في الذكري الـ 45 لإعدامه

سيد قطب.. فيلسوف الانقلاب الإسلامى

فن وثقافة

الأربعاء, 29 أغسطس 2012 11:49
سيد قطب.. فيلسوف الانقلاب الإسلامىسيد قطب
دراسة – مصطفي عبيد:

علي طريقة الفيلسوف نيتشه «قل كلمتك وانفجر» قال سيد قطب كلماته وانفجر، ووراء كلماته  اشتعلت حرائق وانفجرت قنابل وأزهقت أرواح  وسالت دماء واضطرب الوطن.

في 29 أغسطس منذ 45 عاماً تدلي عنق سيد قطب علي حبل المشنقة بعد الحكم بإعدامه في قضية عرفت بالتنظيم المسلح للإخوان عام 1965، من يومها ولفظ «الشهيد» يقترن بالرجل، ويتبعه حيث طرح اسمه ومتي أطلت ذكراه، لم يفكر أحد وقتها في تحليل آرائه أو تقييم أفكاره أو استعادة كلماته رغم ما حملته من كراهية وتعصب وعنف عاشت عليها جماعات الإرهاب خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت.
إن أخطر ما تواجهه مصر حاليا أن الادمغة المسيطرة علي صناعة القرار السياسي في مصر تحمل أفكار سيد قطب وتلتزم بنظرياته بدءاً من جاهلية المجتمع حتي الاستعلاء والإغارة علي الآخر.. وما نحاول أن نفعله في ذكري إعدامه الخامسة والأربعين أن نعيد قراءة تلك الأفكار والمواقف علي تلاميذه يمتلكون جرأة المراجعة وشجاعة الرجوع عنها.
عاش الرجل 60 عاماً (1906-1966) كتب فيها 24 كتاباً ونحو 109 قصائد شعر، و495 مقالاً بين السياسة والدين والنقد الأدبي، وكانت حياته نموذجا واضحا للانقلابات الفكرية الحادة.. من اليمين الي اليسار، ومن العلمانية الي التشدد الديني.. ومن التحرر الي نفي الآخر، والثابت تاريخياً أن الرجل بدأ حياته وفدياً.. ويشير الدكتور محمد حافظ دياب في مؤلفه المهم «سيد قطب.. الخطاب والأيديولوجيا»، إلي أن «قطب» انضم رسمياً إلي حزب الوفد خلال الثلاثينيات من القرن الماضي.
والغريب أنه ترك الوفد لينضم إلي السعديين بعد شهور قليلة، ثم ساند الرجل ثوار يوليو مساندة عمياء وحادة وطالب بإقصاء جميع خصومها قبل أن يساند جماعة الإخوان ويصطدم بالسلطة ليقبض عليه عام 1954 ويدخل السجن 9 سنوات كاملة، يخرج بعدها شهور قليلة ثم يعاد اعتقاله واتهامه بمحاولة قلب نظام الحكم والحكم عليه بالإعدام في قضية تنظيم 1965 بدعوي تجميع السلاح والشباب والعمل علي الانقلاب علي نظام الحكم.

شهادة نجيب محفوظ
والثابت أن الأديب الكبير نجيب محفوظ قدم شهادته باستفاضة عن سيد قطب في نصه البديع «المرايا» الذي ترجم فيه لكثير من معارفه ومعاصريه، وقد اختار له اسماً مغايراً هو عبدالوهاب إسماعيل، ومما قاله الأديب العالمي عنه:
«هو اليوم أسطورة، وتختلف فيه التفاسير، وبالرغم من أنني لم ألق منه إلا معاملة كريمة أخوية إلا أنني لم أرتح أبداً لسحنته ولا لنظرة عينيه الجاحظتين».
ثم يفسر ذلك بثلاثة مواقف لمح منها انتهازيته وتعصبه وكراهيته للآخر، أولها حديث دار بينهما – محفوظ وقطب - حول كاتب قبطي امتدحه سيد قطب عندما كان ناقداً أدبياً.. وقال: إنه ذكي وحساس ومطلع وذو أصالة في التفكير، فسأله نجيب محفوظ أن يكتب عنه فرد أنه لن يساهم في بناء قلم قد يستخدم يوماً في تجريح التراث الإسلامي.
وثاني المواقف أنه قال له: إنه يحتقر شخصاً ما لديه مجلة يمتلكها ويكتب فيها ثم فوجئ بمقالة له في مجلة «الرسالة» يمتدح فيها ذلك الشخص ويرفعه فيها إلي السماء وعلم بعدها أن صاحبنا اتفق مع صاحب المجلة أن ينشر له كتاباً بمقابل مجز.
ثالث المواقف كان قبيل إعدامه بقليل عندما أفرج عنه عام 1964 والتقاه محفوظ ودعاه لأن يعود للنقد الأدبي فسمع منه كلمة جاهلية.. وقال له الرجل وقتها: إن كافة القوانين يجب أن تنحي وتستبدل بالقرآن، وأن علي المرآة أن تلزم بيتها، وأن الاشتراكية والوطنية والحضارة الأوروبية خبائث علينا ان نجتثها من أصولها.

