رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى مئوية ميلاده

لويس عوض: "أوراق العمر" نموذجاً للسيرة

فن

الثلاثاء, 10 يونيو 2014 08:29
لويس عوض: أوراق العمر نموذجاً للسيرة

نهلة النمر
«ذات ليلة فى نحو التاسعة سمعت صياحاً عالياً وجلبة شديدة وكراسى تتحرك فى الصالة، خرجت لأستطلع، فرأيت أبى واقفاً فى حالة هياج شديد، والشتائم المقذعة تتدفق من فمه موجهة إلى أمى، وأمى تحاول تهدئته بعبارتين لا تزيد عليهما: «إنت غلطان.. مش كده؟» وحاولت لدقيقة أو دقيقتين أن أفهم من سياق الكلام ماذا كان موضوع الشجار فلم أفلح.

فتدخلت مهدئاً بقولى: «خلاص يا بابا، روح نام، يظهر إنك النهارده شربت شوية زيادة».
فأجابنى دون أن يلتفت إلىّ: «إنت حمار مش فاهم حاجة».
وبدلاً من أن يهدأ ازداد هياجه، وإذا به يندفع إلى المطبخ ويعود بساطور أشهره فى وجه أمى مهددا بقتلها وتطور الموقف بسرعة. كان فى حالة سكر بيّن، عينان حمراوان، ووجه محتقن، والنبيذ يفوح من فمه. حاولت إبعاده عنها بيدى لكنه دفعنى بعيدا وعاد يواجه أمى وقد رفع الساطور وكأنه وحش كاسر، فرفعت كرسياً من كراسى السفرة وتوسطت بينه وبين أمى صائحاً به: «لو تقدمت خطوة لضربتك بالكرسى.. ضع الساطور على السفرة».
من «أوراق العمر» للويس عوض.
قبل سنوات وعندما صدرت السيرة الذاتية للكاتب لويس عوض بعنوان «أوراق العمر» الذى تحتفى الأوساط الثقافية هذه الأيام بمئوية مولده، رأى فيها بعض المبدعين وجهاُ حقيقياً للسيرة الذاتية، لما جاء فيها من مساحات كبيرة من البوح، تلك المساحات التى مثلت عنصر إزعاج لآخرين، فى مقدمتهم الناقد رمسيس عوض، شقيق لويس، الذى خاض حملة إعلامية مضادة، لما تضمنته الأوراق لما أسماه رمسيس وقتها «فضائح».
ويبدو أن الأمر لم يكن يخص رمسيس عوض ومذكرات أخيه وحدهما، لكن الإشكالية تكمن فى فعل البوح  ذاته والتصريح بالمسكوت عنه، لأن هذا المسكوت عنه غالباً لا يخص الراوى له فقط، إنما تظل تتسع الدائرة لتشمل أناساً ربما لم تكن لديهم نفس الرغبة فى البوح، أو أنهم يفتقدون الجرأة عليه، لذلك لم يكن لويس عوض وحده من تسبب فى إزعاج الآخرين بسيرته، حدث نفس الشيء مع رواية محمد شكري «الخبز الحافي»، وقت كانت مقررة على طلبة الجامعة الأمريكية، و ثارت ثائرة أولياء أمور الطلبة، وتم وقف التدريس لهذه السيرة التي قالوا عنها أنها تتميز بالجرأة.
عندما تسمى الأشياء بأسمائها تأكد أنك تزعج كثيرين، لهذا انتهى بعض النقاد إلى نتيجة مؤلمة، مفادها عدم وجود سيرة ذاتية عربية حقيقية باستثناء «المنقذ من الضلال» للإمام الغزالي و«التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغرباً»، و«كتاب العبر» لأسامة بن منقذ.
لهذا وسواء اختلفتَ أو اتفقتَ مع أفكار د. لويس عوض وآرائه التى جاءت فى مذكراته لا يسعك إلا أن تحترمه لجرأته في طرح أوراقه التي جاءت فى أغلب الأحيان صادمة.
إن أوراق العمر للويس عوض تضمنت كل شيء عن حياته وحياة المحيطين به، متجاوزاً كل التابوهات الممنوعة والمحرمة، فتكلم عن الدين والسياسة والمرأة، عن الأب والأم والإخوة، عن الحب وبنت الجيران المسلمة التى أحبها القبطى، عن الكنيسة التى لم تكن تزورها أمه إلا فى المناسبات، عن انتشار الحجاب بين الفتيات المسلمات وعدم قلقه إزائه، عن زواجه من فرنسية تعشق الخمر وقطط الشوارع، عن عقمه إلا من ولادة الأفكار والكلمات، عن مصر معشوقته السمراء، عن الحزن فى أواخر أيامه وكيف لجأ لعزلة اختيارية في بيت ريفي بدهشور في الفيوم جعله صومعة لإبداعه بعيدا عن صخب الحياة والبشر.
«عندما تكور يدك لتشير إلى المتهم بإصبع لاحظ إنك تشير لنفسك بثلاثة أصابع»، بهذه الجملة بدأ الدكتور مصطفى الضبع الناقد وأستاذ الأدب العربى بكلية دار العلوم جامعة الفيوم حديثه لـ «الوفد» عن رؤيته للسيرة الذاتية العربية بشكل عام، وسيرة لويس عوض بشكل خاص، مسترسلاً: هذه مقولة تقرر حقيقة رواية السيرة الذاتية، فالإنسان (خاصة العربي) حين يحكي عن حياته يأخذ جانب نقد الآخرين أو إلقاء اللوم عليهم دون استعداد ليلوم نفسه على أخطاء مؤثرة في حياته، لذا فإن الكاتب العربي أو الشخصية العربية لا تنجح غالبا – إلا باستثناءات قليلة – في تقديم سيرة ذاتية لها طابعها الإنساني، وينقصها كثيرا نقد الذات أو مراجعة النفس، والآباء الذين يقدمون

