيرة التي يرتكبها في خطاباته. وهو يحاول منذ السنوات الأخيرة تحسين هذه الصورة التي تسببت في خفض شعبيته لدى الفرنسيين دون جدوى. 360 من المثقفين والفنانين ذهبوا لغاية توقيع لائحة بعنوان: «من أجل العلوم والثقافة، اخترنا انتخاب فرنسوا هولاند» من بينهم الباحث بنجمان ستورا، الكاتب الحائز على جائزة «غونكور» ألكسي جيني والسيناريست كريستوف هونوري. وعبر هؤلاء عن خيبة أملهم من سياسة ساركوزي الثقافية.


 فرنسوا هولاند علامة استفهام كبيرة


* معلومات شحيحة تسربت عن الميول الأدبية والفنية للرئيس الفرنسي الجديد. دراسات عليا في القانون والإدارة والاقتصاد في أحسن المعاهد الفرنسية «أش أو سي» و«ل.ي.ن.ا» وخمس مؤلفات كلها سياسية. وعلى الرغم من أن «أوريلي فيليبيتي» إحدى مستشارات الرئيس الجديد قد أكدت للصحافة أنه يقرأ الكثير من الكتب إلا أن تصريحاته في هذا المجال جاءت دائما مقتضبة: كتابه المفضل؟ يجيب هولاند بمنطق اليساري المقتنع: «جيرمينال» لإيميل زولا، وهي قصّة كفاح عمال بسطاء من أجل انتزاع حقوقهم، أو «أسطورة سيزيف» لألبير كامو عن قوة العزيمة. فيلمه المفضل: «سبارتاكوس» لستانلي كوبريك، أو «تحت الرمال» لفرنسوا أوزون. السينما يراها قبل كل شيء فضاء تبادل ولقاء ولا يتصور مستقبلا الاستعانة بقاعات العرض الخاصة بالرئيس في قصر الإليزيه.
ذوقه الموسيقي؟ فرنسي خالص: ألان سوشون، جاك بريل، ولوران فولسي، فهو يعشق الكلمة قبل اللحن. يقال أيضا إن فرنسوا هولاند قد أصبح أكثر التصاقا بعالم الأدب بعد ارتباطه بفاليري ترويفيلير الصحافية السياسية التي تعمل أيضا في الحقل الأدبي كناقدة لمجلة «باري ماتش».


بماذا أفادتهم ثقافتهم؟


الثقافة التي تزّود بها زعماء فرنسا أفادتهم على مر فترات حكمهم. شيراك المولع بالفنون البدائية استطاع أن يبني لبلاده صورة مشرفة، ويروج لمبادئ التسامح والاحترام بين الشعوب وهو ما جعله يرفض عام 2003 التدخل العسكري في العراق وعام 1992 حضور احتفاليات «كريستوفر كولومبس» حيث كتب معتذرا لملك إسبانيا عن مشاركته في الاحتفال بذكرى الإبادة التي راح ضحيتها ثلاثة ملايين من الهنود الحمر. معرفته التامة بالمجتمعات الأفريقية وطبيعة العلاقات القبلية التي تحكمها جعلته يحظى بشعبية كبيرة في هذه الدول وبعلاقات طيبة مع معظم زعمائها. الثقافة الواسعة لميتران ساعدته على فهم الشعوب والوضعيات الأكثر تركيبا، ولم يكن لينجح في إرساء قواعد الوحدة الأوروبية لو أنه لم يستوعب خصوصية هذه القارة ومعتقداتها، وحروبها وتاريخها المتشعب.
خلصت الإعلامية رافاييل باكيه التي كتبت المقال حول تأثير الثقافة على رجل السياسة، إلى أن من يعتبره الفرنسيون سياسيا مثقفا هو بالدرجة الأولى سياسي شديد الاهتمام بالمواضيع التاريخية والجغرافية والأدبية خاصة. نادرا جدا ما ينتظر الفرنسيون من أي زعيم أن يكون ذا ثقافة علمية واسعة أو أن يكون ضليعا باللغات الأجنبية على الرغم من أنها مواصفات مهمة عند أي سياسي في زمن العولمة الذي نعيشه، وهو استثناء فرنسي. فإعلان الرئيس كيندي عام 1961 أنه من أشد المعجبين بروايات «جيمس بوند» لفليمينغ لم يصدم الأميركيين ولم يمنعهم من انتخابه. أما الكاتب «إيريك أورسينا» الذي كان مقربا من الرئيس ميتران فيقول: «ألا يكون الرئيس مهتما بالأدب والتاريخ أمر مرفوض، وكأنك تكتشف فجأة أن منتخبك الوطني المفضل لا يعرف نشيد الوطن». ولكن أهم من ذلك فالسياسي المثقف، حسب الباحث ميشال فيفوركا ليس فقط من قرأ كتب التاريخ والأدب، بل هو الذي تشبع بالقيم الحضارية واستوعب مغزى التاريخ ونجح في الدفاع عن المكانة الريادية لفرنسا كأمة ثقافية.


نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط *

 

أهم الاخبار