الوفاء أهم صفاتها.. ونقطة ضعفها أيضا!

هند رستم.. وجه ملاك وجسد شيطان!

فن وثقافة

الخميس, 11 أغسطس 2011 11:33
كتبت : ماجدة خير الله

خبر وفاة الفنانة هند رستم نزل كالصاعقة علي نسبة كبيرة من المصريين، حتي أولئك الذين جاءوا للدنيا بعد أن اعتزلت الفن، وعاشت في الظل، ولكنها كانت بالنسبة إليهم حاضره من خلال أفلامها التي تعرض من حين لآخر علي شاشات القنوات الفضائية، فمن يمكنه أن ينسي إطلالتها في فيلم «اعترافات زوج» ، وأداءها مع فؤاد المهندس أغنية» حبيبي يا رقة فاكر ولا لأه؟»،أو إطلالتها المدهشة في فيلم إشاعة حب ، أو شقاوتها ودلعها المعجون بالأنوثة في فيلم «ابن حميدو» مع أحمد رمزي، وإسماعيل يس وعبد الفتاح القصري، لم تكن هند رستم تتعمد تقديم الإغراء مثل كل من قمن بتقليدها بعد ذلك، ولكنها حالة خاصة «ربنا خلقها كده»، كانت تمشي «تدلدق» أنوثة ورقة ودلعا رغما عنها، ولكنها الأنوثة التي تلازمها حالة من خفة الظل وبعض الحياء، وحاول بعض المنتجين استنساخ هند رستم فاخترعوا الفنانه الراحلة برلنتي عبد الحميد ومنحوها بطولة بعض الافلام التي تقدمها في صورة المرأة الشهية الساخنة «درب المهابيل» و«رنة الخلخال» بل إن يوسف شاهين نفسه وقع في الخية واعتقد أنه يمكن أن يخلق من برلنتي عبد الحميد نموذجا جديدا من «هنومة»  باب الحديد، فقدم لها بطوله فيلم «نداء العشاق» ولكن الفيلم «جاب جاز» واصبح من النقط السوداء القليلة التي كان يحب يوسف شاهين أن يمحوها من قائمة أعماله وأدرك يوسف شاهين أن هند رستم نموذج لا يتكرر، ولكن يبدو أن  كلا منهما لم يجد في الآخر ما يناسب طموحاته فاكتفيا بالتعاون في فيلمين لا يمكن ان يسقطا من ذاكرة السينما «باب الحديد»،الذي اصبح من أهم كلاسيكيات السينما المصرية، و«إنت حبيبي» مع فريد الأطرش وشادية، ويمكن عقلك يقولك انه مجرد فيلم غنائي، له حدوتة بسيطة، ولكن لو تأملت الفيلم بعين خبيرة سوف تكتشف ان يوسف شاهين غير به كل المتعارف عليه في تقديم الأفلام الغنائية في سنوات الخمسينيات!

