رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إيليا أبو ماضى ... شاعرالتفاؤل والأمل

ثقافة

الأحد, 27 نوفمبر 2011 16:54
إيليا أبو ماضى ... شاعرالتفاؤل والأملاشتهر بتفاءله وحبه للطبيعة والجمال
كتب- علي عبد الودود:

عالمٌ جديدٌ فسيحٌ للثقافة العربية أنشأه الأدباء المهاجرون في موطنهم الجديد البعيد .... لذا نقابل اليوم فارسًا من أدباء المهجر، وشاعرًا ممن تربعوا على قمة الشعر العربي في هذه البلاد, إنه شاعر الأمل والتفاؤل "إيليا أبو ماضي" الذي حملت قصائده روح الشرق وهمومه وهو في أقصى الغرب، وكأنه شجرة أرزٍ لبنانية غُرست على ضفاف الميسيسيبي.

إيليا أبو ماضي هذا الشاعر الغزير الإنتاج الذي خلَّف لنا عدة دواوين شعر تذخر بالمشاعر الوجدانية، وتفيض بالأحاسيس الرقيقة الراقية؛ وأهم هذه الدواوين "تذكار الماضي"، و"الجداول"، و"الخمائل" .. و"تبرٌ وتراب".
فقد كانت هذه الإبداعات نتاج فتراتٍ زمانية متعاقبة ومحطاتٍ مكانية متنوعة في حياة شاعرنا، فمن جبال لبنان إلى شواطئ الإسكندرية إلى طرقات نيويورك؛ لكنه لم يَنْسَ قط الشرق العزيز ولبنان الحبيب .
ولد إيليا ضاهر أبو ماضي 23 نوفمبر 1889-1957 بلبنان وهو شاعر لبناني معاصر من شعراء المهجر بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعد  الثالث في شهرته كواحد من شعراء المهجر بعد جبران ونعيمة؛ حيث يزخر شعر أبي ماضي بالتفاؤل والإقبال على الحياة بإسباغ الجمال على البشر والطبيعة، ويستثنى من ذلك درته الشهيرة "الطلاسم"؛ وكمعظم المهاجرين يتصف بالجرأة في التعامل مع اللغة ومع القالب العمودي الموروث .

نشأته

نشأ أبو ماضي في عائلة بسيطة الحال لذلك لم يستطع أن يدرس في قريته سوى الدروس الابتدائية البسيطة؛ فدخل مدرسة المحيدثة القائمة في جوار الكنيسة.
وعندما اشتد به الفقر في لبنان رحل إلى مصر عام 1902 بهدف التجارة مع عمه الذي كان يمتهن تجارة التبغ، وهناك التقى بأنطون الجميل الذي كان قد أنشأ مع أمين تقي الدين مجلة "الزهور" فأعجب بذكائه وعصاميته إعجابا شديدا ودعاه إلى الكتابة بالمجلة فنشر أولى قصائده بالمجلة، ثم توالى نشر أعماله إلى أن جمع بواكير شعره في ديوان أطلق عليه "تذكار الماضي" وصدر في عام 1911م؛ وكان أبو ماضي إذ ذاك يبلغ من العمر 22 عاما.
اتجه أبو ماضي إلى نظم الشعر في الموضوعات الوطنية والسياسية، فلم يسلم من مطاردة السلطات، فاضطر للهجرة إلى أمريكا عام 1912 حيث استقر أولا في مدينة "سنسناتي" بولاية أوهايو حيث أقام فيها مدة أربع سنوات عمل فيها بالتجارة مع أخيه البكر مراد، ثم رحل إلى نيويورك وفي "بروكلين"، وشارك في تأسيس الرابطة القلمية في الولايات المتحدة الأمريكية مع جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة.

