رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جهد ثقافى لتوصيف ما حدث فى يناير 2011

فن

الاثنين, 18 أغسطس 2014 10:51
جهد ثقافى لتوصيف ما حدث فى يناير 2011
بوابة الوفد- متابعات:

يبذل مثقفون مصريون جهدًا ملحوظًا لتوصيف وتعريف حقيقة ما حدث في يناير 2011 بعد ان تجدد الجدل بقراءات مختلفة على ايقاع محاكمات رموز النظام الذي أسقطه المصريون في تلك الثورة.

وما بين "أحاديث الثورة وأحاديث المؤامرة" أكدت "ورقة العمل المقترحة للسياسة الثقافية لمصر" على ان ما حدث في يناير 2011 "ثورة" غيّرت المجتمع المصري، فيما جاءت العديد من آراء المثقفين المصريين متوافقة مع هذه الرؤية التي ستشكل السياسة الثقافية المصرية.
يبدو أن ما يحدث الآن في الساحة الثقافية المصرية جزء مما وصفه باحث مصري كبير هو الأستاذ السيد يسين "بالعواصف السياسية والاجتماعية والسلوكية التي احدثتها ثورة 25 يناير" محددا الملامح الأساسية للخريطة المعرفية للمجتمع الثوري المصري في نقاط عدة أولها ان دور المثقف التقليدي الذي كان يقوم على اساس تبني رؤى نقدية لأحوال المجتمع والاهتمام بالشأن العام من خلال تبني ايديولوجيات متعددة قد سقط لحساب دور جديد ناشئ لمن يطلق عليه "الناشط السياسي".
والملمح الثاني، كما يحدده السيد يس، هو "ظهور فئة الحشود الجماهيرية الهائلة"، بينما الملمح الثالث "ظهور التناقض بين الشرعية الثورية والشرعية الديمقراطية"، أما الملمح الرابع فكان "إصرار الجماهير على المشاركة الفعالة في اتخاذ القرار".
واستهل السيد يس ورقة العمل المقترحة للسياسة الثقافية لمصر بقراءة تحليلية لخريطة المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير قال فيها: ليس هناك شك في ان ثورة 25 يناير قد غيّرت بشكل جذري المجتمع السياسي السلطوي وحولته الى مجتمع ثوري بكل ما في الكلمة من معانٍ ودلالات.
وعرف ياسين المجتمع السلطوي بأنه ذلك الذي قام على اساس احتكار السلطة عن طريق انفراد الحزب الحاكم بالهيمنة على مجمل الفضاء السياسي عن طريق شبكات الفساد وممارسة التزوير المنهجي لكل الانتخابات برلمانية كانت أو رئاسية.
غير انه استدرك موضحاً: "لا نقول ان ثورة 25 يناير محت بجرة قلم كل ملامح المجتمع السلطوي لأن السلطوية ليست مجرد نظام سياسي استبدادي ولكنها ايضا ثقافة تغلغلت في نسيج المجتمع وتسببت في الخوف الشديد من السلطة والخنوع الجمعي واسست للوعي الزائف الذي مؤداه ان الجماهير تعجز عن مقاومة الاستبداد وانها لا تستطيع اتخاذ المبادرة في المعارضة الجذرية لتغيير سياسات النظام المنحرفة او في الانتفاضة الثورية لقلب النظام".
واضاف السيد يس في قراءته التحليلية لخريطة المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير ليقول: جاءت الثورة فغيرت عديداً من هذه الملامح السلطوية، مشددا على اننا نعيش في عصر ما بعد الحداثة واهم سماته "سقوط السرديات الكبرى او الانساق الفكرية المغلقة التي كانت تأخذ عادة شكل الايديولوجيات المصمتة كالماركسية المتطرفة او الرأسمالية الجامحة".
كما سقطت اوهام الحقائق المطلقة او المواقف الفكرية الثابتة التي لا تتغير حتى لو انقلبت الأحوال فيما برزت ظواهر جديدة غير مسبوقة تحتاج الى اطار نظري جديد يحاول الغوص الى اعماق المشكلات في عصر لابد فيه من الاعتماد على الأنساق الفكرية المفتوحة التي تستطيع ان تؤلف تأليفا خلاقا بين متغيرات متعارضة كان يظن انه لا يمكن الجمع بينها في مؤلف فكري او سياسي واحد كالتأليف بين الاشتراكية والرأسمالية او بين الحرية والعدالة الاجتماعية.
ومعتبراً أن "الكاتب المنهجي وهو يخوض في غمار هذه العواصف التي اثارتها ثورة يناير يحاول ان يستخدم في استراتيجية الكتابة تكتيكات مختلفة كالتقدم والتراجع، يلاحظ السيد يس في ورقة العمل المقترحة للسياسة الثقافية لمصر "ظهور ازمة حادة في مجال القيم بعد ثورة 25 يناير".
هذه الأزمة، كما يوضح، لها مؤشرات متعددة، لعل اهمها الخلط بين الثورة والفوضى، وقد يكمن جذر هذا الموضوع في الخلط بين الشرعية الثورية والشرعية الديمقراطية، كما تتضمن مظاهر ازمة القيم "نسف التراتبية الاجتماعية" و"محاولة نفي الأجيال القديمة".
واذا كانت هناك مؤامرات جرت في مجرى الثورة ومحاولات للقفز عليها وسرقة تضحيات من بذلوا الدم للانتقال بمصر الى مكانة تستحقها في عصر جديد فإن الكاتب عبدالله السناوي يقول: "لم تكن يناير مؤامرة غير

