إدوارد سعيد المناضل الفلسطينى الذى تحدى أوسلو

ثقافة

الثلاثاء, 08 نوفمبر 2011 14:29
كتب – على عبد الودود:

حلت مطلع الشهر الجاري ذكرى ميلاد المفكر والأكاديمي والمناضل الفلسطيني البارز ادوارد سعيد ؛ الذي يُعد من أبرز مفكري عصره وجيله ومن الوجوه الأكاديمية ومن أصحاب الرؤية النقدية والفلسفية المشرقة في الثقافة الفلسطينية والعربية المعاصرة , وشغل المثقفين في العالم منذ أكثر من أربعة عقود بمؤلفاته وآرائه التي أثارت جدلاً عميقاً وصخباً واسعاً خاصا بعد كتابه "الاستشراق".

شكل رحيله خسارة عظيمة للفكر العقلاني والنقدي والفلسفي وللثقافة العربية الانسانية؛ فالرجل كان شديد التنوع وعظيم الحضور في الحياة الثقافية والفكرية العالمية فهو حاضر بقوة  في دراسات "ما بعد الاستعمار"، وفي النقد الأدبي، وفي الكتابة عن الموسيقى، وفي صورة المثقف وموقفه مما يجري في العالم.

حياته


ولد إدوارد سعيد بمدينة القدس في 1 نوفمبر 1935 لعائلة مسيحية وكان أبوه فلسطينيا أمريكيا وأمه فلسطينية لبنانية.

 بدأ دراسته في كلية فيكتوريا في الإسكندرية بمصر، ثم سافر سعيد إلى الولايات المتحدة كطالب، وحصل على البكالوريوس من جامعة برنستون عام 1957 م ثم الماجستير عام 1960 و حصل على الدكتوراة من جامعة هارفارد عام 1964 م.عُرف أدوارد سعيد منذ صباه بشغفه بالقراءة والموسيقى حتى أصبح مثقفا كبيرا، وكاتبا ومفكرا وعازفا على آلة البيانو.
قضى معظم حياته الأكاديمية أستاذا في جامعة كولومبيا في نيويورك، لكنه كان يتجول كأستاذ زائر في عدد من كبرى المؤسسات الأكاديمية مثل جامعة يل وهارفرد وجون هوبكنز.

 تحدث سعيد العربية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة، وألم بالإسبانية والألمانية والإيطالية واللاتينية؛  وكون صداقة مع الموسيقار الإسرائيلي دانييل بارينبويم، وأسس الإثنان أوركسترا الديوان الغربي الشرقي.

فكره و آراؤه


بالإضافة لكونه ناقدًا أدبيًا مرموقًا، فإن اهتماماته السياسية والمعرفية متعددة وواسعة تتمحور حول القضية الفلسطينية والدفاع عن شرعيةالثقافة والهوّية الفلسطينية، وعن عدالة هذه القضية وحقوق الشعب الفلسطيني.

 كما تتركز اهتماماته والموضوعات التي تناولها على العلاقة بين القوة والهيمنة الثقافية الغربية من ناحية، وتشكيل رؤية الناس للعالم
وللقضايا من ناحية أخرى.

 ويوضح إدوارد سعيد هذه المسألة بأمثلة عديدة وبتفاصيل تاريخية في مسألة الصهيونية، ونظرة الغرب إلى العرب والإسلام والمسلمين وثقافات العالم الأخرى, ويشرح إدوارد سعيد كيف أن الإعلام الغربي والخبراء وصنّاع السياسة الغربية والإمبريالية الثقافية الغربية تتضافر كلها لتحقيق مصالح غربية غير عادلة في نهاية المطاف، وذلك عن طريق إيجاد خطاب غربي منحاز ثقافيًا إلى الغرب ومصالحه.

انضمامه إلى منظمة التحرير


انضم ادوارد سعيد لمنظمة التحرير بقناعة, فقامت الدنيا عليه في جامعة ينتقد فيها يهود نيويورك موقفه , ولم يبال بعرائضهم المطالبة بطرده, وقال:" لم أملك إلا أن أقف على الحدود اللبنانية وأرمي المحتلين بحجر, والتقطت الصورة له وهو يرجمهم"؛ وبدأت حملة جديدة طالب فيها أساتذة جامعته بطرده؛ ومن قبل ذلك لاحقه خصومه اليهود ينكرون كونه فلسطينيا مولودا في القدس, وذهب وفد يستقصي تاريخه, ونشرت مجلة"كومنتري" الأدبية اليهودية ملفا بذلك, فزادت هذه المطاردة من ذيوع قضيته.

