مقاصد الشريعة.. الانتقال من التقليد إلى الحداثة

ثقافة

الثلاثاء, 27 ديسمبر 2011 14:24
عرض – محمد أبوزهرة:

اقترح بعض العلماء المصلحين خلال القرن العشرين أن تكون مقاصد الشريعة الإسلاميّة علماً قائماً بذاته بل بديلاً عن أصول الفقه.

حيث إن المقاصد كانت تدرس تقليديّاً كموضوع ثانويّ تابع لأصول الفقه، وكان من المعتاد إدراجها تحت بحوث "المصالح المرسلة"، أو تحت موضوع "مناسبة القياس"، والكتاب الذي بين أيدينا - بعنوان "مقاصد الشريعة كفلسفة للتشريع الإسلامي.. رؤية منظومية" للدكتور جاسر عودة، والصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي (ديسمبر 2011) - يقع في مصاف المراجع المهمة التي تؤرخ وتؤسس لهذا العلم الحديث نسبيا، حيث يعتبر المقاصد منهجاً وأصلاً لعلم أصول الفقه نفسه، بصرف النّظر عن النقاش حول اعتبارها أو عدم اعتبارها حقلاً معرفيّاً أو "تخصصاً" مستقلاًّ بذاته.
ويعود تميز الكتاب، إلى عمق طروحاته التي تنمّ عن العلم الجادّ الدقيق، وكذلك أسلوبه السلس في طرح نظرياته الحديثة لمعالجة علم أصول الفقه حيث يقدّم طريقة جديدة تماما في مناهج وفلسفة التشريع الإسلاميّ، تتخذ من مقاصد الشريعة منطلقا، بهدف دفع حقل مقاصد الشريعة عن طريق التّحليل، ومحاولة اجتذاب جمهور أوسع من المهتمين بها. وكون المؤلف الدكتور جاسر عودة عالم متعدد المواهب والقدرات والتخصصات، فهو قد حفظ القرآن ودرس الفقه وأصوله، والقانون والفلسفة والسياسة الشرعية وعلم تحليل المنظومات، وخلص في النهاية إلى التركيز والاهتمام بحقل المقاصد تعلماً وتعليما.
يقدم الكتاب المترجم عن رسالة دكتوراة للمؤلف رؤية منظوميّة جديدة، مبنيّة على فلسفة المنظومات – المجال الذي تخصص فيه د. عودة برسالة دكتوراة -، وذلك بغية صياغة فلسفة التشريع الإسلاميّ انطلاقاً من مقاصد الشّريعة، فيرى أن تحقّق غايات الأحكام الإسلاميّة في العدل والمساواة وحقوق الإنسان والتنمية وطيب العلاقات في نطاق العالم المعاصر، يأتي من اعتبار مقاصد الشريعة بمثابة قلب التشريع الإسلاميّ وأساسه.
وللوصول إلى هذا يقدم د. عودة طريقة جديدة في التحليل والتصنيف والتمحيص تفيد من الملامح المناسبة لنظرية المنظومات، مثل الكلية، وتعدّد الأبعاد، والانفتاح، والطبيعة المعرفيّة والغائيّة للمنظومات بشكل خاصّ. ويطرح تعديلاً في "مستويات الحجيّة" في تقسيم الأدلة إلى "طيف" يشمل عدداً من مستويات من صحّة الأدلّة والمصادر. فالمصادر المقبولة حاليّاً هي القرآن الكريم، والأحاديث النبويّة، والمذاهب التقليديّة، وليس الحوار العقلانيّ والإعلانات الحديثة لحقوق الإنسان وما إلى ذلك من حقوق.