ربما كانت هند رستم من هذا النوع الذي لا يؤمن كثيرا بالقفزات المفاجئة، فقد أحبت الفن، وقررت أن تصعد السلم من أول درجاته، وقبلت ان تكون كومبارساً تظهر في لقطة أو اثنتين في هذا الفيلم أو ذاك، ولا شك أنك تلحظ وجودها في اغنيه «اتمخطري وإتمايلي يا خيل» التي غنتها ليلي مراد في مقدمة الفيلم الشهير «غزل البنات» الذي أخرجه أنور وجدي وتم إنتاجه في عام 8491 وعرض بعدها بعام وبعد وفاة بطل الفيلم نجيب الريحاني! كان أنور وجدي يحب ان يطعم أفلامه بعدد كبير من الاستعراضات  وطبعا الاستعراضات يلزمها راقصات فكان يستعين بمجموعات كبيرة من الأجنبيات، كما كان يهتم كثيرا ان تكون مشاهد الحفلات تضم مجموعة من الكومبارسات يتم تنقيتهن علي الفرازة، بعكس هذه الايام التي تظهر فيها الحفلات السينمائية بطريقة مزرية، فالبطلة تقف في مقدمة الكادر ترتدي أفخر الثياب وجوارها أو خلفها كومبارس ترتدي ملابس فقيرة من سوق بولاق وشبب زنوبة، لكن كومبارسات سينما الخمسينيات كن لا يقلن جمالا عن نجمات الافلام، وربما لهذا السبب وقع اختيار أنور وجدي علي هند رستم كي يضعها في الصف الأول وسط بعض الفتيات الأجنبيات وهن يركبن الخيول ويظهرن في كادر واحد مع ليلي مراد،كانت هند رستم تبدو واضحة جدا طوال أداء ليلي مراد لاغنيتها الافتتاحية في فيلم غزل البنات! بعدها شاركت في عدة أفلام لم تنطق فيها كلمة واحدة، ولم تستمر هذه الفترة طويلا،واعتبرت هند رستم ظهورها في مشهدين من فيلم «الستات ما يعرفوش يكدبوا» مع شادية وشكري سرحان أمراً جيدا، فقد كانت كما قلت لا تؤمن بالقفزات السريعة، لأنها علي ما يبدو لم تكن مستعدة لدفع تمن تلك القفزات! ولكن الحظ كثيراً ما يتجه نحو من يستحقه،حيث كان المخرج حسن الإمام يبحث عن نموذج لممثلة قريبة الشبه من النجمة الامريكية ريتا هيوارث بطلة فيلم جيلدا ودماء ورمال،وقد كانت

النموذج الصارخ للأنوثة والجمال والحيوية في سنوات الخمسينيات من القرن العشرين،وعندما استعرض حسن الامام بطلات السينما المصرية في ذاك الوقت مثل فاتن حمامة، وماجدة، ومديحة يسري ومريم فخر الدين، وليلي فوزي لم يجد بينهن من تجمع بين الأنوثة والحيوية وخفة الظل، فقرر أن يغامر ويخترع نجمة جديدة لانج علي ان تكون شبيهة بالنموذج الأمريكي ريتا هيوارث، وعندما وقعت عيناه علي هند رستم صاح مثل أرشميدس وقال «وجدتها.. وجدتها»، وكانت العقبة في تقديم فيلم الجسد أول بطولة لهند رستم أن اسمها لم يكن معروفا، وبالتالي كانت مخاطرة شديدة بالنسبة لحسن الإمام وطبعا لم توافق شركات التوزيع الخارجي علي هذا الاختيار، ولكن حسن الإمام ازداد إصرارا وغامر بسمعته وتاريخه الفني ولم تخذله هند رستم التي وجد فيها نجدة من السماء، «ولذلك ظلت وفية له طوال عمرها» واستعان حسن الإمام بكمال الشناوي ليشارك في بطولة فيلم الجسد ليدعم الوجه الجديد هند رستم، كما استعان بحسين رياض والنجمة فاطمة رشدي التي قدمت آخر أدوارها السينمائية في هذا الفيلم ثم اختفت عن الأنظار نهائيا! وحقق فيلم الجسد نجاحا كاسحا، قفز باسم هند رستم إلي الصفوف الاولي! وبدأت رحلتها مع المجد والشهرة.

الصفة الاساسية التي تميز هند رستم عن غيرها من نجمات السينما هي الوفاء الشديد، بل الوفاء المبالغ فيه الذي يجعلها توافق أن ترمي بنفسها في النار كي تنقذ شخصا كان له فضل عليها في يوم من الأيام، كانت علاقتها بحسن الإمام خطا أحمر، فهو المخرج الذي منحها فرصة البطولة المطلقة في فيلم ناجح، ولذلك قدمت معه بعد ان حققت نجاحا كبيرا مجموعة ضخمة من الأفلام مثل «شفيقة القبطية» و»الراهبة»، و«امرأة علي الهامش»، وعندما بدأت اسهمه تهبط بعد ظهور جيل جديد من المخرجين، وقفت بجواره وقبلت ان تشارك في أفلام قليلة القيمة  مثل الحلوة عزيزة، وزمن العجايب وملكة الليل! لم يدرك حسن الإمام أن نوعية أفلام الميلودراما الفاقعة راحت عليها، وبدأت رحلته مع السقوط ولم تسانده إلا هند رستم!