أستاذ التكفير
لقد بدأ سيد قطب طرح فكر التكفير بوضوح في كتبه التالية لسجنه خلال الخمسينيات وكان أبرزها كتاب «معالم في الطريق» الذي يقول في صفحة 106 منه: «الاسلام لا يعرف سوي نوعين من المجتمعات: مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي».
ويقول في صفحة 98 من نفس الكتاب: «ويدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة علي الأرض، الشيوعية والوثنية واليهودية والمسيحية، والمجتمعات التي تزعم أنها مسلمة».
ثم يقول في صفحة 173 من «المعالم»: «الناس ليسوا مسلمين كما يدعون وهم يحيون حياة الجاهلية، ليس هذا إسلاماً وليس هؤلاء مسلمين».
وفي كتابه «خصائص التصور الإسلامي»، يقول في صفحة 85: «إما أن يلتزم الناس الإسلام ديناً أياً منهجاً للحياة ونظاماً وإلا فهو الكفر والجاهلية».. وبهذا المعني يحكم سيد قطب علي الراقصات واللصوص والعاهرات من المسلمين بالكفر، فليس هناك شك أن أي منهم لا يلتزم بالإسلام منهجاً للحياة، وبدون شك أو مدارة فإن ذلك القول هو التكفير بعينه، وهو ما لم يقل به أحد من علماء الإسلام عن أي من العصاة أو الفاسقين.
وتمتد طلقات الفكر الغريب لتصيب قيماً ومبادئ عظيمة لم يقل أحد من قبل إن الإسلام حرمها وهي قيم الوطنية والقومية حيث يقول في «المعالم» صفحة 58: «لا رابطة سوي العقيدة ولا قبول لرابطة الجنس واللون واللغة والوطن والمصالح الأرضية والحدود».

مبدأ الاستحلال
والأخطر ما يقوله «قطب» في «ظلال القرآن – طبعة الشروق . ج1» صفحة 25: «القوي الإنسانية نوعان، قوي مهتدية، تؤمن بالله وتتبع منهجه وهذه يجب أن نؤازرها ونتعاون معها علي الخير والحق والصلاح.. وقوي ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه، وهذه يجب أن نحاربها ونكافحها ونغير عليها».. والمتصور أن ذلك الحكم هو المنهج الذي استخدمه بعض شباب الجماعات المتطرفة في السطو علي محلات الصاغة الأقباط وفي استحلال أموالهم.
والمؤسف أن تلك الأفكار سبقتها كثير من الآراء الفاشية المحرضة علي الحريات والديمقراطية والفن والتحضر، فنجد أن عامي 1952 و1953 شهدا تأييداً مبالغاً من سيد قطب لحركة يوليو ومحرضاً للضباط علي الوفد والأحزاب والحياة الديمقراطية قبل أن يتشكك ثوار يوليو في نواياه ويلقون به في السجن مع عدد من قيادات الإخوان المسلمين.

