رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د. أحمد زايد خبير علم الاجتماع : الجيش أنقذ مصر من فوضى التقسيم

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 28 أكتوبر 2020 22:39
د. أحمد زايد خبير علم الاجتماع : الجيش أنقذ مصر من فوضى التقسيمد. أحمد زايد

حوار: صابر رمضان - تصوير: أحمد بسيونى

«الإخوان» صنيعة إنجليزية.. وثورة يونيه امتداد لـ«يناير»

 

الغرب لديه مخطط قديم لتفكيك الدول العربية

 

الدين والسياسة لا يجتمعان.. والمتطرفون أعداء الجمال

 

المرأة تحولت إلى «سلعة» فى الرأسمالية الغربية

 

الجماعات الإرهابية دمرت مشروع الحداثة

 

 

ولد الدكتور أحمد عبدالله زايد العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة القاهرة، أستاذ علم الاجتماع السياسى بمدينة مغاغة بمحافظة المنيا بصعيد مصر، نال درجة الليسانس فى الآداب عام 1972ثم الماجستير 1976 ثم الدكتوراه عام 1981.

تولى «زايد» عمادة معهد إعداد القادة بحلوان، ومدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، كما عمل كمستشار ثقافى بالرياض ومدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، ونال العديد من عضويات اللجان والجمعيات العلمية بالداخل والخارج.

حصل على جائزة الدولة التقديرية للتفوق العلمى 2004 وجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية 2007 وجائزة جامعة القاهرة للتميز فى العلوم الاجتماعية 2011 وتم تعيينه مؤخرًا عضوًا بمجلس الشيوخ، كما حاضر فى العديد من الجامعات المحلية والعالمية بالخارج.

من أبرز مؤلفاته «صوت الإمام الخطاب الدينى من السياق إلى التلقى» و«الدين والعلمانية.. جدلية الانحصار والانتصار» و«الحداثة: الولوج والوعد والمراجعة».

انطلق «زايد» فى مشروعه العلمى من دراسته حول الحركة النقدية فى علم الاجتماع والنخبة فى الريف المصرى، كما كتب عن الاستهلاك والجسد والمجال العام ورأس المال الاجتماعى ونقد الحداثة والمجتمع المدنى وخطاب الحياة اليومية والخطاب الدينى والعنف، بالإضافة إلى ذخيرة مهمة من المترجمات فى علم الاجتماع المعاصر.

«الوفد» التقت العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة القاهرة، وهذا نص الحوار:

< بداية... ماذا عن قراءتك للمسيرة التى قطعتها مصر بعد ثورة 30 يونيه وهل هناك تناقض بينها وبين 25 يناير؟

