رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

"مسعى البشرية الأزلى" بين نبل الغاية.. وبؤس الترجمة

ثقافة

الثلاثاء, 01 نوفمبر 2011 11:00
مسعى البشرية الأزلى بين نبل الغاية.. وبؤس الترجمة
كتب: مصطفى عبدالرازق

مع تسارع وتيرة التفاعل الثقافى على وقع ما فرضته العولمة من تقارب تم معه تجاوز الحدود القومية والثقافية أصبحت الترجمة تحتل مكانة مهمة فى تعزيز هذا التفاعل وهو ما ينعكس فى السرعة الشديدة التى أصبح القارئ يلمسها فى الإلمام بما يصدر فى الخارج.

ومن هنا تتبدى أهمية الدور الذى ستلعبه الترجمة فى المرحلة المقبلة بشكل يتطلب قدر من الضبط والالتزام بشكل يلتزم بالأسس المنهجية للترجمة السليمة، الأمر الذى يبدو أننا نفتقده فى بعض الأعمال، غير أن المشكلة تتمثل حينما تتسم مثل هذه الأعمال بالأهمية والحيوية التى ينبغى التعامل معها بالاهتمام الكافى، الأمر الذى لن يجد القارئ مشكلة فى وجود نماذج عديدة له من بينها ما نعرض له فى هذا الموضوع.
فضمن جهودها لإعادة طبع الأعمال المتميزة صدر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب «مسعى البشرية الأزلى.. الله لماذا؟» للمؤلفة كارن آرمسترونج وقامت على ترجمته إلى العربية الدكتورة فاطمة نصر والدكتورة هبة محمود عارف. ويمثل الكتاب رحلة شاقة ومرهقة قامت بها ارمسترونج باقتدار تحسد عليه فى البحث فى قضية تمثل أحد مشاغل الوجود الإنسانى أو حسب عنوان الكتاب مسعى أزلى للبشرية وهو قضية «وجود الله».
ومن خلال سفرها الضخم الذى يتجاوز فى ترجمته العربية أكثر من خمسمائة صفحة تصحبنا أرمسترونج فى أعماق التاريخ الإنسانى إلى فترة ما قبل الفلسفة اليونانية القديمة فى محاولة لتقديم رؤى البشرية المختلفة عن الله من خلال مختلف الاعتقادات والديانات، سواء كانت إنسانية.. أم سماوية تمثلها الأديان الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، مرورا بالفلسفات المختلفة وبشكل خاص الفلسفة الغربية فى تاريخها الوسيط والحديث.
خلل فى النهج والمضمون
غير أن قراءة الترجمة العربية لكتاب «الله لماذا؟» تقتضى الإشارة إلى مجموعة ملاحظات تعكس ما نراه خللا فى نهج الترجمة، نعتقد أنه يمثل جزءا من ظاهرة عامة تتعلق بقواعد ترجمة الأعمال الأجنبية كنا نتصور عدم وجودها فى مثل هذا السفر الهام.
فمن الصفحات الأولى للكتاب يلحظ القارئ عدم وجود مقدمة عربية للنص المترجم تقوم على ما يمكن وصفه بـ «تبيئة النص» إذا استعرنا تعبير الدكتور عابد الجابرى حول تبيئة المفاهيم، والمقصود هنا تهيئة القارئ العربى لقراءة كتاب فى هذا المجال من المفترض أنه موجه للعقلية الغربية. ينعكس ذلك- فيما يشير إلى غياب هذا المنهج - فى متن الكتاب والذى يبدو مليئا بالعبارات الملغزة التى يستعصى على القارئ فهمها وغياب التوضيحات لبعض الإشارات التى قد يصعب على القارئ الإلمام بها لأنها تنطلق من إطار غربى مغاير، فضلا عن غياب شخصية المترجم فى المواضع التى ينبغى له فيها التدخل ووجوده فى المواضع التى لا تقتضى وجوده!.