ضد الدستور والأحزاب
يقول «قطب» في مقال له بجريدة الأخبار بتاريخ 8 أغسطس 1952 تحت عنوان  «استجواب

إلي البطل محمد نجيب»:  «إن الرجعية اليوم تتستر بالدستور، وهذا الدستور لا يستطيع حمايتنا من الفساد إن لم تمضوا أنتم في التطهير الشامل الذي يحرم الملوثين من كل نشاط دستوري ولا يبيح الحرية إلا للشرفاء».. ويتوسع خطاب سيد قطب المساند  للديكتاتورية التي بدت علي ثوار يوليو فيقول في ذات المقال: «لقد احتمل هذا الشعب ديكتاتورية طاغية باغية شريرة خمسة عشر عاماً أو تزيد.. أفلا يحتمل ديكتاتورية عادلة نظيفة ستة أشهر!!».. وربما توضح هذه المقالة أصول فكرة المستبد العادل التي ترددت وقتها بين ثوار يوليو.. إن الرجل يري أن تحمل استبداد الثورة ضروري ولازم لإقامة دولة حديثة.
ويكتب الرجل في «الأخبار» بتاريخ 29 سبتمبر 1952 مهاجماً الأحزاب: «هذه الأحزاب ليست صالحة للبقاء، إنها ستتفتت وتنهار سواء طلب الجيش ذلك أم لم يطلبها، لقد استوفت أيامها وعاشت بعد أوانها».
ويهاجم «قطب» حزب الوفد هجوماً لا منطقياً ويدعي أنه «خرب بعد ان دخله الإقطاعي فؤاد سراج الدين وتحالف مع الملك».. ومن يقرأ التاريخ جيداً يعلم أن سراج الدين هو من أطلق صافرة البداية لحرب الفدائيين ضد الإنجليز وأن الملك عاش حياته في السلطة وهو لا يكره أحداً مثلما يكرهه.
ولم يكتف سيد قطب بذلك بل طالت سهامه الطائشة الزعيم الجليل مصطفي النحاس نفسه أنبل من أنجبته السياسة المصرية في تاريخها فقال في نفس المقال: «أما مصطفي النحاس فرجل شاخ وانتهت أيامه كالوفد تماماً».
ويكتب الرجل في روزاليوسف بتاريخ 10 سبتمبر 1952 مؤيداً قرارات حركة الضباط ومحاكماتهم قائلاً: «لأن نظلم عشرة او عشرين من المتهمين خير من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت».