 << لا أعتبر أن ثورة 30 يونيه تتناقض مع ثورة 25 يناير، لكننى أعتبرها امتدادًا وتطويرًا وتحديثًا وانقاذًا لثورة 25 يناير، لأن فى ثورة 25 يناير كان هناك بالفعل خروج غاضب، فالناس كانت لديها هموم ومشكلات خرجت بصرف النظر عن الأسباب التى تقال وعرفناها بعد ذلك، فقد كان التحريك من الخارج وقوى المجتمع المدنى، وجمعيات حقوق الإنسان، وكان هناك دور للأموال الأمريكية التى صبت كثيرًا فى تحريك المجتمع ضد نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، كذلك المساندات التى كانت تأخذها بعض الجماعات المتطرفة والتى لها ميول إرهابية غير جماعة الإخوان المسلمين، هذا كله معروف، لكن الخروج نفسه يقدر وكان خروجًا نقيًا وبه قدر من الشعارات الطموحة للإنسان المصرى الذى أراد أن يستعيد نفسه كشخص تصان كرامته، ومكفولة حريته، ويجد لقمة العيش؛ ولكن هذه الحركة تم اختطافها من قبل جماعة الإخوان المسلمين تحديدًا، وركبوا عليها وبأساليبهم وطرائقهم استطاعوا أن يصلوا إلى سدة الحكم، وكان هذا من أخطر المنعطفات التاريخية التى تعرضت لها مصر الحديثة. أن جماعة تصنف على أنها إرهابية، وهى إرهابية ولها ميول متطرفة واستحواذية، ولها أيضاً أفكار تخرج الممارسة السياسية من دائرة الوطن صعودًا أو هبوطًا أو للخلف، فهى إما ترتبط بدعوة غريبة لاستعادة الخلافة أو أنها ترتبط بالجماعة الإسلامية الأوسع، إنما فى مفهوم الوطن، الدولة، الأمة كان مفهومًا غائبًا وهو غائب بالفعل فى فكر الجماعة، فهذا قد أراه ضد مسيرة التاريخ، أن ترجع المجتمعات لتدخل فى جدل وفى صراعات من نوع غريب وتحاول بيع الوطن فهو من أكثر الأمور التى تجعل الإنسان لا يمكن أن يقبل أن يفرط، أو يتراجع، فقد كان لديهم إحساس عميق جدًا بأن مصر قطعة أرض لو فقدنا جزءًا منها فليس هناك مشكلة، وهذا كلام به خطورة على بلد له حضارة قديمة وحدود معروفة وله هوية وبها شعب قوى وحضارى. أما خروج 30 يونيه فهو الذى أنقذ مصر من ذلك كله، فقد كان به إدراك من قبل الشعب كبير جدًا، لهذا أطلقتُ عليه المنعطف الخطير فى تاريخ المواطن الحديث؛ ففكرة أن مصر تنكسر، وأن تدخل فى طريق قد يأخذها إلى الهاوية، وأن تكون دولة يتصارع أهلها من أجل لا شىء كما يحدث فى مجتمعات أخرى، مثل اليمن وسوريا وليبيا، والصراع هنا على تقسيم الوطن، وهذا أكثر شيء به خطورة، فتقسيم الوطن كما لو أنه يتحول فى لحظة من اللحظات لدى الجماعات الحاكمة إلى غنيمة، كل شخص يريد أن ينهل منه جزءًا، فالشعب المصرى أدرك هذه الخطورة.

< وهل كان هناك فارق بين الخروج فى ثورتى 25 يناير و30 يونيه؟

 << نعم خروج 30 يونيه كان أقوى وأكثر صدقًا وتعبيرًا وشمولًا، فقد شمل الناس كلها ولم يكن مقصورًا على فئة بعينها، فهناك فارق كبير بين الثورتين، فثورة 30 يونيه كان بها خروج تاريخى حقيقى ولا أحد يستطيع أن يقول إنه مخطط أو مدفوع بأمور مختلفة، فقد كان تلقائيًا وواسع النطاق، وهو الذى أنقذ البلد، فالثورتان مرتبطتان ببعضهما البعض، خروج ثورى تم تحريفه وخطفه من قبل جماعة معينة، وشعب يستيقظ ويدرك أن هناك خطرًا فيسترد ثورته. لابد أن نشير أيضاً إلى موقف الجيش، فقد لعب دورًا كبيرًا فلولا الجيش ما كان الخروج قد تم، وحقق أهدافه، والجيش المصرى دائمًا له طابع خاص بين الجيوش، فهو يتكون من قماشة المجتمع المصرى به كل الأطياف والطبقات المختلفة، فهو يمثل الشعب المصرى بالفعل، فالقيادة العسكرية أدركت وقتها أنه لابد أن يكون هناك نوع من المساندة، وحدث التزاوج بين القوات المسلحة للخروج الذى أسميه الخروج الكبير فى 30 يونيه، فقد كان هناك تلاحم بين القوات المسلحة وبين الشعب وهذا هو الذى حقق الانتصار وخلق توجه نحو بناء مجتمع جديد برؤية جديدة مختلفة تمامًا عن الرؤى والتطلعات التى كانت موجودة قبل 30 يونيه.