أنفسهم لأبنائهم بوصفهم الآباء الأكثر نجاحا هم خلاف ذلك في كثير من الأحيان لأنهم ببساطة يقدمون تجربة مفتعلة لا روح فيها ولا يحرصون على نقل التجربة الإنسانية الأكثر فاعلية والأكثر نفعا فالسيرة هنا تكون بمثابة حرق للمساحات الزمنية ونقل لخلاصة سنوات طويلة لماض لم نعشه ولكن عاشه آخرون يوفرون علينا تجارب ربما لا تتاح لنا، وصدق شوقي عندما قال في ختام سينيته الشهيرة:
وَإِذا فاتَكَ اِلتِفاتٌ إِلى الماضي    فَقَد غابَ عَنكَ وَجهُ التَأَسّي
ويضيف «الضبع» في مجملها تعد السيرة الذاتية نوعا من تدعيم الأخطاء بنقدها وتحليلها بغية الإفادة منها برغم تقديم تجارب إنسانية صادقة وإن بدت صادمة فجارنا الذي ارتكب حماقات أودت به إلى السجن ربما كان اكثر إفادة لتجاربنا الحياتية من الجار الصالح، فالأول يجعلنا نعيد النظر في مواطئ أقدامنا تجاوزا للمصير نفسه وفق القاعدة القائلة: «الذكي من يستفيد من أخطائه والعبقري من يستفيد من أخطاء الآخرين».
ويؤكد «الضبع» أن الإخلال بشروط نقل التجربة الإنسانية في حقيقتها نقلا يجسد تجربة صاحبها يخرجها من دائرة السيرة الذاتية الأقدر على نقل الخبرة الإنسانية، في العالم - في الغرب خاصة – تعد مذكرات جان جاك روسو النموذج الأوفى في كتابة السيرة الذاتية ولكن هذا لا يعني أن نطالب الكاتب العربي أن يعتمد نموذج روسو وإنما يعتمد روح السيرة كما بثه روسو محافظا على الصراحة وتقديم السيرة كما حدثت وكما يراها هو وعاشها لا كما يراها الآخرون فقد اختلفت أسرة لويس عوض معه عندما كتب سيرته الذاتية «أوراق العمر» لأن بعض أفرادها كان يرى أن لويس عوض تجاوز حدود الصراحة على الطريقة الشرقية تلك الطريقة التي تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح وعلى تنصيب الرقيب الداخلي وعلى اعتماد بنية الحذف أكثر من بنية الذكر يضاف إلى ذلك تلوين السيرة وتزيينها ليبدو صاحبها نموذجا للنجاح وليس نموذجا إنسانيا كما تريده الإنسانية.
ويضيف الضبع جاءت مذكرات لويس عوض «أوراق العمر» في تحقيقها قدرا من الصراحة والشفافية والحرص على تقديم الحقائق بألوانها دون تزيينها أو تلوينها، جاءت قريبة من المسطرة الأوروبية التي تتصدرها مذكرات جان جاك روسو، وهو ما أثار البعض ضد مذكراته التي تقف إلى جانب مذكرات طه حسين في «الأيام» بوصفهما النموذج العربي للسيرة الذاتية.
جمع لويس عوض في أوراق العمر بين مجموعة من الخطوط المتوازية شأنها شأن الحياة في تداخل خيوطها وتقاطعها فمن الحياة الخاصة إلى الأوضاع الاجتماعية في مصر مطلع القرن الماضي إلى الحياة السياسية في العالم دون التخلي عن رؤية خاصة للثقافة والأدب والحضارة العربية كما تشهد السيرة بمواقفه الليبرالية والإنسانية اللائقة بمفكر بحجم لويس عوض.
يبقى أننا لم نستفد الإفادة الأوفى من السيرة الذاتية عبر تدريسها أو تدريس جانب منها في مؤسساتنا أو الحرص على تقديمها دراميا فهناك الكثير من السير العربية جديرة بالاهتمام يضاف لما سبق سيرة الدكتور سيد عويس وسيرة الدكتور سيد أبوالنجا.