الإرهاب المسلح
وقد بقيت لنا وثيقة مهمة اشتهرت باسم «لماذا أعدموني» يحكي فيها سيد قطب قصته كاملة مع الإخوان والثورة وقضية قلب نظام الحكم..  وعلي الرغم أن بعض  محبي سيد قطب شككوا في أصل هذه الوثيقة، التي يقال إن الرجل كتبها قبيل إعدامه بشهور وتحديداً في 22 اكتوبر عام 1965، إلا أن المسئولين عن نشر الوثيقة أكدوا أن محمد قطب شقيق سيد قطب، الذي يقيم في المدينة المنورة اطلع عليها وجزم بصحة خط صاحبها.
لقد ظهرت الوثيقة لأول مرة في جريدة المسلمون اللندنية عام 1985 ونشرت مسلسلة تحت عنوان «سيد قطب: لماذا أعدموني» ثم صدرت في كتاب عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق في نفس العام.. ويروي الكاتب صلاح قبضايا أن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل أعطي بعض تلاميذه بعض وثائق العهد الناصري لدراستها وتحليلها وكان مما أعطاه للكاتب فهمي هويدي هذه الوثيقة الذي عرض نشرها في جريدة المسلمون بمقابل كبير وبالفعل نشرت.
المهم أن المرجح طبقاً لخط سيد قطب وبيانات الوثيقة أنه كتبها في وعي تام وبكامل إرادته ودون ضغوط وهي تعكس آخر مراحل مشروعه الفكري لإقامة دولة الإسلام، والخطير في وثيقة «لماذا أعدموني» أنها تتحدث صراحة عن وجود تنظيم حقيقي للإخوان لتغيير الحكم وأن بعض أفراد ذلك التنظيم قاموا بشراء سلاح ومتفجرات، وأنه كانت هناك خطط لنسف القناطر وبعض الكباري ولاغتيال بعض الشخصيات السياسية تمهيداً للانقلاب.
يقول «قطب» في بداية الوثيقة: «لقد آن الأوان لأن يقدم إنسان مسلم رأسه ثمناً لإعلان وجود حركة إسلامية وتنظيم غير مصرح به قام لإقامة النظام الإسلامي أياً كانت الوسائل التي سيستخدمها لذلك».. ويحكي الرجل بداية التحاقه بجماعة الإخوان عام 1953 واعتقاله بعد حادث المنشية واتهامه بأنه المسئول عن تحرير المنشورات وهو ما لم يكن صحيحاً - حسب قوله - ثم يتحدث عن محن الإخوان المسلمين في سجون ناصر ومذبحة طرة واتساع حجم الغضب بين شباب الإخوان ونمو تنظيمات عديدة تدعو للانتقام من الدولة التي لا تطبق الإسلام.
ويقول سيد قطب: «كنا قد اتفقنا علي استبعاد استخدام القوة في تغيير نظام الحكم وفي الوقت نفسه قررنا استخدامها في حالة الاعتداء علي التنظيم.. وكان معني ذلك البحث في موضوع التدريب والأسلحة اللازمة لهذا الغرض».
ثم يقول: «أخذ الإخوة في محاولات لصنع قنابل نجحت بالفعل لكنها كانت في حاجة لتحسين».. وتحكي الوثيقة كيف تم شراء أسلحة من ليبيا، ثم يقرر كاتبها في وضوح تحوله للرأي القائل بمشروعية تغيير نظام الحكم بالقوة فيقول: «وكان أمامنا المبدأ الذي يقرره الله سبحانه وتعالي (فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم) وكان الاعتداء قد وقع علينا بالفعل في 1954 وفي 1957 بالاعتقال والتعذيب وإهدار الآدمية وتشريد الأطفال والنساء».
ثم يقول: «ووفقا لهذا جاءوا في اللقاء التالي ومع أحمد عبدالمجيد قائمة باقتراحات تتناول الأعمال التي تكفي لشل الجهاز الحكومي، وهذه الأعمال هي الرد فور وقوع اعتقالات لأعضاء التنظيم بإزالة رؤوس في مقدمتها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومدير المخابرات ومدير البوليس الحربي، ثم نسف لبعض المنشآت التي تشل حركة المواصلات لضمان عدم تتبع بقية الإخوان».
ولاشك أن هذه الوثيقة وما تحمله من اعترافات تدور في محور تبرير العنف في التغيير، وهو نفس المنهج الذي اتبعته الجماعات المسلحة خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وانتهت إلي آلاف

الضحايا وتكريس للاستبداد السياسي وتبرير للقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات.. وإذا كان البعض يلجأ إلي تأويل أفكار سيد قطب الأخيرة الواردة في كتاب «المعالم» ويرفض تفسيرها بأنها تتشابه مع افكار «الخوارج» و«التكفيريين» فإن ما ورد في وثيقة «لماذا أعدموني» يؤكد بما لا يدع شكاً أن «قطب» كان يعني تماماً ما كتب وأنه كان يؤمن بالتغيير بالقوة والعنف وأنه كان  يكفر جميع المجتمعات القائمة، ويري الإسلام ديناً هجومياً عليه الدخول في حروب دائمة مع الآخرين لإقامة مملكة الله علي دماء البشر.. كلمات خرجت من فيه، وصدقها وآمن بها البعض ومازالوا.

 

تلاميذ «سيد قطب».. من تكفير المجتمع إلى الارهاب العالمى
«شكرى مصطفى» دعا إلى الهجرة وكفّر الدولة وأعدم وزير الأوقاف.. و«فرج» حكم بردة «السادات»