< إذن مصر قطعت خطوات كبيرة نحو مستقبل أفضل؟

 << تستطيع المقارنة بين مجتمعين مختلفين تمامًا، مجتمع مغتصب ويسير فى مرحلة تفكيك ومجتمع به نوع من السلطة التى تستبد بالحكم لنفسها وتأخذ المجتمع كما لو كان طوع يدها، وبين مجتمع يتجه نحو بناء مستقبل ويضع استراتيجية لمستقبل وينظم العمل، وهناك تفاعل إيجابى بين القيادة السياسية والشعب اهتمامًا لما فى عقولهم، وهذه مشكلة التطرف، فأخطر شىء هو الاستبداد الذى يؤدى إلى طغيان، فانتقلنا من مجتمع استبدادى طاغٍ، به طغيان وبه مساومات على مصير الوطن وأرضه إلى مجتمع يحفظ للإنسان المصرى كرامته ويتجه نحو المستقبل ويخطط له، ويقضى على الفساد، فنحن نستطيع الحديث كثيرًا عن الإنجازات التى تتم الآن بعد 30 يونيه.

< هل يمكن القول إن الثورات العربية بمثابة تحول مجتمعى أم لا؟ وهل تغيرت تركيبة النفس البشرية للمصريين بشكل خاص؟

 << الحراك لم يكن عربيًا فقط ولا الثورات كانت فى البلاد العربية فقط، لكن العالم كله كان قد شهد فى عامى 2010 و2011 فى هذه الفترة فى نهاية العقد الأول من الألفية وبداية العقد الثانى حراكًا عالميًا مكتوبًا عنه فى كتب علم الاجتماع فقد كان هناك حراك عالمى، وقد رأيناه فى فرنسا وإسبانيا وستياتل فى أمريكا وأماكن كثيرة، فرأينا الحراك ضد السلاح النووى، فهناك حراك عالمى موجود فى العالم ضد المنظومة العالمية التى تحكم، وهو يرى أنها منظومة تتجه بالإنسان نحو سلب روح الإنسان، ولا أريد أن أقول حريته من خلال الاستهلاك والنزاعات النووية، ومن خلال التسابق فى السلاح النووى، ومن خلال إنفاق ملايين أو مليارات الجنيهات فى أشياء لا قبل للإنسان بها فى الوقت الذى تزداد فيه معدلات الفقر فى العالم ومعدلات الجريمة والتشرد وأشياء أخرى كثيرة. ومع هذا الحراك العالمى، كان ينظر إلى الوطن العربى على أنه استثناء من القاعدة، وأنه لن يحدث فيه حراك نهائيًا، وفجأة رأى الغرب أن العرب بدأوا يشاركون فى هذا الحراك أكثر من غيرهم من البلدان، فالحراك العربى كان جزءًا من الحراك العالمى. ولكن للأسف الشديد، الثورات والحركات عندما تتم بشكل غير منظم وفاقد الهدف، وعندما تتم بتوجيهات من أيادٍ خفية ومن أناس ليس لهم مصلحة فى أن يكون الوطن مستقرًا من الممكن أن تكون له نتائج سيئة، ولهذا

نرى نتائج الحراك فى سوريا وليبيا واليمن ثلاث بلدان عربية حصل فيها حراك فى الوقت نفسه، فقد حدث فى تونس ثم فى مصر ثم فى البلدان الثلاث تباعًا( ليبيا وسوريا واليمن)، لكن الوضع فى مصر سار فى مسلك مختلف، ارتبط بقيام الشعب بثورة ضد النظام الذى كان يهدف إلى إدخال مصر فى نفس المسارات، ولذلك أحد الأشياء الجميلة التى حدثت بعد ثورة 30 يونيه أن كان هناك رؤية للحياة التى نعيشها وللظروف، رؤية أكثر حصافة وأكثر فهمًا لمتغيرات العصر، فكان هناك توجه نحو مسيرة الديمقراطية، وتركيز على مسار التنمية فهى الشغل الشاغل، وليس العمل على السياسة فقط، فهناك أطروحة فى علم الاجتماع تقول إن العالم كله يعيش فى خطر والخطر موجود فى كل مكان، فكنت أقول الظروف التى نعيشها تحتاج إلى العمل على الاقتصاد وأن أسلوب العمل الذى تم بعد 30 يونيه كان فيه رؤية للحياة التى نعيشها والظروف أكثر حصافة وأكثر فهما لمتغيرات العصر، فنحن نحتاج إلى التنمية الاقتصادية ورفع مستوى دخل الفرد وحل مشكلات الناس؛ التعليم والصحة، وهذا واضح، فمصر الآن أكثر استقرارًا فبجانب الاهتمام بالديمقراطية هناك أولوية لأن يستقر الناس وأن يتماسك المجتمع وأن ينضبط الناس فى سلوكهم، وأن تكون هناك تطلعات للشعب تنقله نحو حياة ومستقبل أفضل، وهذا ما يحدث الآن أمام أعيننا فى المشروعات العملاقة التى تنفذ هنا وهناك فى ربوع مصر، وفقًاً لرؤية واعية وحكيمة.

