رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جلال عامر.. بسمة وطن يتحدى الغياب

فن

السبت, 18 فبراير 2012 08:56
جلال عامر.. بسمة وطن يتحدى الغيابالكاتب الراحل جلال عامر
القاهرة - أ ش أ:

 رحل الكاتب الساخر جلال عامر، رحيل مباغت، دون تمهيد، معلنًا انطفاء بسمة جماعية كان يرسمها كل صباح على وجوه قرائه، رحيل ربما لن يعوضه إلا ذلك الرصيد الإبداعى والإنسانى الذى تركه فى قلوب وعقول محبيه، فالفكرة لا تموت، وسيظل صوته متفردا منذ ظهر معارضا ساخرا يحاول أن يحرك تلك المياه الراكدة داخل عقول أتلفها القهر والظلم وربما الصمت الطويل، إنه بسمة وطن كان يستعد للخروج من الانعاش، فرحل هو وبقى الوطن على كف عفريت .

جلال عامر عاش ما بين ثورتين ولد فى ثورة يوليو، ورحل حزنا بعد مرور عام من ثورة يناير، تخرج في الكلية الحربية وكان أحد ضباط حرب أكتوبر، قائدا للسرية في الفرقة 18 بقيادة اللواء فؤاد عزيز غالى، وشارك مع فرقته في تحرير مدينة القنطرة شرق، ودرس القانون في كلية الحقوق والفلسفة في كلية الآداب.
وقدم جلال عامر كتابا بعنوان "مصر على كف عفريت" جمع فيه مجموعة من مقالاته، ويقول "بدأت مصر بحفظ الموتى وانتهت بحفظ الأناشيد، لأن كل مسئول يتولى منصبه يقسم أن يسهر على راحة الشعب، دون أن يحدد أين سيسهر وللساعة كام؟ ففى مصر لا يمشى الحاكم بأمر الدستور، ولكنه يمشى بأمر الدكتور، ولم يعد أحد فى مصر يستحق أن نحمله على أكتافنا إلا انبوبة البوتاجاز. فهل مصر فى يد أمينة أم فى إصبع أمريكا أم على كف عفربت؟".
والكتاب الصادر عن دار العين فى 208 صفحات يضم 101 مقال من أروع ما كتب راصدا الأوضاع الاجتماعية والسياسية فى مصر بشكل ساخر ولاذع، رغبة في إصلاحها، والتغلب عليها، سخرية تجعلك تضحك حتى البكاء.
ويقول الكاتب فى أول مقالاته بالكتاب: "على فكرة أنا حضرت "مصر" الله يرحمها وأوعى لها كويس وعاشرتها فترة قبل ما تموت، ولما طلعوا بيها فاكر إن الريس كان فى مقدمة المشيعين، وفى الجنازة بعض المغرضين قالوا: يقتل القتيل ويمشى فى جنازته، يومها أبو عويس زغدنى فى كتفى وقال لى اسكت يا غبى قلت له مش أنا يا آبا اللى قلت كده، قال لى: ما انا عارف يا غبى، أنا باضربك عشان الأمن اللى حولينا يعرف إن أنا مش موافق على الكلام ده".
وفى موضع آخر بالكتاب وتحت عنوان "البقاء لله"، يقول "توفيت إلى رحمة الله تعالى الدولة المدنية الشهيرة بالجمهورية المولودة فى 1953، والمذكورة عمدة بلدان الشرق الوسط وقريبة ونسيبة العالم العربى، وخالة وعمة العالم الإسلامى وشقيقة المرحومة الجامعة العربية، والمرحومة منظمة عدم الانحياز، وسوف تشيع الجنازة من مقر الحزب الوطنى بكورنيش النيل".
يكتب جلال عامر في كتابه عن زيارة مبارك إلى قبري جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهي الزيارة السنوية التي كان يحرص عليها، متخيلا ما الذي يمكن أن يقوله أمام قبر كل منهما.
وقال: "سيقول أمام قبر عبد الناصر: "طبعا انت عارف أنا لا عايز أزورك ولا أشوفك بس هي تحكمات السياسة اللعينة. حد يا راجل يعادي أمريكا؟ ويحارب المستثمرين. على العموم ارتاح. أنا بعت كل المصانع إللي انت عملتها، والعمال اللي انت مصدعنا بيهم أهم متلقحين على القهاوي. وأمام قبر السادات، سيقرأ الفاتحة ثم يمسح وجهه وينصرف. هذه الحكاية تلخص فعلا ما أصاب مصر من تحولات، وتجيب عن سؤال: كيف تحولت