العوامل المؤثرة في شعره

أحاطته الطبيعة في طفولته بأشكال الجبال الخضراء والجداول والطيور المغردة للجمال، فتعلم حب الطبيعة وتعلق بمناجاتها، كما أن نشأته في قسوة الفقر جعلت منه رسولاً للفقراء، فكتب دوماً عن المساواة الاجتماعية.
وكان التشرد في الغربة ثاني العوامل المؤثرة في اتجاه أبي ماضي، فمن التشرد إلى تعلم الوفاء للوطن، فأغزر في الشوق اليه والعناية بطيفه الباقى في قلبه؛ والاختلاط بالنخب؛ ففي المهجر كان أبو ماضي منغمساً في علاقته برواد النهضة العربية وقادة الفكر التحرري الأدبي فاستفاد منهم، وبنى منهجه الشعري وأسلوبه الأدبي.
أصدر ديوانه الأول عام 1910 م باسم "ديوان ايليا ضاهر أبو ماضي" بجزأين ثم ديوان "تذكار الماضي" في مصر عام 1911 م تقريباً وهو يحتوي على خمس عشرة قصيدة في مواضيع وطنية ثم توالت دواوينه في المهجر "الجداول" 1927 م و"الخمائل" 1946 م. ثم "تبر وتراب" واشتغل بالصحافة فحرر عشر سنوات في جريدة "مرآة الغرب" ثم أصدر جريدة "السمير" في نيويورك؛ وكانت من أوسع الصحف انتشاراً في المهجر.
يعد ايليا أبو ماضي صورة صادقة لمدرسة المهجر في الشعر العربي وثمرة لها؛ تأثر بالمتنبي والمعري وأخذ من أبي العلاء شكه في أصل الوجود والبعث والنشور؛ كما تأثر بتشاؤمه ثم تحول عن هذا التشاؤم ودعا الى التفاؤل كما تأثر بالشاعر "أبو نواس"؛ وقد تأثر بمذهب الرابطة القلمية في الشعر فتخلى عن الطابع الكلاسيكي القديم الذي يهتم بالألفاظ والأوزان أكثر مما يهتم بالمعاني والأفكار؛ وشغف بشعر الطبيعة والحب والجمال.
كما تأثر بجبران ونعيمة ورفاقهما, وأبرز خصائص شعر أبي ماضي هو شعر الشك والتفاؤل وهو من الآخذين بنظرية عمر الخيام: التمتع بالحياة قبل غروبها والتملي من خرير الجداول وأريج الأزهار.

القصة الشعرية عند إيليا أبي ماضي

من أشهر ما برع في القصة الشعرية ولا سيما الأسطورية؛ فقد امتلأت دواوينه بهذا اللون من الشعر وبعض قصائده كانت تأتي طويلة منوعة القوافي وأحياناً منوعة الأوزان أيضاً مثل "الحكاية الأزلية" و "الشاعر والسلطان الجائر" و "أمنية الهة" و "الشاعر في السماء" و "الأشباح الثلاثة" و" الشاعر والأمة" و"المجنون" و كثير غيرها.
وبعضها الآخر كان يأتي مقطوعات قصيرة، فيها الحكمة والعبرة والعظة الأخلاقية أو الاجتماعية مثل "التينة الحمقاء" و"الضفادع والنجوم" و"الحجر الصغير" و"العير المتنكر" و "الإله الثرثار" وقصائد أخرى متعددة.

أهم الأعمال

تفرغ إيليا أبو ماضي للأدب والصحافة، وأصدر عدة دواوين رسمت اتجاهه الفلسفي والفكري أهمها:
• "تذكار الماضي" (الإسكندرية 1911): تناول موضوعات مختلفة أبرزها الظلم، عرض فيها بالشعر الظلم الذي يمارسه الحاكم على المحكوم، مهاجماً الطغيان العثماني ضد بلاده.
• "إيليا أبو ماضي" (نيويورك 1918): كتب مقدمته جبران خليل جبران، جمع فيه إيليا بين الحب، والتأمل والفلسفة، وموضوعات اجتماعية وقضايا وطنية كل ذلك في إطار رومانسي حالم أحياناً وثائر عنيف أحياناً أخرى، يكرر شاعرنا فيه تغنيه بجمال الطبيعة.
• "الجداول" (نيويورك 1927): كتب مقدمته ميخائيل نعيمة.
• "الخمائل" (نيويورك 1940): من أكثر دواوين أبي ماضي شهرةً ونجاحاً، فيه اكتمال نضوج إيليا أدبياً، جعله شعر التناقضات، ففيه الجسد والروح، والثورة وطلب السلام، والاعتراف بالواقع ورسم الخيال.
• "تبر وتراب"
• "الغابة المفقودة"