وخالف عرفات بشجاعة, وخالف آراء كثير من مثقفي العرب في الموقف من مذابح هتلر لليهود, فهو يصدق حدوثها ويستنكر قول المنكرين ويتعاطف مع ضحاياها, وله في المسألة الفلسطينية رأي جريء حيث يطالب بدولة ديمقراطية واحدة في فلسطين للجميع, تحكمها الأغلبية وترعى حق الأقلية.

موقفه من السلطة

اتخذ ادوارد سعيد موقفاً حاداً وصارماً ومعارضاً من السلطة الفلسطينية بسبب توقيع اتفاق أوسلو ليجعله يبتعد عن الأم فلسطين حيث استقال في أعقابها من عضوية المجلس الوطني وأعلن معارضته لقيادة ياسر عرفات الذي رآه ادوارد سببا

في الفساد والأوضاع المزرية سياسيا واقتصاديا وإداريا.
ولم يهدأ قلمه وفكره حتى وجد هذا الخلاف طريقه على صفحات كتابه " غزةأريحا سلام أمريكي " عام 1995 .

كتاباته وآراؤه

أصدر بحوثا ودراسات ومقالات في حقول أخرى تنوعت من الأدب الإنجليزي - وهو اختصاصه الأكاديمي- إلى الموسيقى وشئون ثقافية مختلفة.

 كتابه "الاستشراق" من أهم أعماله ويعتبر بداية فرع العلم الذي يعرف بدراسات ما بعد الاستعمار؛ فكان سعيد منتقدا قويا ودائما للحكومة الإسرائيلية والأمريكية لما كان يعتبره إساءة وإهانة الدولة اليهودية للفلسطينيين.

 وكان من أشد المعارضين لاتفاقيات أوسلو؛ وانتقد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات واعتبر أن اتفاقية أوسلو كانت صفقة خاسرة للفلسطينيين.

أسس مع الدكتور الراحل حيدر عبد الشافي والدكتور مصطفى البرغوثي والأستاذ إبراهيم القاق المبادرة الوطنية الفلسطينية كحركة سياسية فلسطينية تهتم بالنهوض بالشخصية الفلسطينية واجبار العالم الاعتراف بالفلسطينيين انهم رجال اعلام وسياسيين وإداريين قادرين على تحمل مسؤلية قيادة دولتهم الفلسطينية.
وبعد معرفته بخبر اصابته بمرض السرطان في 1999 بدأ في كتابة مذكراته باسم "خارج المكان".

أعماله:

الاستشراق (1978)، الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربية من وجهة نظر أمريكية (1994) بالاشتراك مع برنارد لويس، مسألة فلسطين (1979)، سياسة التجريد (1994)، خارج المكان (سيرة ذاتية)، أوسلو : سلام بلا أرض (1995)، تأملات من المنفى.

ادوارد وكتابه " الاستشراق "

يُعد كتاب "الاستشراق" من أهمِّ الأطروحاتِ في الدِراساتِ ما بعد الاستعمارية, فمنذ أن نُشِرَ في سنة 1978م أصبح له تأثيرٌ مُتنامٍ على الحقول المعرفية المتصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، كالنظرية الاستعمارية، ودِراسات ما بعد الاستعمارية، والنقد النسائي، والأنثربولوجيا، والتاريخِ، والجغرافيا، وأدبِ الرحلاتِ والسياحةِ وغيرها.

فالكتابَ محاولةَ لتوظيف نظريةِ ميشيل فوكو Michel Foucault حول الخطاب، من حيث العلاقة بين المعرفةِ والسلطة، ومفهومِ أنطونيو جرامشي  Antonio Gramsci  للهيمنةِ السياسيةِ والثقافيةِ.
 