< فى رأيك لماذا تصر بعض الدول الغربية على مساعدة الإسلام السياسي؟ وهل ترى أن تنظيم الإخوان سقط مشروعه فى المنطقة العربية بشكل عام؟

<< سؤال مهم جدًا، لأن الدول الغربية لديها مخطط قديم لتفكيك الدول العربية، بالذات الدولة صاحبة مصادر الدخل فى منطقة الشرق الأوسط، فهناك نظرية «الفوضى الخلاقة»، لكننى سأشير لشىء أسبق من نظرية «الفوضى الخلاقة» وهى الكتابات الشهيرة لـ«برنارد لويس» وهو ينظر إلى هذه الدولة على أنها لا تملك مصائرها وأنها دول فيها قبلية وإثنيات مختلفة، ولذلك أفضل شىء هو تقسيمها من الداخل حتى تحكمها، وطرح هذا الفكر فى كثير من كتبه وعاش طوال حياته يدافع عن هذه الأطروحة التى تخلقت بعد ذلك فيما يسمى بـ«الفوضى الخلاقة»، فبعض الحكام العرب يفهمون السياسة على أنها سلوك فاضل، لكن السياسة حكمتها تقتضى أن يخطط كل لحساب مصالحه، فالسياسة هى فن إدارة المصلحة، فهم يريدون مصالحهم، ولذا فإن مزيدًا من التفكيك لهذه الدول هو مزيد من الحكم لهم، ومزيد من السيطرة على الدولة، ومقدراتها وعلى ثرواتها، ولذلك إذا عدنا لثورة 30 يونيه فسوف نرى أنها منعت أن يحدث ذلك فى مصر. وتساعد بعض الدول الغربية الجماعات الإسلامية، فهم الذين صنعوا الإخوان المسلمين، فإنجلترا هى التى صنعت هذه الجماعة عام 1928 وكانت تمنحهم إعانة ومنحًا مادية، وهذا معروف فى التاريخ، ومساندتهم للإخوان المسلمين كان هدفها الأساسى أن يحدث نوع من الجماعات التى تكون هى المفرزة المتقدمة لهم التى تصنع التفكيك داخل هذه الدول، أى أنها هى الأداة لتفكيك هذه الدول، فقد استخدموا هذه الجماعات فى كثير من الدول العربية وما يحدث فى اليمن خير مثال وفى ليبيا، فالغرب يساند الجماعات الإسلامية بهدف تفكيكى وتكتيكى واستراتيجى، وسياسته تقوم على أنه كلما تمزقت هذه الدول زادت قبضتك عليها. وأرى أن مشروع الإخوان سقط فى المنطقة العربية، فالقضاء على الإخوان المسلمين بدأ فى مصر، لأن مصر هى بلد المنشأ، فتنظيم الإخوان نشأ فى مصر وترعرع فيها، لكنه انتشر فى الأردن وتونس والدول العربية وأصبح تنظيمًا عالميًا، فما حدث فى مصر كان خطرًا على جماعة الإخوان، لأنه حصل فى بلد المنشأ، وبعد 30 يونيه لم يعد هناك صوت لهم، ولا يجب أن تكون هناك مصالحة، فهى أهداف غربية، فالغرب يريد أن يستعيد الإخوان من جديد بأى شكل من الأشكال، إلا أن الدول بدأت تدرك ما أدركته مصر، فهناك بلاد مثل الكويت بدأت تدرك أن الإخوان خطر، والأردن حتى أن بعض الدول الغربية بدأت تنظر إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين على أنه تنظيم إرهابى، فالناس بدأوا يدركون أن هذه الجماعات لا مبرر ولا داع لها، ولذلك أرى أن الإخوان وأن لم ينتهوا مائة بالمائة إنما وضعت اللبنات الأساسية فى القضاء عليهم تاريخيًا.