في دراسة شعره

يطلق عليه النقاد شاعر الأمل والتفاؤل (قال السماء كئيبةً وتجهمَ،

قلت ابتسم يكفي التجهم في السما، قال الصبا ولّى فقلت له ابتسم، لن يرجع الأسف الصبا المتصرّما) كان الجمال حاضراً في أغلب أعمال أبي ماضي، وامتاز بعشقه للطبيعة (يا ليتني لصٌ لأسرق في الضحى، سرَّ اللطافة في النسيم الساري، وأَجسَّ مؤتلق الجمالِ بأصبعي، في زرقة الأفقِ الجميلِ العاري) وجعله قريناً بكل شيء.
كما لم ينس أوجاع الفقراء والمسحوقين فكتب لهم كثيراً وجعلهم من ثوابت قلمه المبدع؛ أما الوطن فلم يغب فكان لبنان محور يوميات ايليا أبي ماضي، (اثنان أعيا الدهر أن يبليهما، لبنان والأمل الذي لذويه) وأجاد مع الحرب العالمية في ترجمة الحنين إلى العائلة والأرض شعراً: (يا جارتي كان لي أهلٌ وإخوان، فبتت الحرب ما بيني وبينهم، كما تقطع أمراس وخيطان، فاليوم كل الذي فيه مهجتي ألم، وكل ما حولهم بؤس وأحزان، وكان لي أمل إذا كان لي وطن)
نصل إلى الحب فكانت تجارب أبي ماضي قاسيةً عاطفياً، ولكنه احتفظ بالأمل الذي لم يفارق كتاباته، فكان يخرج دوماً حالماً مبرراً القسوة والانكسار جاعلاً منه قلعة تفاؤل وتمسك بالحب، رغم أنه لم ينف الحزن في قلبه، الا انه ميزه عن اليأس، (إنما تلك أخلفت قبل ليلين من موعدي، لم تمت لا.. وإنما أصبحت في سوى يدي).

فلسفته

إيليا أبو ماضي، هو الشاعر الفيلسوف، كان ذي رؤيةٍ فلسفية لكل شيء، فله في الموت فلسفة وفي الكون والوجود، وفي السياسة وفي المجتمع وفي الحب، آمن أن الإنسان خالد وأن الموت ليس آخر المطاف، بل تكملة للمسيرة، وشارك جبران خليل جبران في ايمانه بالتقمص والعودة بأشكالٍ حياتية أخرى، خصص مساحةً من شعره للماورائيات، عادى التعصب والطائفية، ونبذها في قصائده مبشراً بديانة الإنسان!

من شعره

كتب إيليا أفضل شعره وهو في المهجر وهذه بعضها:
كم تشتكي
كم تشتكي وتقول إنك معدم                  والأرض ملكك والسما والأنجم
ولك الحقول وزهرها وأريجها              ونسيمها والبلبل المترنم
والماء حولك فضة رقراقة                   والشمس فوقك سجدك يتضرغم
والنور يبني في السفوح وفي               الذرى دورا مزخرفة وحينا يهدم
هشت لك الدنيا فمالك واجم                  وتبسمت فعلام لا تتبسم
ان كنت مكتئبا لعز قد مضى               هيهات يرجعه اليك تَنَدُّم
أو كنت تشفق من حلول مصيبة             هيهات يمنع أن تحل تجهم
أو كنت جاوزت الشباب فلا تقل              شاخ الزمان فانه لا يهرم
نظر فما زالت تطل من الثرى             صور تكاد لحسنها تتكلم

ابتســم

قال: السماء كئيبة، وتجهما قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما
قال: الصبا ولّى فقلت له ابتسم لن يرجع الأسف الصبا المتصرما
قال: التي كانت سمائي في الهوى صارت لنفسي في الغرام جهنما
خانت عهودي بعدما ملكتها قلبي فكيف أطيق أن أتبسما ؟
قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها قضّيت عمرك كله متألما
قال: التجارة في صراع هائل مثل المسافر كاد يقتله الظما
أو غادة مسلولة محتاجة لدم وتنفث كلما لهثت دما
قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها وشفائها فإذا ابتسمت فربما..
أيكون غيرك مجرما وتبيت في وجل كأنك أنت صرت المجرما
قال: العدى حولي علت صيحاتهم أأسر والأعداء حولي في الحمى ؟
قلت: ابتسم لم يطلبوك بذمة لو لم تكن منهم أجل وأعظما
قال: المواسم قد بدت أعلامها وتعرضت لي في الملابس والدمى
وعلي الأحباب فرض لازم لكنّ كفي ليس تملك درهما
قلت: ابتسم يكفيك أنك لم تزل حيا ولست من الأحبة معدما
قال: الليالي جرعتني علقما قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مرنما طرح الكآبة جانبا وترنما
أتراك تغنم بالتبرم درهما أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما
يا صاح لا خطر على شفتيك أن تتثلما والوجه أن يتحطما
فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى متلاطم ولذا نحب الأنجما
قال: البشاشة ليس تسعد كائنا يأتي إلى الدنيا ويذهب مرغما
قلت: ابتسم مادام بينك والردى شبر فإنك بعد لن تتبسما

وفاته:

توفي بنوبة قلبية أسكتت قلبه المرهف بالشعر في  نوفمبر 1957.

أهم الاخبار