نسخة من مقبرة توت عنخ آمون في باريس..

هذا ما رآه المنقب كارتر حين اكتشف ذهب الفراعنة

فن وثقافة

الثلاثاء, 15 مايو 2012 17:15
هذا ما رآه المنقب كارتر حين اكتشف ذهب الفراعنة

ما المشهد الذي رآه المنقب البريطاني هوارد كارتر عندما وقع نظره، للمرة الأولى، على مقبرة توت عنخ آمون، نهار الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1922؟

هذا ما يتصدى للإجابة عنه معرض جرى افتتاحه في باريس ، ويعيد بناء نسخة بالحجم الطبيعي للمقبرة التي كان اكتشافها واحدا من أكبر الإنجازات الأثرية في القرن العشرين.
إن الحجرات التي ضمت قبر توت عنخ آمون، أحد أشهر فراعنة مصر القديمة، تنهض اليوم، بعد 90 عاما من اكتشافها، في زاوية من أرض المعارض في «بورت دو فرساي»، على الحدود الجنوبية للعاصمة الفرنسية. وحين يترك الزائر ضجيج باريس وراءه ويبتعد عن زحام السيارات المعهود في هذا الحي، يجد نفسه وسط ردهات معتمة لا يضيئها سوى بريق الذهب والجواهر. لقد نحت أصحاب المعرض كل ما كان كارتر قد وصفه ورآه حين فتح المقبرة الفرعونية فوجدها في أحسن حال، وكأن القرون التي مرت عليها فشلت في تقويض بهائها. وتبعا لحالة الانبهار التي تصيب زائر المعرض وهو يقف في حضرة النسخ المقلدة، لا الحقيقية الموجودة في مصر، يمكن توقع لحظة الانخطاف التي اعترت المنقب البريطاني وما أحس به، لحظتها، من شعور بالنصر. أليس هو الذي أمضى عشرين عاما يبحث في وادي الملوك، بلا هوادة، في حين كان