ومع نهاية كلام الدكتور مصطفى الضبع نعود نحن لأوراق لويس عوض فنجد البداية من الاسم فيقول: «اسمى لويس حنا خليل ميخائيل عبدالمسيح حنا عوض أنا كنت دايما باتضايق من الجزء الوسطاني من اسمي لأني كنت دايما حاسس أنه طويل وبايخ».
ويسترسل: «كان العقيد القذافي وبنت الشاطئ والأستاذ محمود شاكر يعيرونني باسمي‏,‏ فهم يحسبون أن كل من سمي لويس في مصر إنما سمي كذلك تمجيدا للويس التاسع ملك فرنسا أسير دار ابن لقمان في المنصورة أيام الحروب الصليبية‏,‏ وقد عرفت من أبي ما يخيب توقعات هؤلاء
فقد أسماني «لويس» لفرط إعجابه بالعالم لويس باستير‏».
وحول نشأته الدينية يكتب لويس عوض في مذكراته ‏«‏لم يكن أبي متدينا بالمعني المألوف‏.‏ لم يكن يصلي أو يصوم حتي في يوم الجمعة الحزينة‏..‏ ولا أذكر أني رأيت أبي أو أمي يذهب أي منهما إلي الكنيسة في المنيا أيام الأحد‏,‏ أو حتي في أيام الأعياد لحضور القداس‏,‏ ولكن ربما دخلاها في المناسبات الحزينة وفي مناسبات زواج أبناء معارفنا وكانت نادرة‏..‏ كل هذا لم يمنع أن أبي عمدنا كسائر الأطفال المسيحيين‏,‏ وعلمنا قبل أن نبلغ الخامسة أن نصلي قبل النوم أبانا الذي في السماوات إلخ‏..‏ ومن أجل هذا يجب أن نحذر من التصور أني نشأت في أسرة قبطية أورثوذكسية نموذجية‏..‏ ولست أشك في أني وجدت بعض الأقباط علي شاكلة أبي‏..‏ وأنني أزعم بأنك لو استوقفت عشرة أقباط أورثوذكس متعلمين وسألتهم عن الفرق بين العقيدة الأورثوذكسية والعقيدة الكاثوليكية لما عرف ذلك منهم أكثر من واحد‏».
وككل أبناء جيله زاره الحب لأول مرة ببنت الجيران المسلمة وكان اسمها «وجنات» التي لفت نظره فيها شعرها النحاسي، أما الثانية فكانت «عايدة أبوسيف» بشعرها الكثيف الفاحم التي كانت تقف في بلكونة الدور الثاني من بيتها تصلح شعرها وكنت أسمع من زملائي في مدينة المنيا الثانوية أن إصلاح الشعر في البلكونات شفرة في رسائل الغرام عن بعد‏,‏ ولكني استبعدت أن عايدة كانت تصفف شعرها لترسل الرسائل لأحد في النوافذ المجاورة لأن بلكونتها بالفعل كانت ملقف هواء‏..‏ وتأتي ثالث الحبيبات المسلمة زميلة الجامعة المتخرجة عام ‏1939‏ من قسم اللغة الفرنسية بشعرها الأسود المرسل «اعتماد طه منصور النوري‏» الحب كان عذرياً ويائساً منذ البداية بسبب اختلاف الدين‏، وأعتقد أنها كانت من جانبها تحس بمشاعري دون أن تكون هناك مصارحات أو إيحاءات واضحة‏,‏ فقد كانت تتعمد في رفق عدم تشجيع هذه العواطف وإن كانت من وقت لآخر تمد الشباك عملاً بأصول لعبة الحب‏..‏ كان جمالها من جمال نفرتيتي‏,‏ جمالا بلا جنس‏,‏ عليه مسحة رقيقة من الحزن‏.‏ وكنت أنظم فيها شعراً عمودياً ملفقاً لكثرة ما به من بديع‏,‏ وانقطعت أخبارها عني تماماً حتي قرأت نعيها في الأهرام نحو عام‏1980‏ أي بعد أربعين عاماً وتحركت الأشجان القديمة لحظات وأرسلت إلي أهلها برقية تعزية‏,‏ ولا أدري إن كنت قد أخطأت أم أصبت بهذا التصرف‏,‏ ولم أعرف من النعي أكثر من أنها كانت من كبيرات موظفات وزارة التربية والتعليم‏.