من منهله شربوا، وبأفكاره قتلوا وفجروا.
كان سيد قطب الأستاذ الأول، مبتدع التفكير، منظّر الحاكمية، مقسم المجتمعات إلى مجتمعات إسلامية وأخرى جاهلية.
ولأنه «شهيد» دفع حياته ثمنا لمواقفه فقد اكتسبت كلماته القداسة، وأطلقت عليه أوصاف «المجدد»، «الفقيه» «الشيخ»، «المفسّر». لم يناقش أحد أفكاره، ولم يرد رجال الإسلام السياسى له كلمة، ولم يراجع الرجل طيلة عقدين من الزمن فنبتت جماعات العنف، وتوسعت أعمال الإرهاب باسم السماء.
قريبا وبعد أنهار من الدماء سألت رد الدكتور يوسف القرضاوى على أفكار الرجل وحللها بموضوعية ورفضها واعتبرها قاتلة، ولكن بعد فوات الأوان. كانت مصر قد شهدت مولد عشرات الجماعات المتطرفة التى اعتبرت من أفكار الرجل دستورا حركيا وقتل العشرات وروع الآلاف ودفعت مصر ثمن كلمات سيد قطب فادحا. 
قائمة تلاميذ سيد قطب كثيرون. سلسلة من المفكرين الراديكاليين الذين ينادون صراحة بتكفير الآخر والدعوة الى قتاله.
شكرى مصطفى أحد التلاميذ المباشرين لسيد قطب. خرج «مصطفى» من السجن بداية السبعينات واستغل شاعريته ولباقته فى حشد الاتباع وتأسيس تنظيم إسلامى عرف أمنيا بـ«التكفير والهجرة». اعتمدت أفكار التنظيم على اعتبار المعاصي كالظلم والفسق والذنب والخطيئة والسيئة والخطأ خروجا عن الملة، وبالتالي فكل من ارتكب أي مخالفة شرعية مما يطلق عليها أحد هذه المسميات في آيات القرآن أو في الأحاديث فهو كافر كفراً مخرجاً عن ملة الإسلام.
كما اعتبر «مصطفى» الذى اطلق عليه أتباعه «أمير المؤمنين» أن الهجرة من دار الكفر أي دولة لا تحكم بالشريعة هي واجب شرعي حتمي، ولذلك سعت جماعتهم لإيجاد مكان للهجرة فيه واعتزال المجتمع.
كذلك الحكم بكفر من يتحاكم للقانون الوضعي أيا كان دافعه وأيا كان نوع القانون الوضعي الذي يحكم به أو يتحاكم إليه، ولا يعتبرون في ذلك أى استثناء كحالات الإكراه أو الاضطرار أو الجهل أو الخطأ ونحو ذلك بل يتمسكون بالتكفير في ذلك كله، ولا يفصلون في ذلك بين القانون الوضعي المخالف للشريعة أو الموافق لها، فهم لم يطرحوا ذلك الفرق أصلا.
ويتوسع تنظيم شكرى مصطفى ليصبح خطرا على الأمن المصرى وتبدأ السلطات فى تتبعه والقبض على أعضائه فيقوم التنظيم باختطاف الشيخ الذهبى وزير الأوقاف عام 1977 ويتم اغتياله برصاصة فى عينه ويسقط التنظيم ويحاكم أعضاؤه ويتم اعدام شكرى مصطفى وهو يؤكد لأتباعه أن معجزة ستحدث ويخرج من السجن ليتولى خلافة المسلمين.
كما يخرج الى العلن تنظيم آخر يقوده تلميذ آخر من تلامذة «قطب» هو المهندس الكهربائى محمد عبدالسلام فرج الذى يكتب كتابا بعنوان «الجهاد.. الفريضة الغائبة» يكرر فيه فكرة تكفير المجتمع ونظام الحكم ويتبنى مخططا للانقلاب.
ويبدأ الكتاب طبقا للطبعة المتاحة على موقع  التوحيد والجهاد والمؤرخة بفبراير 1995 برثاء لـ«الشهداء» محمد عبد السلام فرج وخالد الاسلامبولى ورفاقه واعتبار انهم قتلوا بغير حق، ثم يعرض الكتاب النص الأصلى الذى كتبه عبدالسلام فرج فى نهاية 1979 وفيه بعض الأحاديث النبوية التى تشير الى «الفتن» وتقلبات الزمن وانحلال عرى الإسلام. ثم يتحدث «فرج» عن الدولة التى نعيش فيها «مصر» متسائلا إن كانت دار اسلام أم دار كفر ويستشهد بفتوى لأبى حنيفة تقول إن دار الكفر هى التى تعلوها أحكام الكفر ويسقط فيها الأمان للمسلمين وتتجاور مع دول كافرة، ويطبق تلك الشروط ويراها تتناسب تماما مع وصف مصر بـ«دار الكفر». ثم يتحدث المؤلف عن الحكم بغير الشريعة الإسلامية ويعتبرها كفرا واضحا ويستدل بآية «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون».