اليأس قد أصاب معظم زملائه من العثور على شيء ذي بال في تلك البقعة التي تعرضت لعدة موجات من النهب عبر التاريخ؟
قيمة هذا المعرض تكمن في أنه لا يقدم القطع التي وجدت في الموقع، وعددها زاد على 2000، مبعثرة كما هي الآن ما بين كهوف وادي الملوك وصالات المتاحف، بل كما كانت متراكمة في حجرات المقبرة وكما رآها كارتر وبصحبته رفاقه من المنقبين والعمال، وبالأخص اللورد البريطاني المريض الذي تولى تمويل عمليات التنقيب، قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.
ولد كارتر في لندن لأب كان يشتغل في رسم الحيوانات. وهو قد ورث صنعة الرسم من أبيه ووجد عملا كرسام يستنسخ أشكال اللقى الأثرية، بالألوان المائية، مع بعثة كانت تنقب في مقابر بني حسن، وهي سلسلة من المقابر الفرعونية المنحوتة في الصخر وتمتد لمسافة كيلومترات على واجهة هضاب تطل على الضفة الشرقية للنيل، جنوب القاهرة. وحال وصوله إلى هناك، وهو في السابعة عشرة من العمر، وقع أسير سحر مصر لا سيما عندما أُتيحت له الفرصة للعمل بجوار عدد من كبار الآثاريين. وبمضي الوقت، تعرف كارتر على الفرنسي غاستون ماسبيرو الذي كان مديرا عاما للتنقيبات في مصر، ويبدو أن هذا الأخير أبدى إعجابه برسومه فعرض عليه، عام 1899، أن يتسلم مهمة المراقب العام للصروح الأثرية في الصعيد.
بعد ست سنوات من العمل كمراقب، وقعت حادثة تذكر لكارتر مع مجموعة من السياح الفرنسيين الأثرياء الذين زاروا المنطقة وتسللوا، عنوة، إلى موقع التنقيب، لكنهم لم يبصروا شيئا بسبب العتمة التي تغرق الكهوف. وهكذا ذهبوا إلى الإدارة وطالبوا باستعادة النقود التي دفعوها لشراء تذاكر الدخول، لكن كارتر رفض طلبهم. وتطور الأمر إلى مشاجرة وإلى شكوى ضده ومطالبته بالاعتذار للفرنسيين، فلم يكن منه سوى الاستقالة من وظيفته الإدارية وعودته للعمل رساما للقى الأثرية. وكان لتلك الاستقالة فضل في تعرف كارتر على اللورد كارنارفون، عاشق المصريات الذي كان يقيم بمصر ويمارس هواية التنقيب في مواقعها الأثرية بعد إصابته في حادث سيارة وحاجته لطقس جاف ومشمس، بخلاف طقس الجزر البريطانية. وبسبب فشل اللورد الأرستقراطي في تنقيباته، أراد الاستفادة من خبرات ونصائح واحد من الذين عملوا في الميدان لسنوات طوال، فاقترح عليه ماسبيرو أن يعمل برفقة منقب بريطاني كفء موجود هناك هو كارتر. وبعد محاولات فاشلة أخرى، انتقل الرجلان للتنقيب في دلتا النيل ثم انصرفا عنها بسبب انتشار ثعابين الكوبرا، وذهبا إلى وادي الملوك الذي كان هناك من يرى أن باطنه لم يكشف أسراره بعد.
عثر الفريق على جرار وأختام تحمل اسم توت عنخ آمون، وراح كارتر يبحث عن قبره خلف صخور الوادي التي افترض أنها تخفيه. لكن ضآلة اللقى وتعطل العمل خلال الحرب العالمية الأولى، دفعت اللورد كارنارفون، أوائل 1922، إلى إبداء رغبته في العودة إلى إنجلترا، خصوصا أن النفقات قد تضخمت، من دون نتيجة. وهنا طلب كارتر منه أن يمهله فترة سنة إضافية واحدة لمواصلة التفتيش، وهكذا كان، وكأنه كان يهجس بما سيقوده إليه الدأب والمثابرة. ففي حقل غير بعيد عن
قبر الملك رمسيس السادس، عثر المنقب البريطاني على سلم مؤلف من 12 درجة مطمور تحت الأسس التي بقيت من أكواخ لعمال يفترض أنهم شيدوا قبر رمسيس، في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ونزل كارتر الدرجات فوجد فسحة تقود إلى فسحة مغلقة الفوهة نقش عليها اسم «توت عنخ آمون».
طارت برقية إلى اللورد الممول للفريق وكان في رحلة إلى لندن، فحضر إلى الموقع على الفور ليحضر وقائع فتح قبر الفرعون، مع كارتر، ويطالع ما كان فيه من كنز عظيم. وهو قد كتب تقريرا، في ما بعد، في وصف تلك الساعة جاء فيه: «في البداية، لم أر أي شيء. فقد كان الهواء الساخن المنبعث من المقبرة يهز شعلة الشمعة التي بيدي. ثم، مع اعتياد عيني العتمة، راحت تتراءى لي الأشكال بالتدريج، وكانت لحيوانات غريبة ولتماثيل مغطاة كلها بالذهب. ولثوان، بدت كأنها دهر لمن كان يرافقني، بقيت أخرس وقد عقدت الدهشة لساني».
كان توت عنخ آمون ملكا شابا من السلالة الثامنة عشرة. وحكم لفترة وجيزة بعد أخناتون وتزوج إحدى بناته الثلاث من زوجته الملكة نفرتيتي. وبسبب قصر فترة حكمه وقلة خبرته، فقد كان المؤرخون يتصورون أن قبره هو واحد من تلك الحجرات المتواضعة التي عثروا عليها وفيها جرار تحمل اسمه. أما المقبرة الفعلية المكتشفة، فكانت مؤلفة من عدة حجرات، الأولى صغيرة وتضم أنواعا من المعدات والتماثيل ودبابتين مذهبتين، والأخيرة منها، التي تحتوي الضريح، مصنوعة من الذهب الخالص وتزن أكثر من طن. وكان الجسد المسجى يرتدي قناعا من الذهب، ويزن 11 كيلوغراما، على هيئة الفرعون ومغطى بالمجوهرات الرفيعة الصنعة. أما الحجرة الثالثة، فيحرسها تمثالان مستلقيان بالحجم الطبيعي لابني آوى، والكثير من القطع المدهشة بينها زورقان وعروش رائعة وأثاث ينفع الأحياء، تبعا لمعتقدات الفراعنة بتناسخ الأرواح.
استغرق العمل في إخراج 2000 قطعة من محتويات المقبرة أكثر من 4 سنوات. ولم يمتد العمر باللورد كارنارفون فتوفي بعد أشهر من فتح القبر، وقيل إنه أصيب بـ«لعنة الفراعنة». لكن هوارد كارتر نجا من تلك اللعنة وعاش حتى بلغ الرابعة والستين ومات عام 1939 بتليف الكبد، مطاردا من لعنة الحسرة، لأن السلطات المصرية لم تسمح له بجني ثروة من اللقية الباهرة التي اكتشفها. فبعد مفاوضات عسيرة، لم يحصل إلا على حقوق نشر تفاصيل الاكتشاف، واحتفظت مصر بكنوز ملوكها السابقين.
نسخة طبق الأصل من مقبرة توت عنخ آمون تفتح أبوابها للزوار في باريس
هذا ما رآه المنقب البريطاني هوارد كارتر حين اكتشف ذهب الفراعنة