الوفاء صفة رائعة ولكنها أحيانا ما تؤدي بصاحبه الي التهلكة، وهند رستم كانت حريفة في التضحية بمكانتها الفنية كي تساعد هذا او ذاك لوجه الله تعالي، فقد كانت تستريح للماكيير محمود سماحة الذي كان يلازمها في كل أفلامها وخاصة تلك التي تحتاج لماكياج خاص مثل شفيقة القبطية، حيث اضاف إلي وجهها سنوات إضافية لتبدو عجوز طاعنة في السن، وفي فيلم رد قلبي وضع لها ماكياج يوحي بحرق جزء من وجهها، وكرر نفس الشيء في فيلم الحلوة عزيزة، وعندما فكر محمود سماحة ان ينتج افلاما متواضعة المستوي لينقذ نفسه من الإفلاس بعد ان دخل الصنعة «الماكيير» مفردات جديدة لم يستطع ان يلحق بها، وكان من بين الأفلام التي قام بإنتاجها «الرغبة والضياع» للمخرج محمد ثروت، وهو فيلم يقترب من أفلام المقاولات رغم مشاركة مجموعة من كبار النجوم في بطولته علي رأسهم هند رستم ورشدي أباظة واسماعيل يس «والثلاثة لم يتقاضوا مليماً عشان عيون منتج الفيلم» ومع هؤلاء كان النجم الجديد آنذاك  نور الشريف و»شمس البارودي» ومع ذلك فقد سقط الفيلم سقوطا كبيرا! ولو كان محمود سماحة طلبها في فيلم آخر لكانت وافقت علي الفور رغم معرفتها مقدما بالنتيجة، ولكنه الوفاء!

قابلت هند رستم ثلاث مرات في حياتي، الأولي كانت في بداية عملي

في الصحافة وكنت أسعي للعمل في إحدي المجلات الخاصة وكان مفيد فوزي يشرف علي التحرير وطلب مني موضوعا عن علاقة بعض نجمات السينما بالحيوانات الاليفة وأعطي لي مثالا بسناء جميل وهند رستم، فالاولي تقوم بتربية الكلاب تعويضا عن حرمانها من الأمومة والثانية تعشق الكلاب لأنها نموذج للوفاء! وتحدثت الي سناء جميل لتحدد لي موعداً فأغلقت التليفون في وجهي، وعندما تحدثت الي هند رستم رحبت بلقائي رغم إنها لا تعرفني، والحقيقة أن أحداً  في الدنيا لم يكن يعرفني في ذاك الوقت! وعندما ذهبت إليها وقبل أن أدق جرس الباب وصلني أصوات عدد ضخم من الكلاب، وفتح لي الباب خادم أسمر وقادني إلي حجرة الاستقبال، وعندما جلست رحت أتأمل المكان فوجدت تحفا فنية في كل ركن من أركان المنزل لدرجة انك تشعر وكأنك في متحف او معرض للأنتيكات القيمة، وجاءني صوتها من بعيد قبل ان تصل الي الغرفة، هو بنفسه صوت هنومة فتاة باب الحديد التي تشع حيوية وأنوثة، كان ذلك من ربع قرن تقريبا، يعني كان سنها يقترب من الستين ولكنها احتفظت بنفس عذوبة الصوت ودرجة صفائه، وعندما دخلت علي الحجرة وجلسنا لنتحاور نسيت تماما موضوع الكلاب الذي جئت من أجله، وحاورتها في كل ما خطر وقتها علي بالي، وكانت شديدة الذكاء متدفقة في الحديث ولكنها أيضا شديدة الأدب ،فلم تذكر اي زميل بسوء كما تفعل معظمهن في الجلسات الخاصة، وكان الانطباع الذي خرجت به من اللقاء انني كنت في حضرة «ليدي» أو هانم فعلا، أسلوب الحديث عقليتها علاقتها بما يدور حولها، ما تختاره من ذكريات لتتحدث عنه وما تحذفه من الذاكرة، ولأن كل صحفي يحمل داخله شيطاناً صغيراً، فقد حاولت «أنكشها» وقلت لها لقد شاركتي أنتي ومريم فخرالدين وفاتن حمام بطولة فيلم لا أنام، فلماذا يطلق علي فاتن وحدها لقب سيدة الشاشة ولايطلق عليكي أو علي مريم فخر الدين فضحكت كثيرا وقالت: أنا لا أحب الألقاب التي يطلقونها علي النجوم لانها ترتبط بواقع يتغير يعني مثلا في وقت من الأوقات كانوا يطلقون علي ماجدة الصباحي لقب عذراء الشاشة لانها لم تكن قد تزوجت، وطبعا بعد زواجها من ايهاب نافع يصبح اللقب مضحكا وفيه إهانة لزوجها إيهاب نافع! أما جميلة الشاشة فبعد كام سنه مش حا تبقي جميلة، لقد حاولت مريم فخر الدين ان تحرضني علي فاتن «تضحك» وقالت لي لماذا لا نطالب بأن نكون إحنا كمان سيدات الشاشة! أو لنا اي ألقاب والسلام فقلت لها يا مريم خرجيني من الموضوع ده،أنا مش عايزة ألقاب أنتي وفاتن «سلايف» وبينكوا شد وجذب لكن أنا ماليش دعوة بمشاكلكوا مع بعض! ملحوظة: فاتن حمامة كانت زوجة لعز الدين ذو الفقار في الوقت الذي كانت فيه مريم فخر الدين زوجه لشقيقة محمود ذو الفقار!