أما أمر الزواج فجاء من امرأة فرنسية جمع القدر بينها علي أرض الغربة في شرخ الشباب عندما سافر لويس الطالب في جامعة كامبريدج بإنجلترا إلي باريس لزيارة أصدقائه محمد مندور «الناقد الكبير» - وصفوان - الدكتور مصطفي صفوان عالم النفس الشهير في باريس ــ بمناسبة أعياد ‏14‏ يوليو في فرنسا.
وما أن وصل عوض إلى خريف العمر وأيقن أن لا خلفاء له فى هذه الحياة فقال: «إنني لم أنجب لكن حياة الفكر قد عوضتني الإحساس بأني عاقر وجعلتني أشعر بأني قادر علي ولادة الأفكار والمعاني في كل وقت‏..‏ وقد كان‏».
أطلق على لويس عوض أكثر من لقب‏ منها ‏ نهر العناد‏,‏ وقاطع الطريق‏,‏ والشريك المخالف‏,‏ وآخر التنويرين العظام‏,‏ ووريث طه حسين، بينما اختار هو لنفسه لقب «كاتب درجة عاشرة».
خاض لويس عوض الكثير من المعارك الفكرية التى أدخلته فى متاعب كثيرة منها  معركته حول كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»، الذي حاول من خلاله إثبات أن الأمة العربية حديثة الظهور نسبيًا وأن اللغة العربية هي أحد فروع الشجرة التي خرجت منها مجموعة اللغات الهند - أوروبية.. وأيضاً معركته مع محمود شاكر حول أبحاثه عن الشاعر أبي العلاء المعري بعنوان «على هامش الغفران» التي نشرها في جريدة الأهرام عام 1964 وفسرت أنها تشكيك في أصالة الثقافة العربية وتحامل على المعري، فقام بالرد محمود شاكر من خلال مقالات نشرت في مجلة الرسالة قال فيها: إن ما جاء في مقالات لويس عوض وهم وخلط تاريخي وتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري وعدم تمحيص الروايات التاريخية، وبالرغم من ذلك فقد أنتج أكثر من 50 كتابًا في النقد والإبداع ما بين التأليف والترجمة.
كانت لأفكاره وآرائه أصداء واسعة، فكتبت عنه مجموعة من الكتب ومنها «ملامح من المشروع الثقافي للويس عوض»، و«لويس عوض ونقد العرض المسرحي»، و«لويس عوض وشاعرية اليوت»، و«لويس عوض ناقدًا سياسيًا»، و«لويس عوض أديبًا»، وكتاب «أباطيل وأسمار» لمحمود شاكر، الذى ناقش كثيرا من أدب لويس عوض، كما حصل مبدعنا على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1989.
الجنوبى الذى ولد في قرية شارونة محافظة المنيا، بدأ تعليمه الأولي أجنبياً مثلما أنهاه، حيث كانت البداية فى مدرسة الفرير بمدينة المنيا، والنهاية فى جامعة كمبردج بإنجلترا، وبين المرحلتين تلقى تعليماً مصرياً، عندما التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وتخرج فيها 1937.
ومن أهم أعماله روايته الشهيرة «العنقاء» ومقدمتها التي سجل فيها ما عاشه في سنوات شبابه، هذا إلي جانب «ديوان بلوتو لاند وقصائد أخرى، كما حصل مبدعنا على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1989.

أهم الاخبار