ثم يتجه صاحب «الفريضة الغائبة» الى الحكام فيعتبرهم جميعا كافرين ويقول إن الحاكم الذى لا يطبق شريعة الإسلام كافر حتى لو ادعى الإسلام، ويلاحظ أن ذلك الرأى مشابه لما طرحه سيد قطب قبل ذلك بـ14 عاما فى كتابه الشهير «معالم فى الطريق» غير أن «قطب» كان أقل صراحة وقال إن المجتمعات التى لا تحكم بما أنزل الله مجتمعات جاهلية. ويضيف الكتاب «القاتل» أن الحاكم الذى يدعى الإسلام ولا يحكم بالشريعة حاكم مرتد وحكمه لدى جمهور الفقهاء هو القتل حتى لو لم يكن قادرا على القتال. ويكاد ذلك الحكم – من وجهة نظر قتلة السادات – ينطبق تماما عليه، وفيما بعد سيكتب قادة جماعة الجهاد كتبا تؤكد خطأ الفتوى وحرمة قتل السادات.
ويستعين صاحب كتاب «الفريضة الغائبة» بفتاوى قديمة لابن تيمية حول المسلمين الذين ينضمون الى التتار والذين يزعمون انهم مسلمون تصفهم بالكفر والخيانة، ثم ينقل عنه أيضا أن جميع أموالهم غنائم مباحة. ثم ينقل أن قتالهم واجب على كل مسلم ولا يعد بغيا، ثم يعتبر حكام اليوم مثلا واضحا لحكام التتار فى أيام ابن تيمية. ويعرض لمقولات البعض بضرورة الهجرة أو الدعوة ويرفضها ويرى أن الأولى هو جهاد الحكام باعتبارهم «العدو القريب» الذى يعد جهاده أولى من «العدو البعيد». ثم يدعى المؤلف أن الجهاد فرض على كل مسلم وأن آية السيف «نسخت جميع الاحكام والآيات الواردة فى القرآن بشأن تعاملات المسلمين مع غيرهم، ثم نراه يدعى أيضا أن حديث أكبر الجهاد جهاد النفس «حديث موضوع» وقصد منه إبعاد المسلمين عن الجهاد.
ويقول «الكتاب القاتل» إن قتال «الكفار» يجب أن يخضع للخدع لأن «الحرب خدعة»، وأنه لا عهد بيننا وبين هؤلاء الكفار، ويجيز الكتاب قتل أطفال المشركين والاغارة عليهم ليلا وقتلهم غيلة وغدرا. ثم يشير الى ترتيبات خاصة بالقتال مثل ضرورة تنظيم الصفوف وعدم تأمير الطالبين للجاه والنفوذ واستبعاد المغرورين.
وجميعا يعلم أن ذلك التنظيم نجح فى اغتيال رئيس الدولة نفسه فى اكتوبر 1981 وهو يحتفل وسط جيشه وهو ما أدى الى سقوط التنظيم.
بعدهم ظهر كثيرون يحمل نفس الفكر وينادون بذات الدعاوى ربما أبرزهم أيمن الظواهرى الذى انضم الى تنظيم القاعدة العالمى.
ويمكن القول إن شبهات التكفير بدأت مع بدايات انضمام الظواهرى للحركة الاسلامية تأثرا بسيد قطب الذى يقول عنه «الظواهرى» فى كتاب «فرسان تحت راية النبى»: «كانت ولا تزال دعوة سيد قطب الى اخلاص التوحيد لله ولسيادة المنهج الربانى شرارة البدء فى اشعال الثورة الاسلامية ضد أعداء الاسلام فى الداخل والخارج».كما يتضح تأثره بمواقف يحيى هاشم وكيل النيابة الذى ترك عمله وهرب إلى الجبال تأثرا باعدام سيد قطب وحارب الشرطة الى أن لقى مصرعه. ويشير الظواهرى فى كتاب «الفرسان» الى لقائه بصالح سرية صاحب تنظيم الفنية العسكرية ويصفه بأنه «حلو الحديث مثقف إلى ابعد الجدود». ولا شك أن تلك الشخصيات كانت من أوائل الشخصيات التى صاغت وتداولت فكر التكفير واعتبار المجتمع المصرى بشكل خاص مجتمع جاهلى.


أهم الاخبار