التوجهات التقليدية والحداثية في التشريع الإسلامي
ويعرض الكتاب التوجّهات الحاليّة حول مختلف التنظيرات الخاصّة بالتشريع الإسلاميّ على أنّها "تقليديّة وحداثيّة وما بعد حداثيّة"، مبينا كيف أنّ كلاً من "التوجّهات" المذكورة هي نتيجة لعدد من التيارات النظريّة ساهمت في تكوينها، وهي تيّارات يحدث أن تتداخل فيما بينها حول مسائل محدّدة. ويتناول المؤلف شرح التوجهات لكنه يركز على ما يدعوها د. عودة بـ"الحداثة الإسلاميّة" والتي تشمل "تيّارات" هي إعادة التأويل الاعتذاري، وإعادة التأويل الإصلاحي، وإعادة التأويل المعتمد على الحوار، والنظريات المعتمدة على المصالح، ومراجعة الأصول.
ويوضح المؤلف أن تلك التوجهات في أغلبها ناتجة عن التنوع الثقافي للشخصيّات الرئيسيّة المساهمة في "الحداثة الإسلاميّة" بإجراء الدمج بين تعليمهم الإسلاميّ وثقافتهم الغربيّة ليحصلوا من خلال ذلك على أفكار جديدة للإصلاح الإسلاميّ و"إعادة التأويل". وسرد المؤلف أبرزهم وهم محمد عبده وتلميذاه الرئيسيّان رشد رضا والطاهر بن عاشور اللذان ساهما في تطوير مدرسة جديدة لتفسير القرآن "تتماشى مع العلم الحديث والعقلانيّة الحديثة". وهذه المدرسة، التي بحثها الكتاب بين أيدينا تحت مصطلح "إعادة التأويل الإصلاحيّ"، واستخدمت لذلك طريقة "التفسير الموضوعي" كطريقة جديدة في التفسير. أمّا مدرسة إعادة التأويل الاعتذاري فإنّها بخلاف المجموعة الأخيرة تكتفي بمجرّد الدفاع عن الحالة الراهنة في مجال ما، ويكون ذلك في العادة بناء على توجّه سياسيّ ما.
"ما بعد الحداثة" الإسلامية
وإذا كان أصحاب مراجعة الأصول حاولوا تعديل أصول الفقه، من خلال تساؤلهم عن المفاهيم المتعلّقة بـ"الإجماع" و"الصحّة" و"النسخ"، وبطرحهم تأويلات جديدة للمصلحة؛ فإن مجموعة مابعد الحداثة الإسلاميّة شملت تيّارات هي مابعد البنيويّة، والتاريخانيّة، ودراسات النقد القانونيّ، وكذلك مابعد الكولونياليّة (مابعد الاستعمار) والعقلانيّة الجديدة، ومضادّة العقلانيّة، والعلمانيّة. نلاحظ أنّ المنهج المشترك لكلّ هذه المقاربات الـ"مابعد حداثيّة" هو "التفكيكيّة" بالمعنى الذي نجده عند دريدا. فالتيار الـ"مابعد بنيوي" يسعى إلى "تحرير الناس من سلطان النصوص"، ولهذا الغرض يطبّق نظرية علم الإشارة "السيميويّة" على نصّ القرآن الكريم بهدف "تمييز