< إذن هل تؤيد الطرح الذى يقول أن أزمة المنطقة تكمن فى الإسلام السياسى وهو ركيزة أساسية لإجهاض مشروع الحداثة فما رأيك؟

 << لو رأينا تطور الإسلام السياسى وكيف نشأ بمساعدات غربية، فوجوده داخل المجتمعات العربية والإسلامية جعل السياسة تُمارس من خلال الدين، لأننا نعلم أنه كلما تقدمت المجتمعات إلى الأمام انفصل الدين عن السياسة، وأن السياسة تكون بعيدة عن الدين، وأن الدين يكون فى المجال الخاص والسياسة فى المجال العام، لكن ما فعله الإسلام السياسى أنه ثبت السياسة فى قلب المجال العام وثبت السياسة فى قلب الدين فحدث نوع من الفوضى والخلل الكبير جدًا، بالإضافة إلى أن الأساليب التى يستخدمونها هى أساليب تخرج عن الأساليب التقليدية فى السياسة، وعلى سبيل المثال احترام الديمقراطية، فهو تنظيم لا يحترم الديمقراطية فهم لا يتعاملون مع المواطنين على أنهم سواسية ويقسم المجتمع إلى إسلاميين ومن هم أقل إسلامًا، إخوان وغير إخوان، وخلط بين السياسة والدعوة، فهو داعية وهو سياسى فى الوقت نفسه، فخلقوا نوعًا من الفوضى السياسية كبير، فهم لا يعرفون السياسة ولا أصولها ولا يمارسونها فى الشكل الذى يجب أن تمارس به، ولذلك أعتقد أنهم كسروا مشروع الحداثة، لأن الحداثة فى تعريفها المثالى أنه كلما دخلت فى مشروع الحداثة أصبح الدين فى المجال الخاص، وكلما بعد الدين عن السياسة، لكنهم أعادوا ذلك، فهم يعملون ضد مشروع الحداثة. وفى الوقت نفسه هم يستعملون الحداثة، فيريدون أن يأخذوا منجزات الحداثة، فالفكر السياسى الإسلامى فى الخطاب السياسى الذى يدمج بين الدين والسياسة يريد أن يستملك الحداثة من منتجاتها الحسنة دون عقلها، فهو لا يدخل عقل الحداثة بل رفضه؛ فهو يستخدم الأشياء الحداثية والأدوات التكنولوجية الحديثة والأدوات البيروقراطية الحديثة، لكن العقل الذى أنتج الحداثة لا يأخذه، فكل المفاهيم التى ترتبط بفلسفة التنوير والعقد الاجتماعى، التى تبث المشروع الحداثى الكبير لا يهتم بها، فالفكر السياسى الإسلامى لا يعترف بـ«الحداثة» ولا يأخذها مأخذ الجد، فقد عمل ضد مشروع الحداثة وعطله فى الوطن العربى.