وضمن هذين الإطارين درس سعيد الخطابَ الأوروبي حول الشرق، خاصة البريطانيَّ منه والفرنسيَّ، منذ القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين. فالعلماءُ الغربيون، والرحالةُ، والسياسيون، الذين كَتبوا عن الشرق، أو درَسوه أو درّسوه اعتبرهم سعيد مستشرقين.
قدم سعيد ثلاثة تعريفات لـ "الاستشراق" يعتمد بعضها على بعض: الأول منها أكاديمي وهو قوله: (فكل من يُدرّس الشرق، أو يَكْتبُ عنه، أَو يَبْحثُه  سواء في سماتِه العامّةِ أو الخاصة فهو مستشرق، ومَا تفعله هي أو يفعله هو، استشراق).

 والتعريف الثاني: (أسلوب من الفكر مستند على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرقِ والغرب.

والتعريف الثالث: (أسلوب غربي للسّيْطَرَة على الشرق، وإعادة هيكلته، وامتلاك السلطة عليه).

قدم سعيد قائمةَ مِنْ ثلاثة أصنافٍ للمستشرقين, أولها الكاتب الذي ذهب
إلى الشرق لتزويد الاستشراق المحترف بمادة علمية أَو (الذي يَعتبر إقامته
نوعا من الملاحظةِ العلميةِ). ويؤكد سعيد بأن الرحالة البريطاني إدوارد
ويليام لين Edward William Lane في كتابه الذي وصف عادات المصريين المعاصرين وأنماط حياتهم يعتبر أوضح مثال على هذه الصنف من المستشرقين.

 والصنف الثاني لدى سعيد هو الكاتب الذي يَبْدأُ بنفس الهدفِ، لكن اهتماماته الفردية تُسيطرُ على عملِه.

 ويَعتبرُ سعيد الرحالة البريطاني ريتشارد بيرتن Richard Burtonفي كتابه الحج إلى المدينة ومكة مثالا جيدا لهذا الصنفِ. أما الصنف الأخير من المستشرقين فهو الكاتب الذي يرحل إلى الشرقِ لإرْضاء رغبتِه، لذا فإن نَصّه مبني على جماليات شخصية .

يُجادلُ سعيد بأنّ الاستشراق أنتجَ وجهةَ نظرٍ عدائيةً حول الشرقيين والمسلمين والعرب، ويَعتقدُ  بأنّ الإسلام كانَ لأوروبا صدمة دائمة.
وهو يُحاولُ دَعْم هذه الفكرةِ بعِدّة أمثلة مِنْ الكتاباتِ الغربيةِ.
ويشير سعيد إلى أن اللّورد كرومر Lord Cromer -في كتابه "مصر الحديثة" يصور الشرقيين والعرب على أنهم سُذّج، مجردون مِنْ الطاقةِ والمبادرةِ، ومجبولون على التملقِ المفرطِ، والخداع، والقسوةِ على الحيواناتِ؛ والكذب، ويصفهم بأنهم خاملون ومريبون، طباعهم تختلف كليا عن طباع العِرْق الأنجلوسكسوني.

ويُجادلُ سعيد أيضاً بأنّ الأيديولوجية الرئيسية للاستشراق هي الإيمان بالاختلاف المطلق والمنظّمَ بين الغربِ والشرقِ، أَو كما يَضعُه هو:
(العالم مكون من نصفين غير متكافئين: الشرق والغرب). ويرى بأنّ كلا من بلفور Balfour، وكرومر، على سبيل المثال وظفا العديد مِنْ الألفاظ للتعبير عن هذا الاختلاف؛ فالشرقي غير عقلاني، وسَاقِط، وطفولي؛ بينما الأوروبي عقلاني، ومستقيم، وناضج.

ويؤكد سعيد بأنّ بريطانيا كانت تستدعي وكلاءها للتَقَاعُد من المستعمراتِ البريطانيةِ حين يبلغون سن الخامسة والخمسين، والسبب وراء ذلك أن الشرقيينَ ما كان لهم أن يروا الغربي شائخا، كما لا ينبغي أن يشعر الغربي بأنه أصبح في عيون الخاضعين له إلا يافعا، يقظا، عقلانيا، نشطا.