ان ثغراتها سمحت بالانقضاض عليها وذهاب جوائزها الى غير اصحابها".
اما الكاتب والمحلل الدكتور أسامة الغزالي حرب فيتساءل: "بعد مرور اكثر من ثلاثة اعوام ونصف العام على ثورة 25 يناير هل يوجد اليوم تأريخ لهذه الثورة وفقا للمعايير العلمية لكتابة التاريخ؟" فيما توجه بهذا السؤال للأساتذة المتخصصين في التاريخ الحديث والمعاصر.
وأوضح حرب أنه من بين "المادة الخام اللازمة لكتابة تاريخ ثورة يناير المذكرات الشخصية لصانعي تلك الوقائع والمشاركين فيها وكذلك يوميات الأحداث، كما تم رصدها في الصحف ووسائل الإعلام"، مضيفا انه من حسن الحظ ان "ثورة يناير قامت في وقت ثورة الاتصالات والمعلومات التي أتاحت إمكان التسجيل الدقيق والمفصل لكل الأحداث".
وفيما طالب بعض المثقفين "بسن قانون يعاقب من يشوه او ينكر ثورة يناير" لوقف العبث بالذاكرة المصرية والتجرؤ على قصة كفاح للشعب المصري، يقول نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد "لقد أزاحت ثورة 25 يناير نظاماً استنزف نفسه ووصل الى نهايته لأنه لم يستطع تلبية مطالب التغيير الملحة".
كان الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل أثار تساؤلات ثقافية بالغة الأهمية حول قضية الثورة فيما ميز بين "الثورة" و"حالة الثورة"، ليقدم هذا الصحفي الفذ إسهاما عميقا في جدل مستمر ومتصاعد بين مثقفين كبار حول حقيقة ما جرى ويجري في مصر منذ 25 يناير 2011.
وجاء هذا الإسهام فيما تثير اللحظة المصرية الراهنة تساؤلات ثقافية متعددة حول مسارات ومآلات الثورات في العالم جنبا الى جنب مع هموم الوطن وضرورات المستقبل، وقال محمد حسنين هيكل: "وجهة نظري مركبة بعض الشيء ولعلي اتمكن من شرحها, لعلك لاحظت منذ 25 يناير 2011 انني اقتصدت فيما كتبته او تحدثت به في استعمال كلمة الثورة وآثرت ان استعمل حالة ثورة".
وأوضح ان "الثورة" دورة كاملة لها بداية وذروة و"حالة الثورة" نفس النوع ولكنها فصيلة مستجدة جاءت بها تطورات العصور فهي "رفض وتمرد على وضع قائم وغير قابل للاستمرار وحركة متدافعة وسلطة قديمة تسقط ولكن برغم الحركة الجارفة للجماهير وهديرها فإنه ليست هناك فكرة جامعة تحشد للمستقبل وليست هناك قيادة معترف بها تقود الحشد وتوجهه وانما هناك فراغ يمنع الدائرة من ان تكتمل".
وفيما تجلت مجدداً الجوانب الثقافية في تكوينه الصحفي الراسخ كواحد من ألمع الصحفيين على مستوى العالم قاطبة مضى الأستاذ هيكل موضحا في حوار صحفي مع رئيس تحرير جريدة الأهرام محمد عبدالهادي علام: "في ظرف الثورة هناك سؤال وهناك جواب، وفي ظرف حالة الثورة هناك أسئلة وليست هناك إجابات، وهناك حركة ولكن هدفها يتعثر وهو حتى الآن لا يحقق وعده".
وشرح الأستاذ محمد حسنين هيكل تصوره "لحالة الثورة" والفارق بينها وبين "الثورة" من منظور ثقافي قائلاً: المسألة ذاتها جرت بنفس مستجدات العصور في الأدب والفن كما في قضايا السياسة وضمنها قضية الثورة.. نهايات تظل عالقة لبعض الوقت واعمال ادبية وفنية بغير نهايات تقليدية تترك الدوائر مفتوحة ولا تقفل الدائرة عليها.
ومضى هيكل في هذه الاستعارات الثقافية الدالة معيدا للأذهان مسرحية "في انتظار جودو" لصمويل بيكيت وكيف انها بلا بداية ولا ذروة او نهاية "فهي ليست مسرحية ولا قصة على النحو الذي كنا نعرفه من فلوبير الى تشيكوف ومن هيكل باشا الى نجيب محفوظ".
فعند هؤلاء جميعا - كما يقول هيكل - كانت القصة خطًا متصلًا وسياقاً له بداية وله ذروة او عقدة او حبكة وله
نهاية او خاتمة او لحظة نزول ستار، والآن اختلف الوضع فيما استشهد بمسرحيتين شاهدهما في الموسم المسرحي الأخير بلندن هما مسرحية "الملكة" ومسرحية "تشيميركا" وتعبران معا عن المتغيرات الجديدة في الأدب والفن حيث اختلفت القصة والمسرحية بشدة عن المعنى المتعارف عليه تقليديا.
كذلك فإن حالة الثورة، كما يراها محمد حسنين هيكل "تواصل حركتها بالقلق والعصبية وتكاد تقارب الفوضى او تتحول بالفعل الى فوضى لأنها تدفق تلقائي ليس لديه مسار معلوم وليس في آخره مصب معين"، مضيفا "هناك معضلة تتصل بعلم الثورة في حد ذاته وقد اصبح بالفعل علما مستقلا ضمن منظومة العلوم السياسية وهناك متغيرات كبرى لحقت بقضية الثورة في حد ذاتها".