< كتابك «صوت الإمام... الخطاب الدينى من السياق إلى التلقي» أثار ضجة كبرى.. فماذا تقصد بالخطاب الدينى فيه، وما أهم النقاط التى أردت سردها فى مؤلفكم؟

 << كنت من أول الناس الذين اهتموا بالخطاب الدينى فى مصر، فقد أصدرت كتابًا قبل هذا الكتاب اسمه «صور من الخطاب الديني» قدمت فيه تحليلًا لبعض المفكرين البارزين فى الإسلام السياسى وفى الخطاب السياسى القبطى، ثم قدمت بعد

ذلك «صوت الإمام» عملت فيه تحليلًا للخطب المنبرية فى ضوء السياق وكيف يتلقاها الناس؛ فالخطاب الدينى هو مجمل النصوص والكلام والتوجهات التى تتحدث عن الدين وتدعو إلى الدين، فالدين يشكل العنصر الأساسى أو المحور الأساسى فيها. ويتخذ الخطاب الدينى أشكالًا كثيرة جدًا، يتخذ أشكالا نصية فى كتب، ويتخذ أشكالًا خطابية فى كلام، ويتخذ أشكالا رمزية فى صور، ويتخذ أشكالًا مختلفة فى التدفقات الخاصة به، فهو يتدفق عبر الوسائل المكتوبة والمسموعة والمرئية، ويأتى من أماكن مختلفة من المؤسسات الدينية مثل الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ويأتى أيضاً من الأفراد الدعاة المنتشرين فى أماكن كثيرة جدًا، فهذه المنظومة كلها اسمها الخطاب الدينى، فالكلام أو النصوص من الممكن أن تأخذ شكلًا مكتوبًا أو مقالًا التى تصدر عن هذه المؤسسات أو الأفراد وهى متفرقة ومتشعبة، والإعلام عمق هذه النصوص وخلق عبر سنوات عديدة مضت من دخول الدين فى المجال العام وظهور الجماعات الإسلامية، ومن قبل ذلك الثورة الإيرانية عام 1979، كل هذه التطورات جعلت الدين جزءًا من المنظومة حتى الإعلامية منها، وأصبح الخطاب الدينى يفرض نفسه على الخطابات الأخرى ويراقب الخطابات الأخرى ويطمس الخطابات الأخرى. ورسالة الكتاب أن الخطاب الدينى سيطر على بقية الخطابات فجعل الخطاب الليبرالى يهبط والخطاب القومى هبط، والخطابات الأخرى كلها هبطت أمام الخطابات الإسلامية المختلفة والأساليب التى يستخدمها مثل الاستبعاد والقهر، مما جعل الخطابات الأخرى تصل إلى مراحل من الخوف لأنه مع الانتشار الكبير للخطابات الإسلامية المختلفة انتشر الإرهاب أيضاً مثل محاولة قتل نجيب محفوظ ومن قبله فرج فودة، أى دخول التيار الإسلامى فى تحدٍ كبير جدًا إزاء الفكر التنويرى والفكر المتحرر، فأصبح الخطاب الدينى هو المهيمن والمسيطر على الخطابات الأخرى وبدأت الخطابات الأخرى تنزوى وتصبح موجودة على الهامش. ومن بين الأشياء التى يثيرها الكتاب أيضاً أن الناس تتلقى الخطاب الدينى بطريقتها، ولذلك عندما نطور الخطاب الدينى فلا نطور طريقة الوعظ، فالناس يفهمون هذا الوعظ بطريقة معينة حسب السياق الموجود فيه، وهذه هى الرسالة الأساسية فإذا أردنا التطوير فلا نتحدث على خطاب دينى أبدا بل لابد من تطوير السياق.