على هذا النحو يجد القارئ نفسه فى حالة من التشوش تصعب معه قراءة النص المعقد أصلا والذى يستعصى على القارئ غير المتخصص!
غياب المترجم
ونقدم هنا مجموعة محدودة من الأمثلة خروجا من حالة التعميم لا تمثل سوى نماذج سريعة على ما نود توضيحه. فمن ناحية نجد الترجمة مثلا تمر مرور الكرام على ما تشير إليه ارمسترونج بشأن صلب الرومان لعيسى حوالى عام 30 م – ص 136 - دون توضيح الرؤية الإسلامية الأمر الذى يتكرر فى صفحتين آخريين تاليتين (140، 141).
من بين المشاكل العقائدية التى يلمسها القارئ فى ترجمة الكتاب ذلك الجزء الخاص بالحديث عن آريوس حيث يرد فى الترجمة ص 177 حديث يناقض مع ما هو معروف وشائع عن عقيدة آريوس. كما أن سياق ما أوردته المؤلفة فى صفحة تالية يؤيد هذا المعروف والشائع ما يعنى أن التناقض، فى الأغلب، ناجم عن الترجمة وليس عن الأصل الإنجليزى!
وعلى المنوال ذاته تقول المؤلفة ص 166 إن الإسلام كان أسلوبا للحياة (دينا) ولم تكن رسالة القرآن الجوهرية هى المبادئ العقائدية بل دعوات أخلاقية للتراحم الذى يعبر عنه عملياً» والسؤال كيف يمكن تمرير هذه العبارة دون تعليق. ونستعيد هنا فى معرض التوقف عند هذه النقطة ما أشار إليه محمد عبدالهادى أبوريدة فى ترجمته لكتاب «تاريخ الفلسفة فى الإسلام» لدى بور من أنه « لا بد لمن يريد ترجمة كتاب بلغة أجنبية فى موضوع إسلامى أن يكون ملما بالموضوع وعارفا بالاصطلاحات العربية! ونضيف: وكذا الأصول العربية للموضوعات التى يتناولها.
من المضمون إلى الشكل نجد حالة من الارتباك فى تحديد بعض المصطلحات الأمر الذى يمكن أن نلمسه فى كلمة شيخناه shekhinah والتى ترد مرة بمعنى الحضور المقدس وإما فى سياق غير مفهوم، فيما يرد اللفظ مرة أخرى بدون أى مرادف عربى ولكن بكتابة عربية مختلفة «شخيناه» وفى سياق غير معروف أيضا حيث يرد فى صفحة 258، ومرة ثالثة بكتابة عربية ولكن «شكيناه» ص 478.
وبعيدا عن الجوانب المتعلقة بالمضمون أو بالشكل فإن الجانب التفسيرى وهو بعد هام من أبعاد الترجمة يكاد أن يغيب عن النص الأمر الذى يمكن أن نلمسه فى عدد من صفحات الكتاب، وننطلق فى ذلك من مقولة للدكتور محمد عنانى مؤداها أن المترجم ليس
مترجماً فقط وإنما مفسر أيضاً ما يعنى ضرورة قيامه على مهمة الشرح لقارئه.
فمثلا كلمة «القابلاة» ترد بهذا الشكل وبشكل آخر هو «القبالاة» دون توضيح ما هو المقصود بها بالتحديد، فى حين يسهل معرفة معناها بالعودة السريعة لجوجل.
يفاجأ القارئ فى الفصل الثامن بحديث المؤلفة عن اغتيال متعصب كاثوليكى لهنرى الرابع النقارونى دون أن تقدم الترجمة العربية للكتاب تعريفا بسيطا حول من هو هنرى ذاك؟. ص 298
ثم نفاجأ كذلك بانفجار اللاعقلانية بمدينة سالم – ص 328 - ومحاكمة الساحرات بهذه المدينة دون أن نعرف أى شئ عن هذه المدينة وأين تقع؟ وما قصة تلك الساحرات؟

تدخلات غير مطلوبة
وبعيدا عن الأغلاط الأسلوبية وهى عديدة وبعد نحو 11 فصلا أو نحو 446 صفحة من الكتاب لا يوجد بها هامش للترجمة واحد نفاجأ بسيل هوامش لا لزوم لها. والملحوظة الأساسية أن الهوامش ترد حينما يتجاوز الكتاب الجزء الفلسفى ويدخل فى سياق التطورات المعاصرة، حيث نجد تقويلا للمؤلفة لأشياء لم تقلها مثل دفاع الترجمة بأن حرب أكتوبر ليست هجومية وإنما دفاعية رغم أن المؤلفة لم تقل شيئا يفيد بأنها هجومية – ص 449. وحينما تبدى المؤلفة محاولة لتفهم موقف الحركات الإسلامية ليس من منطلق الإيمان بها وإنما من منطلق موقف عام لها تقوم على رؤية تتجاوز الإطار الغربى الضيق فى النظر للإسلام والمسلمين نجد الترجمة تنبرى للتأكيد على خطأ المؤلفة! ص 451
تذكرنا تلك الحالة بالكتاب الأشهر حول الاستشراق للراحل إدوارد سعيد وترجمته التى حظيت بقدر كبير من الانتقاد للدكتور كمال أبوديب وهو من هو فى مجال الكتابة والترجمة. فقد كانت بالغة الصعوبة بشكل جعلها عصية على الفهم والتناول وهو ما دفع دار أخرى مصرية للقيام على تقديم ترجمة بدت سهلة وغاية فى السلاسة قام عليها الدكتور محمد عنانى.
إن الترجمة كما يقدمها أستاذها الدكتور عنانى ليس الهدف منها تقديم صورة مقلوبة للنص الأصلى بحيث تقرأ من اليمين إلى اليسار بدلا من العكس ولكنها صورة صادقة للأفكار التى يوردها الكتاب وقد اكتست أسلوبا عربيا بمعنى أنها أصبحت تمثل ما يفهمه قارئ اليوم فى هذا الكتاب معبرا عنه بكلمات عربية واضحة!
وفى محاولة للاستفادة من دروس أخطاء الترجمة التى وقع فيها كتاب «الله لماذا» نشير إلى ما ذهب إليه المفكر المغربى عبدالله العروى فى تقديمه لطبعة العربية لأول كتاب له ألفه بالفرنسية وهو «الأيديولوجية العربية المعاصرة» من تأكيده على أنه يبدو أن المترجم العربى المعاصر يتناول القلم باليمنى والكتاب الذى يريد تعريبه باليسرى مكتفيا بما فى ذهنه من مفاهيم ومفردات واذا خانته الذاكرة عاد الى «المنهل» أو «المورد» فتكون النتيجة ما يشتكى منه العروى نفسه من سوء الترجمة لطبعة سابقة من كتابه المشار إليه.
مؤدى ما سبق أن نبل الغاية التى وقفت وراء تقديم كتاب بهذه الأهمية للقارئ العربى وهو «الله لماذا؟» لا تبرر السرعة التى جعلت الكتاب يقع فى هذه الأخطاء. من ناحية أخرى فقد كان الكتاب فى مرحلة إعادة الطبع من قبل هيئة الكتاب يقتضى تقديم طبعة جديدة ومنقحة الأمر الذى يجعلنا نتساءل حول دور لجان التقويم فى هيئة الكتاب وما إذا كانت تقرأ الكتب التى تقوم بإعادة نشرها أم لا. ولعل ذلك يفتح الباب لإعادة النقاش حول قضايا الترجمة فى عالمنا العربى ومصر بشكل خاص.

أهم الاخبار