من "أم البلاد" إلى "أم الفساد"؟.
وينتقد الراحل في كتابه انتشار الخبراء والمستشارين في مؤسسات ووزارات الدولة، حتى أنهم ملأوا شاشات التليفزيون، وتحت عنوان "الخبير عبد الخبير"، كتب عامر أن بلدنا امتلأت بالخبراء من كل نوع ولون، وكلما زاد عددهم تدهورت أحوالنا، ولأن الخبير بالخبير يذكر فأنا دائما أتذكر بالخير ذلك الخبير العظيم الذي ظهر على شاشة التليفزيون في حرب العراق ونصح قوات التحالف بدخول بغداد من ناحية بتاع العصير، وأنا لا يوجد بيني وبين الخبراء عمار، وربما السبب خالي "عبدالخبير" الذي كان يفتي دون أن يعلم، ويجيب دون أن يسأل.
ورغم وفاة خالي عبدالخبير متأثرا بأغنية "بحبك يا حمار"، معتقدا أنه المعني بها، فإن الكثير من أبنائه وأحفاده الآن يغطون شاشة التليفزيون لمنع الأتربة، فمن الممكن للتليفزيون أن يستدعي محاميا لشرح مرض البهاق على أساس أنه الوحيد الذي وجدته المذيعة صاحي، أو طبيبا لشرح القواعد الجنائية على أساس أنه أقرب للتليفزيون.
وحول نبوءات العام الجديد، ذكر الساخر جلال عامر أنه إذا كان نتائج العام الجديد غير مزورة، فإننا ننفرد بنشر نبوءات العام الجديد التى تؤكد لحضرتك أن مصر تحولت إلى كارت بوستال وصورة ولوحة بلا حراك أو تغيير والآن إلى النبوءات: عباس يزور مصر . تقديم الساعة فى مايو . وتأخيرها فى سبتمبر. الامتحان من المقرر وفى مستوى الطالب المتوسط . الحزب الوطنى يفوز بالمحليات والنادى الأهلى يفوز بالدورى .
انقطاع المياه عن مدينة نصر . زيادة أعداد الحجاج . الرئيس يتلقى اتصالات هاتفية.
ارتفاع أسعار البترول . وزيادة دخل القناة . وانخفاض مستوى المعيشة.
تشكيل وزارى جديد يهتم بالناحية الهجومية. وتعيين الطفلة آلاء وزيرة للتربية والتعليم . وأخيرا العالم يشيد بمصر ومصر تشيد بالعالم.
ولم يكن من الممكن أن تمر كارثة غرق العبارة السلام التي يمتلكها ممدوح إسماعيل، دون انتقاد عامر الذي اعتاد معايشة أبناء وطنه في كل ما يخصهم ، وكتب بعنوان "المسيح يصلب من جديد"، قائلا: "للروائي اليوناني العالمي كازانتزاكيس الحاصل على نوبل، رواية شهيرة بعنوان "المسيح يصلب من جديد"، أحداث الرواية متجددة مع كل برئ يقتل بينما يكافئ القاتل.
وما حدث في مناقشة تقرير العبارة في مجلس الشعب يؤكد أن المصري يغرق من جديد، وأن دكتور فتحي سرور يستحق نوبل عن هذه الرواية".
ويتابع قائلا :"الشرير في الرواية اليونانية لم يجد أحدا يوصله إلى مطار أو يحميه أو يغطيه بالحصانة ليمنع عنه يد العدالة وعين الحسود، وإذا كان ممدوح إسماعيل قد حول البحر الأحمر إلى بحيرة خاصة به، فإن البعض حول البرلمان إلى محمية طبيعية للفساد، ولم يعد يعنيه الشعب، بل الشعب المرجانية والحيتان.
ويرصد أيضا الأزمات المتكررة لرغيف الخبز ومتاعب المواطن المصرى البسيط قائلا:"عاصرت ملكا وأربعة رؤساء جمهورية ونصف دستة مرشدين لجماعة الإخوان المسلمين وتسعة رؤساء أمريكان وحوالى عشرين
ألف وزارة وكلها كانت تتباهى بنيشان مستدير تضعه على عروة الجاكتة أسمه "رغيف العيش" ، وقد شاركت المرأة فى مطلع القرن العشرين فى ثورة 1919 ثم تطورت وحققت مكاسب فى القرن الواحد والعشرين وشاركت بقوة فى طوابير الخبز .
ويضيف عامر: "على الورق مصر تنتج من أرغفة الخبز أكثر مما تنتجه السعودية من براميل النفط، وأكثر مما تنتجه بوليفيا من الموز، لكن أين يذهب هذا المساء . هل تستورد مصر القمح لتعيد تصنيعه وتصديره أم يتم سحب الخبز من السوق ليحلف عليه الوزراء الجدد؟ الموضوع خطير ويحتاج إلى حلول جذرية كأن نحول الرغيف من مستدير إلى مربع ، أو نكلف ساعى الدكتور نظيف بشراء الخبز ، أو تتخلى الدولة عن حبس الصحفيين وتتفرغ مؤقتا لحبس الفرانين".