< وما رؤيتكم للعلاقة بين الدين والمجتمع وهل للدين دور اجتماعي؟

<< أؤمن تمامًا بأن الدين فى المجتمعات كلها مهم، ولا نستطيع إلغاءه، فكل المجتمعات بها دين، فالدين جزء أساسى من المجتمع، وعلماء الاجتماع كانوا يعتبرون أن الدين مهم جدًا فى تماسك المجتمع، لأنه هو الذى يخلق الروح الجماعية، والتماسك العام فى الحياة الاجتماعية، وهناك من يقولون إن الدين يلعب دورًا فى دفع الإنسان إلى العمل والقيم الفاضلة وإلى التماسك الاجتماعى، فالدين لم يكن أبدًا مصدرًا للقتال إلا عندما دخلت السياسة، حتى فى تاريخ الإسلام لم يكن الدين مصدرًا للاقتتال إلا لما دخلت المصلحة السياسية، فالدين مهم جدًا فى المجتمع ولكن أهميته تكمن فى أن يكون فى المجال الخاص وليس المجال العام، فالدين لله والوطن للجميع، فلا يتحول الدين إلى أن يكون جزءًا من المجال العام والنقاش العام وأن نبنى الدولة على أسس دينية، فالدولة لا تبنى أبدًا على أسس دينية، بل تبنى على أسس مدنية، فإذا وصلنا إلى ذلك فنستطيع أن نخلق علاقة متوازنة بين الدين والمجتمع، ولا ندخل بالدين فى السياسة، فالسياسة عالم نسبى والدين مطلق، فلا يجوز أن نقحم الاثنين معًا، فالسياسة «مدنسة» والدين «مقدس»، والسياسة تتصل بما هو علمانى دنيوى والدين يتصل بما هو أخروى، فلا يجوز خلط الاثنين معًا؛ فالدين جعل الإسلام السياسى يحدث الانكسارات الحداثية، فإنهم استخدموا الدين فى السياسة بشكل عميق.

< هل الإرهاب فكر معتنق أم فعل يمارس؟

<< الإرهاب فكر، بالإضافة إلى أنه تنظيم، يتبع توجيهات معينة وله أصول، ويعتمد على نظرية فى علم الاجتماع تسمى «الاختلاط الفاصل» بأن نأخذ بعض الجماعات التى لديها ميول متطرفة وعندها قدر من الحرمان، ونغذى بعضًا من هذه الأشياء داخل تنظيم معين، هذا التنظيم يمحى العقل القديم ويحل محله عقلًا جديدًا، لأن الجماعة هدفها قتل الناس والخلافة، فى كل الجماعات الإرهابية سواء كانت الجماعات الإسلامية أو غير الجماعات الإسلامية، ثم يخرج الشخص من التنظيم مبرمجًا مثل الآلة يفعل مايؤمره به، فالإرهاب جزء أساسى كبير جدًا فى الفكر.

< قضية المرأة وجدلية دورها الاجتماعى العام من المسائل التى يشتد حولها القلق فى الخطاب الإسلامى الحديث، فماذا عن نظرتك لهذه القضية، وهل المرأة مهضوم حقوقها فى الإسلام كما يدعى الغرب؟

<< المرأة أحد الأشياء التى يصنعها الخطاب الإسلامى المتطرف والجماعات الإسلامية؛ إنه يضع المرأة دائمًا فى مكانة أدنى من الرجل ويحاول أن يلوى عنق حتى النصوص الإسلامية، فالإسلام لا يفرق كثيرا بين الرجل والمرأة حتى عندما نحلل قضايا الميراث نجد أن فيها تفاصيل داخلية، وفيها مساواة بل فيها تحيز للمرأة، فهو يحاول أن يصنع سيطرة ذكورية، فهناك علاقة وثيقة بين التطرف والذكورية والتيارات الإسلامية، لأنه يريد خلق مجتمع ذكورى، يسيطر على المرأة فى جسدها وحركتها فى الحياة وفى مشاركتها فى المجتمع، وأن السيطرة على المرأة وتهميش دورها فى الحياة لإحدى الاستراتيجيات الأساسية المرتبطة بانكسارات الحداثة، لأن الحداثة تساوى بين الرجل والمرأة، وخير دليل على ذلك مافعلوه فى أفغانستان، فقد حولوا المرأة إلى سلعة مثل ما تفعله الرأسمالية المشوهة، والتى تسلع جسد المرأة، وهذا قمة العلمانية وهذا قمة التطرف، فالاثنان يؤذيان المرأة، فهذا يسلع وهو نفسه يغلفها ويهمشها ويجعلها فى آخر الركب. ولذلك يجب أن تقدم دراسات على الميول النفسية للاتجاهات الإسلامية المتطرفة وليس الميول الاجتماعية فقط، فعندما نتعمق من ناحية علم النفس قد نكتشف انحرافات نفسية كبيرة، فنحن نحتاج إلى أن نتعمق فى دراسة الفكر الإسلامى المتطرف حتى نكتشف بعض أشكال الانحراف داخله عن الطريق السليم فيما يسميه ابن خلدون بـ«العمران الاجتماعي» السليم، فهم يصنعون «عمران بشرى مختلف»؛ فالعمران البشرى يشترك فيه الرجل والمرأة، لكنهم يريدون عمران ذكورى فقط، فهم يؤمنون بالخطاب الإسلامى الماضوى الذى يرمى المجتمع الإسلامى فى أحضان التاريخ ولا يهتم بالمستقبل ويصنع انعكاسية ماضوية، أى أن التأمل دائمًا أن الماضى أفضل من الحاضر وجزء من هذه المنظومة هو المرأة.