وأشار الى ان "قضية الثورة في حد ذاتها لم تعد تلك التصورات المعروفة والمحددة في الأدبيات الشائعة وانما هناك مستجدات أتت بها أحوال جديدة مازالت تفور وتتفاعل وتغلي في الدنيا كلها"، منوها بأن "حالة الثورة" لها إيجابياتها ومن بينها أنها أظهرت في مصر مثلا ان "قوى الجماهير عنصر أساسي في المعادلة الوطنية وفعلها مؤثر وتجاهله خطر".
وقال هيكل: "حل يوم 25 يناير وتوالت مشاهده الرائعة ثم تكشف ما تكشف من غياب الفكرة وغياب القيادة وغياب الجسر او الجسور الى المستقبل ثم ظهرت أعراض حالة الثورة دون تشخيص لطبيعتها"، معتبرا ان الممكن الآن "تفهم حالة الثورة وساحتها الواسعة وطبيعتها المختلفة وتحديد مجالات ومسارات وملفات على رقعتها وتتبع كل مجال ومسار وملف والتصرف حياله".
وذهب الدكتور محمد عبدالشفيع عيسى الأستاذ المتخصص في العلاقات الاقتصادية الدولية بمعهد التخطيط القومي الى ان "حدث الخامس والعشرين من يناير أمكن التعبير عنه بلاغيا بمصطلح ثورة ولذا قلنا ونقول ثورة 25 يناير".
ويضيف الدكتور محمد عبدالشفيع عيسى مستدركا: "ولكن إن شئنا الدقة العلمية فإن من الأفضل ان تسمى انتفاضة ثورية عظمى لكونها أسقطت نظاما تسلطيا جبارا ولم تتمكن من إقامة نظام جديد نظرا لافتقادها المقومات القيادية والعقائدية والتنظيمية اللازمة لذلك"، وهكذا يقول ان "الثورة الكاملة لم تقع أصلا وإنما الذي وقع نصف ثورة إن صح هذا التعبير.
ووسط جدل ثقافي حول إشكاليات وظواهر ثورات الربيع العربي يقول الكاتب والباحث المرموق السيد ياسين: ظننا ان هذه الثورات هي ثورات سياسية في المقام الأول "غير اننا لو تأملنا الموضوع مليا لأدركنا ان التعريف التقليدي للثورة قاصر قصورا شديدا لأنه ركز فقط على البعد السياسي المتعلق بالقضاء على النظام القديم".
يوضح السيد ياسين رؤيته بقوله ان هذا التركيز على البعد السياسي "لم يتطرق الى جوهر اي ثورة حقيقية وهو ان يكون لها توجهات فكرية وثقافية جذرية تقطع قطعا واضحا مع الممارسات السابقة وتشكل بنية جديدة للمجتمعات التي وقعت فيها هذه الانتفاضات الجماهيرية".