في اللقاء الثاني مع هند رستم كنت بصحبة الصحفية الكبيرة ماري غضبان، وكان لقاء شديد العذوبة وكنت قد حققت بعض الشهرة في دنيا النقد السينمائي وكانت هند رستم تتابع ما أكتب وقد علقت علي بعض الموضوعات التي كتبتها فقد كانت حريصة علي متابعة كل ما يجري علي الساحة الفنية والسياسية وكانت تحرص علي إبداء رأيها في مجريات الأمور،وسألتها لماذا ترفض الظهور في البرامج الفضائية وكانت ماري غضبان تعرض عليها الظهور في برنامج علي احدي القنوات العربية مقابل أجر يسيل له اللعاب، ولكنها رفضت بشدة وقالت وهي تضحك أنا مش محتاجة، فزوجي الدكتور فياض معيشني ملكة! بالإضافة لأنها كانت منزعجة من الصورة التي ظهرت بها مريم فخر الدين في تلك البرامج حيث قامت بمهاجمة زملاء مهنتها وإهانة الجميع، أزواجها ونجوم الأفلام التي شاركت في بطولتها وردمت علي الصورة الملائكية التي كنا نحتفظ بها في مخيلتنا، وعندما قلت لها مش ضروري تعملي زي مريم فخر الدين، ولا حاجة لك للإساءة لأي شخص كان، ولكنها قالت هذه البرامج تدفع أموالا ضخمة كي تشوه صورة الفن المصري ونجوم عصره الذهبي ولن أشارك مطلقا في أي من هذه البرامج مهما كانت الإغراءات! والغريب أن التليفزيون المصري لم يفكر في استضافتها طوال سنوات اعتزالها إلا في العام الماضي عندما قدمها محمود سعد في برنامج مصر النهاردة! ولكنها اشترطت ألا تقترب الكاميرا منها رغم أنها كانت شديدة الجمال حتي في شيخوختها،فقد تركت خصلات الشعر الفضي تمتزج مع شعرها الذهبي في تناغم بديع، ولم تلجأ إلي مشرط الجراح ليصلح آثار السنين، فكانت تجاعيد وجهها تحكي فصولا من حياتها وذكرياتها، وكانت قامتها مفرودة لم تحنها السنون ويمكن أن تلمح في عينيها نفس النظرة التي لا تعرف الانكسار، فقد ظلت تعيش بكبرياء وشموخ حتي آخر العمر، إنها السيدة، الهانم، الليدي هند رستم التي سوف أقول للمرة الاولي «رحمها الله» وهي الكلمة التي سوف تلازم اسمها كلما جاءت سيرتها!

أهم الاخبار