باريس: «الشرق الأوسط»
ما المشهد الذي رآه المنقب البريطاني هوارد كارتر عندما وقع نظره، للمرة الأولى، على مقبرة توت عنخ آمون، نهار الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1922؟ هذا ما يتصدى للإجابة عنه معرض جرى افتتاحه في باريس، أول من أمس، ويعيد بناء نسخة بالحجم الطبيعي للمقبرة التي كان اكتشافها واحدا من أكبر الإنجازات الأثرية في القرن العشرين.
إن الحجرات التي ضمت قبر توت عنخ آمون، أحد أشهر فراعنة مصر القديمة، تنهض اليوم، بعد 90 عاما من اكتشافها، في زاوية من أرض المعارض في «بورت دو فرساي»، على الحدود الجنوبية للعاصمة الفرنسية. وحين يترك الزائر ضجيج باريس وراءه ويبتعد عن زحام السيارات المعهود في هذا الحي، يجد نفسه وسط ردهات معتمة لا يضيئها سوى بريق الذهب والجواهر. لقد نحت أصحاب المعرض كل ما كان كارتر قد وصفه ورآه حين فتح المقبرة الفرعونية فوجدها في أحسن حال، وكأن القرون التي مرت عليها فشلت في تقويض بهائها. وتبعا لحالة الانبهار التي تصيب زائر المعرض وهو يقف في حضرة النسخ المقلدة، لا الحقيقية الموجودة في مصر، يمكن توقع لحظة الانخطاف التي اعترت المنقب البريطاني وما أحس به، لحظتها، من شعور بالنصر. أليس هو الذي أمضى عشرين عاما يبحث في وادي الملوك، بلا هوادة، في حين كان