الخبرة التاريخية للمجتمعات الديمقراطية الغربية تشير الى ان هذه المجتمعات لم تنجح في ان تقطع مع المجتمع الإقطاعي الا بعد ان أرست دعائم المجتمع الصناعي في ظل مشروع "حضاري متكامل هو الذي يشار اليه عادة باسم الحداثة"، والسؤال الذي يطرحه هذا الباحث المصري الكبير: "هل نجحت الانتفاضات الجماهيرية في كل من تونس ومصر وليبيا في الشروع في التأسيس لمجتمعات جديدة قادرة على ان تحقق أهداف الثورة أم أن هناك عقبات تقف عثرة في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي"؟
ووفقا لتشخيص السيد ياسين فربما كان اكبر أسباب التعثر ان هذه الثورات كانت بغير قيادة "ولكن اخطر من ذلك انها كانت بغير أيديولوجية بمعنى نظرية متكاملة تحدد أهداف مجتمع ما بعد الثورة وطرق تحقيقها بوسائل محددة".
ولو تجاوزنا مؤقتا عن هذه العقبات وهي احد الأسباب الحقيقية للتعثر كما يقول السيد ياسين فإن اخطر منها جميعا ان هذه المجتمعات تراكمت فيها "المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بصورة غير مسبوقة وهذا التراكم يمكن ان يجعلها من مجتمعات المخاطر"، وعلى سبيل المثال فالمؤشرات الاقتصادية تؤكد أن ما لا يقل عن 26 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر بكل ما يعنيه ذلك من دلالات خطيرة مع معدل أمية يصل الى 40 في المائة من السكان.
وتتجلى خطورة وأهمية الاتفاق على تعريفات محددة لما حدث في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 في ذلك السؤال الذي طرحه باحث مرموق آخر هو نبيل عبدالفتاح: "هل سيتم تجديد الدولة وسلطاتها وخلاياها وشبكاتها وقواعد عملها من خلال المقاربة الثورية تخطيطا وسياسات واستراتيجيات عمل أم ان المتوقع هو سيادة ذهنية الإصلاح السياسي والإداري والمؤسسي؟ وهل يمكن الدمج بين النزعة الثورية والمنهج الإصلاحي"؟
والسؤال بكلمات أخرى لمثقف مصري كبير هو الدكتور جلال أمين: "الى أين تسير مصر"؟.. وهكذا تستدعي اللحظة المصرية الراهنة التأكيد على الحاجة لجهد توثيقي لرصد وتوثيق أهم التطورات التي شهدتها مصر منذ اندلاع مظاهرات 25 يناير 2011.
نعم ثمة حاجة لخيال ثقافي واسع وآفاق فكرية رحبة بلا حدود في أيام الاستجابة للتحديات الجسام والأحلام المؤجلة والأسئلة الكبيرة.. وعلى الإجابة الجادة لمثل هذه الأسئلة ترتسم صورة المستقبل.
 

أهم الاخبار