ويرى سعيد بأن نظرية العرق والتصنيف البشري، والداروينيةَ، وعلم الأنثربولوجيا، وفقه اللغة، والاستعمار، كلها قد ساهمت وكرست فكرة سمو الأجناس الأوروبية على ما سواها، واشتهر ادوارد كناقد قبل أن يُفاجئ الناس بكتاب "الاستشراق".

وحول التساؤل الذي دار حول كون ادوراد مُبدعا في كتابه هذا أم لا؛ يقول خصومه لا.. فلم يزد على أنه جدد أقوال الناقدين ونصوص الأدباء والرحالة, ومواقف السياسيين ليصوغ منها حملة شرسة على الاستعمار وأربابه, وربما رآها آخرون حملة ناقمة عمياء, دل عليها كتابان تاليان هما كتاب "تغطية الإسلام" و "ثقافة الإمبريالية".

وقد غزاه السرطان وأرهقه وفي مقدمة هيكل لكتاب إدوارد عن أوسلو ومحادثات السلام, سلاّه هيكل عن السرطان بأن الأمراض تختار أجسادها؛ كان شجاعا وتميز عن مثقفي الشرق بكشف زيف الغرب واستغلاله للمعرفة وسيلة للاستعمار, وكان شجاعا بتجاوز عقدة خنوع المثقف وحرصه وتبعيته وتهافته, وخالف نهج مثقفي العرب في المهجر الذين يلوذون بالصمت خوفا من نفوذ اليهود, وحرصا على مواقعهم الوظيفية.

موقفه من المسلمين

موقفه من قضايا المسلمين موقف منصف غالبا, وتفيض مواقفه التيار الوصولي في الثقافة العربية المعاصرة. لأنه كان شديد القسوة على من يسميه بالمثقف الخائن, ويكثر من تكرار استخدام أحد الكتب الفرنسية المثيرة التي كتبت مطولا عن خيانة المثقفين وتبعيتهم, وهنا نلاحظ ذلك الجانب المكروه للوصوليين, وسوطه المرفوع الذي يجلد به ظهورهم, فلم يكن يملك ما يخاف عليه, ولم يزده مرضه إلا تخففا وشجاعة, وقد سأله أحد المعلقين عن سر مضاعفة جهده, فأكد أن المصاب بالسرطان لا وقت لديه وهو من القلة التي تستطيع أن تكشف حدود الحرية الفكرية في أمريكا.

خسر المسلمون والعرب مدافعا فصيحا, عن قضاياهم, ومهتما بارزا بقضية فلسطين؛ لقد كان رجلا واحدا ولكنه كان جهازا إعلاميا ثقافيا مؤثرا, وتأثيره فاق ما أثرته الدول العربية في التوعية بالمسألة
الفلسطينية في الغرب, وكان مطلعا ومتابعا للأحداث ومعلقا فطنا, ومتحدثا آسرا, يفوق أسلوب حديثه أسلوب كتابته.

كتبه القديمة والحديثة دائما معروضة في طبعات جديدة, لا ينتهي حولها الجدل, كان صيادا وعارضا للفكرة, و كان مبدعا في اعتراضه ومؤثرا, عمقه في أدب الإنجليزية لا يبارى, كما أجاد الفرنسية, ثم عاد لبيروت وتمكن من العربية.

رحيله

توفي ادوارد سعيد في أحد مستشفيات نيويورك 25 سبتمبر 2003عن 67 عاما نتيجة اصابته بمرض اللوكيميا (سرطان الدم)، وقبل وفاته قال "أغلب الذين يصابون بمرض سرطان الدم يموتون أو يشفون، لكنني لم أمت ولم أشف"، هذا ما قاله إدوارد سعيد في آخر مقابلة تليفزيونية، أجراها معه الصحفي الأمريكي والرهينة السابق في بيروت، تشارلز غلاس.
لم يطل الوقت بعد تلك المقابلة، حتى غادر إدوارد سعيد، ولكنه أنتج كما كبيرا من المؤلفات التي أثرت الحركة الفكرية في امريكا وأوروبا ودافعت بشدة عن القضية الفلسطينية والعالم العربي الذي لطالما هاجمه الغرب ولم يجد من ينصفه من أبنائه المفكرين والعلماء .

أهم الاخبار