المدلول عليه من الدالّ".
وهناك فئة إسلاميّة يتعرض لها الكتاب ضمن "مابعد الحداثة الإسلامية" ضمن توجّه الدراسات النقدية للحقوق " CLS " تهدف إلى "تفكيك" مواقف "السلطة" التي وقفت خلف الفقه الإسلاميّ، من مثل القبائل العربيّة القويّة، وهناك محاورة مثقّفة فيما إذا كان الفقهاء قد عملوا على "خدمة مصالح الحكّام" أو قاموا بـ"حماية الفقه من الحكام". أمّا ما بعد الكولونياليّة "مابعد الاستعمار" الإسلاميّة فقد انتقدت التوجّهات الاستشراقيّة التقليديّة نحو الشريعة الإسلاميّة، ودعت إلى توجّهات لا تقوم على "التحيّزات الإطلاقيّة حول الثقافات الإسلاميّة."
مقاربة منظوماتيّة إلى نظريّات الفقه الإسلاميّ
ويقدّم هذا الكتاب بطريقة عرض مبتكرة في الدراسات الإسلامية بالاستعانة بمخططات وخرائط توضيحية مقاربة منظوماتيّة إلى نظريّات الفقه الإسلاميّ، بحيث تكون السمات المنظوماتيّة المقترحة (وهي الطبيعة الإدراكيّة للتشريع الإسلاميّ، والشموليّة، والانفتاح، والترتيب الهرميّ المترابط الأجزاء، وتعدّد الأبعاد، والمقاصديّة) تتحقّق من خلال مقترحات نظريّة محدّدة.
ومن أجل تحقيق الجوانب "الإدراكيّة" يقترح الكتاب أنّ الاجتهاد يجب ألا ينظر إليه على أنّه مجموعة من "أوامر أنزلها الله" حتّى إن أسّس على الإجماع أو القياس، وهو موقف يقرّ بـ "الطبيعة الإدراكيّة" للفقه الإسلاميّ. ويتبنى الكتاب كذلك حول "الإدراك" و"المقصد" في أقوال الرسول صلّى الله عليه وسلّم آراء القرافي وابن عاشور حول مقاصد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك بقصد توسيع التصنيف التقليديّ لأعمال الرسول وأقواله على أنّها إمّا أن تكون تشريعيّة أو بشريّة، فالتصنيفات الإضافيّة تربط الأحاديث النبويّة بمقاصد محدّدة.
تحقيق سمة الانفتاح والتجديد
وفيما يخصّ تحقيق سمة الانفتاح والتجديد الذاتي في منظومة الفقه الإسلاميّ، فإنّ الكتاب يقترح تغييراً في الأحكام مع تغيّر صورة العالم أو الثقافة الإدراكيّة كآليّة للانفتاح في منظومة الفقه الإسلاميّ، ويقترح الانفتاح الفلسفيّ، كآلية لتجديد الذات، أي تجديد الفقه الإسلاميّ لذاته. فيقترح المؤلف جعل "صورة العالم" لدى الفقيه توسيعاً لاعتبار العرف، وذلك بغرض التوصّل إلى عموم التشريع وعالميّته.
يقول المؤلف "لقد جرى تطوير ما يدعوه العلماء "فقه الواقع" ليشمل "صورة وافية للعالم"، وليحصل لمنظومة الفقه من هنا "انفتاح" للفقه على ما يجري من تقدّم في العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة".
وبخصوص الانفتاح الفلسفي يرى د.عودة أنّ نظريّة الفقه لم تفِد من المساهمة الأصيلة للفلاسفة المسلمين في الفلسفة والمنطق في العصور الذهبيّة من التاريخ الإسلاميّ، مثل قياس ابن سينا "الذي يأخذ الزمن في اعتباره"، ونظريّة الفارابي في النقاش الاستقرائي، وانفتاح ابن رشد على كلّ البحث الفلسفيّ، والدراسة الناقدة لابن حزم وابن تيمية للمنطق الأرسطي. فيمكن للفقه الإسلامي أن يكتسب تجديد ذاته من خلال الانفتاح على البحث الفلسفيّ.
تعددية الأبعاد في التشريع الإسلامي
وفي الفصل الأخير من الكتاب يحاول المؤلف تحقيق سمة تعددّية الأبعاد في التشريع الإسلاميّ، بتتبّع أصول التفكير ضمن ثنائيّات متضادّة "إما هذا صحيح أو هذا" التي سادت في مذاهب الفقه الإسلاميّ. فقد كان الفقهاء في سعيهم للتمييز بين المعاني، سواء أكانت تقوم على مكونات ماديّة أو على الأوصاف، يصلون في كلّ الأحوال إلى تحديد كلّ مفهوم نسبة إلى "ثنائيّة متضادّة ما". ويعلق على هذا المنهج في التفكير بأنه لا يوصل الباحث إلى نتيجة، ويقول إن التعامل مع هذا المسعى، نظريّاً، يجب أن يكون بحسب طيف من الاحتمالات، وليس على أساس تصنيف ثنائي "يقين/لا يقين". دليل هذا في المصادر الإسلاميّة هي أنّ منطق القرآن الكريم في إثبات وجود الله ينحو منحى "خطّ مستمرّ" من الاستدلال، وليس على أساس ثنائيّة وتضادّ. من جانب آخر فإنّ تعدد الأبعاد حينما يرتبط بمقاربة مقاصديّة يمكن أن يوفّر حلاً نظريّاً لمعضلة الأدلّة المتعارضة.
ويلخص د. عودة هدفه من الكتاب بجملة جامعة شاملة قال فيها "إنّ المقاربة المقاصديّة تنقل العمل الفقهيّ إلى آفاق أعلى على المستوى الفلسفيّ، وبهذا فهي تخلّص الفقيه من الخلافات التاريخيّة حول المواقف السياسيّة بين المذاهب الفقهيّة، وتشجّع على ثقافة تصالحيّة وتعايش سلميّ طالما اشتدّت الحاجة إليهما. يضاف إلى هذا أنّ تحقيق المقاصد يجب أن يكون المطلب المحوريّ لكلّ المناهج الأساسيّة في الاجتهاد سواء أكانت لغويّة أو عقليّة، بصرف النظر عمّا يطلق عليه من أسماء وممّا تتبعه من مقاربات. لهذا فإنّ صحّة أيّ اجتهاد يجب أن تحدّد بناء على مستوى تحقيقه لمقاصد الشريعة".