اليأس قد أصاب معظم زملائه من العثور على شيء ذي بال في تلك البقعة التي تعرضت لعدة موجات من النهب عبر التاريخ؟
قيمة هذا المعرض تكمن في أنه لا يقدم القطع التي وجدت في الموقع، وعددها زاد على 2000، مبعثرة كما هي الآن ما بين كهوف وادي الملوك وصالات المتاحف، بل كما كانت متراكمة في حجرات المقبرة وكما رآها كارتر وبصحبته رفاقه من المنقبين والعمال، وبالأخص اللورد البريطاني المريض الذي تولى تمويل عمليات التنقيب، قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.
ولد كارتر في لندن لأب كان يشتغل في رسم الحيوانات. وهو قد ورث صنعة الرسم من أبيه ووجد عملا كرسام يستنسخ أشكال اللقى الأثرية، بالألوان المائية، مع بعثة كانت تنقب في مقابر بني حسن، وهي سلسلة من المقابر الفرعونية المنحوتة في الصخر وتمتد لمسافة كيلومترات على واجهة هضاب تطل على الضفة الشرقية للنيل، جنوب القاهرة. وحال وصوله إلى هناك، وهو في السابعة عشرة من العمر، وقع أسير سحر مصر لا سيما عندما أُتيحت له الفرصة للعمل بجوار عدد من كبار الآثاريين. وبمضي الوقت، تعرف كارتر على الفرنسي غاستون ماسبيرو الذي كان مديرا عاما للتنقيبات في مصر، ويبدو أن هذا الأخير أبدى إعجابه برسومه فعرض عليه، عام 1899، أن يتسلم مهمة المراقب العام للصروح الأثرية في الصعيد.
بعد ست سنوات من العمل كمراقب، وقعت حادثة تذكر لكارتر مع مجموعة من السياح الفرنسيين الأثرياء الذين زاروا المنطقة وتسللوا، عنوة، إلى موقع التنقيب، لكنهم لم يبصروا شيئا بسبب العتمة التي تغرق الكهوف. وهكذا ذهبوا إلى الإدارة وطالبوا باستعادة النقود التي دفعوها لشراء تذاكر الدخول، لكن كارتر رفض طلبهم. وتطور الأمر إلى مشاجرة وإلى شكوى ضده ومطالبته بالاعتذار للفرنسيين، فلم يكن منه سوى الاستقالة من وظيفته الإدارية وعودته للعمل رساما للقى الأثرية. وكان لتلك الاستقالة فضل في تعرف كارتر على اللورد كارنارفون، عاشق المصريات الذي كان يقيم بمصر ويمارس هواية التنقيب في مواقعها الأثرية بعد إصابته في حادث سيارة وحاجته لطقس جاف ومشمس، بخلاف طقس الجزر البريطانية. وبسبب فشل اللورد الأرستقراطي في تنقيباته، أراد الاستفادة من خبرات ونصائح واحد من الذين عملوا في الميدان لسنوات طوال، فاقترح عليه ماسبيرو أن يعمل برفقة منقب بريطاني كفء موجود هناك هو كارتر. وبعد محاولات فاشلة أخرى، انتقل الرجلان للتنقيب في دلتا النيل ثم انصرفا عنها بسبب انتشار ثعابين الكوبرا، وذهبا إلى وادي الملوك الذي كان هناك من يرى أن باطنه لم يكشف أسراره بعد.
عثر الفريق على جرار وأختام تحمل اسم توت عنخ آمون، وراح كارتر يبحث عن قبره خلف صخور الوادي التي افترض أنها تخفيه. لكن ضآلة اللقى وتعطل العمل خلال الحرب العالمية الأولى، دفعت اللورد كارنارفون، أوائل 1922، إلى إبداء رغبته في العودة إلى إنجلترا، خصوصا أن النفقات قد تضخمت، من دون نتيجة. وهنا طلب كارتر منه أن يمهله فترة سنة إضافية واحدة لمواصلة التفتيش، وهكذا كان، وكأنه كان يهجس بما سيقوده إليه الدأب والمثابرة. ففي حقل غير بعيد عن
قبر الملك رمسيس السادس، عثر المنقب البريطاني على سلم مؤلف من 12 درجة مطمور تحت الأسس التي بقيت من أكواخ لعمال يفترض أنهم شيدوا قبر رمسيس، في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ونزل كارتر الدرجات فوجد فسحة تقود إلى فسحة مغلقة الفوهة نقش عليها اسم «توت عنخ آمون».
طارت برقية إلى اللورد الممول للفريق وكان في رحلة إلى لندن، فحضر إلى الموقع على الفور ليحضر وقائع فتح قبر الفرعون، مع كارتر، ويطالع ما كان فيه من كنز عظيم. وهو قد كتب تقريرا، في ما بعد، في وصف تلك الساعة جاء فيه: «في البداية، لم أر أي شيء. فقد كان الهواء الساخن المنبعث من المقبرة يهز شعلة الشمعة التي بيدي. ثم، مع اعتياد عيني العتمة، راحت تتراءى لي الأشكال بالتدريج، وكانت لحيوانات غريبة ولتماثيل مغطاة كلها بالذهب. ولثوان، بدت كأنها دهر لمن كان يرافقني، بقيت أخرس وقد عقدت الدهشة لساني».
كان توت عنخ آمون ملكا شابا من السلالة الثامنة عشرة. وحكم لفترة وجيزة بعد أخناتون وتزوج إحدى بناته الثلاث من زوجته الملكة نفرتيتي. وبسبب قصر فترة حكمه وقلة خبرته، فقد كان المؤرخون يتصورون أن قبره هو واحد من تلك الحجرات المتواضعة التي عثروا عليها وفيها جرار تحمل اسمه. أما المقبرة الفعلية المكتشفة، فكانت مؤلفة من عدة حجرات، الأولى صغيرة وتضم أنواعا من المعدات والتماثيل ودبابتين مذهبتين، والأخيرة منها، التي تحتوي الضريح، مصنوعة من الذهب الخالص وتزن أكثر من طن. وكان الجسد المسجى يرتدي قناعا من الذهب، ويزن 11 كيلوغراما، على هيئة الفرعون ومغطى بالمجوهرات الرفيعة الصنعة. أما الحجرة الثالثة، فيحرسها تمثالان مستلقيان بالحجم الطبيعي لابني آوى، والكثير من القطع المدهشة بينها زورقان وعروش رائعة وأثاث ينفع الأحياء، تبعا لمعتقدات الفراعنة بتناسخ الأرواح.
استغرق العمل في إخراج 2000 قطعة من محتويات المقبرة أكثر من 4 سنوات. ولم يمتد العمر باللورد كارنارفون فتوفي بعد أشهر من فتح القبر، وقيل إنه أصيب بـ«لعنة الفراعنة». لكن هوارد كارتر نجا من تلك اللعنة وعاش حتى بلغ الرابعة والستين ومات عام 1939 بتليف الكبد، مطاردا من لعنة الحسرة، لأن السلطات المصرية لم تسمح له بجني ثروة من اللقية الباهرة التي اكتشفها. فبعد مفاوضات عسيرة، لم يحصل إلا على حقوق نشر تفاصيل الاكتشاف، واحتفظت مصر بكنوز ملوكها السابقين.


نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط*
 

أهم الاخبار