كذلك حمل كتاب الراحل جلال عامر سخرية من محاولة أمريكا التدخل لحماية أقباط مصر، وانتقدها في مقال حمل عنوان "أمريكا ذات الوجهين" ، قائلا إن هناك عشرة آلاف أسرة مسيحية تم طردها وتشريدها وحرق منازلها على بعد أمتار من القوات الأمريكية في "الموصل" ، ولم نسمع حتى كلمة عتاب ولا حب من أمريكا.
فأمريكا لا تحب إلا "أقباط" مصر، فهي متربية في الصعيد على يد مربية قبطية، وحصلت على شهاداتها من مدرسة الراهبات ، وأقباط مصر يفهمون أمريكا ويعلقون آمالهم في رقبة مواطنيهم ، وعلى مواطنيهم ألا يخذلوهم فهم أصحاب دار وليسوا ضيوفا سكنوا هذه البلاد، قبل أن يلبسها عفريت الوهابية بآلاف السنين ، وقبل أن ترتدي نساؤها السواد حدادا على الوطن ، أما أمريكا فقد ثبت من أحداث "الموصل" أنها لم تترب في الصعيد ولا في غيره!.
وكتب عامر منتقدا إهانة المواطن المصرى فى أقسام الشرطة وبعنوان "مواطن ومخبر وحرامى" قائلا:"لا يمر يوم إلا ويسقط مصريون فى ساحة الوغى فى الخطوط الأمامية فى الجبهة على أرض البوليس أو داخل مربع العمليات فى التخشيبة ، مطلوب قوات دولية فى دارفور وفى غرفة المأمور.
هذه الحوادث تؤكد أن هناك خللا فى المواطن المصرى، إما انه يحمل وجها مستفزا أو أنه مثل أسماك التونة عندما تقترب نهايته يهاجر بالغريزة ليموت فى غرفة المأمور، فيقطع آلاف الأميال البحرية حتى يصل منهكا إلى أرخبيل المأمور ويفارق الحياة هناك.
ويكمل عامر قائلا :" فى احتفالات الشرطة تستعرض أمام المسئولين فنون القتال والاشتباك مع المجرمين ثم مع المواطنين العاديين من اول خلع الملابس والجلد والصعق حتى مصرع المواطن وتسليمه لحانوتى القسم.
الكاتب الراحل جلال عامر الذى عرف نفسه قائلا: اسمى "جلال" وفى البيت "المخفى" ، وأنا أول مواطن يدخل قسم الشرطة ويخرج حيا .. وأنا المصرى الوحيد الذى كتبت فى إقرار ذمتى المالية أن عندى "حصوة" فأنا لا أمتلك "سلسلة مطاعم" بل فقط "سلسلة ظهرى" وسلسلة كتب، وحضرت عشرات المؤتمرات الثقافية تحت شعار "دع مائة مطواة تتفتح" ونجوت منها .. وأعرف أن 90\% من جسم الإنسان ماء، لكنه يستطيع أن يفعل الكثير بالعشرة فى المائة الباقية .
عندى بطاقة تموين حمرا خالية من الدهون، لأن البقال كل شهر يسرق الزيت، ولا أصرف معاشا بسبب عيب خلقى وأخوض معكم حرب الثلاث وجبات. وأرتدى بيجاما مخططة ولعلها الشئ الوحيد المخطط فى هذا البلد العشوائى، وأى تغيير فى لون البيجاما أبلغ عنه فورا شرطة المصنفات.
وأؤمن أن أعظم كاتب فى البلد هو "المأذون"، وأن مصر بخير ولا ينقصها إلا أكلة "جنبري" على البحر.. وأحفظ برنامج السيد الرئيس فى درجة حرارة الغرفة، وأعرف أن الحياة بدأت بضربة جوية وسوف تنتهى بضربة أمنية، لذلك لا أحب الصراعات، والمرة الوحيدة التى تصارعت وتدافعت فيها فى الطابور ونجحت فى الحصول على خبز سحبوه منى بحجة أننى أتعاطى منشطات، أعشق أخلاق زمان عندما كنت طفلا وأرى صاحب أبى ولو على بعد كيلومتر فأجرى وأعزم عليه بسيجارة، الآن أصبحت القرى السياحية أكثر من القرى الزراعية.
هو أيضا جلال عامر الذى كتب قائلا "لكننى صعلوك .. عابر سبيل .. ابن الحارة المصرية ..ليس لى صاحب ..لذلك كما ظهرت فجأة .. سوف أختفى فجأة .. فحاول تفتكرنى".

 

أهم الاخبار