 

< فى حديث سابق لك قلت إننا نحتاج إلى ثورة ثقافية لتغيير عقول الناس فماذا تقصد بذلك؟ وهل المؤسسات الثقافية لدينا قادرة على إحداث هذا التغيير؟ وما تقييمك لأداء هذه المؤسسات؟

 <<لا أريد تقييم المؤسسات الثقافية، لأننا لا نستطيع تغيير العقول بقرارات ولكن بالعمل على تغيير المؤسسات التى تبنى العقول وأولى هذه المؤسسات الأسرة وذلك عن طريق تغيير المنظومة الأسرية وتعليم الآباء كيف يستطيعون تربية الأطفال، وكيف يتم غرس قيم المواطنة، وكيف يبنى عقل الطفل على أساس نقدى وتعددى ولا يكون تفكيرًا أحاديًا، بل لابد من غرس قيم التعددية وأن المجتمع مفيد للجميع، وأن المجتمع له علينا حقوق ولابد من العمل لأجله. فالأسرة هى الأساس لظهور النزاعات التى بها شكل من أشكال التطرف للجنس والعرق. ولذلك أقول إن بناء العقل لابد من أن يبدأ فى الأسرة ثم فى مؤسسات التعليم؛ فالتعليم تحول فى كثير من المجتمعات ومنها مصر إلى مجرد منح شهادة، وأصبح تعليمًا تجاريًا وأصبح تعليمًا مسلعًا، وأصبح يتم تخصيص ميزانية ضخمة للدروس الخصوصية وتوجيه الأولاد إلى المدارس الخاصة وأصبح التعليم متنوعًا ومختلفًا، فالمؤسسة التعليمية لها دور كبير جدًا فى بناء العقل الناقد، ثم تأتى بعد ذلك المؤسسات الأخرى سواء كانت مؤسسات إعلامية أو مؤسسات ثقافية لبناء ما يسمى بـ«الذائقة الجمالية»؛ فلم نر قبل ذلك فنانًا متطرفًا، لأن الجانب الفنى يجعل الجمال يرقى، فالفنون بأشكالها وأولها الشعر والرواية والأدب بأنواعه المختلفة والمسرح، كل ذلك يرقى ذائقة الجمال، وعندما ترقى هذه الذائقة فى الإنسان تسمو روحه وتتجلى، وتهبط الغريزة ويرتقى العقل. فبناء العقل والنفس والوجدان يجعل التطرف يضمحل. وهذه المؤسسات نسميها فى علم الاجتماع مؤسسات «تكوين الالتزام» تكوين المواطن.، فالفكر المتطرف يدخل الإنسان فى حالة انعدام الذائقة الجمالية، ويصبح الإنسان مهيئًا لأى شىء، ولذلك نجد كثيرًا من أنماط التدين الموجودة هى أساليب حياة وليست تدينًا.

 <ماذا عن مشروعك الفكرى الذى تحلم به؟

<< مشروعى الفكرى قدمت جزءًا كبيرًا منه، فى رسالة الماجستير، فقمت بتقديم نقد للنظريات الغربية، وكان هدفى الأساسى عمل دراسات واقعية فى المجتمع المصرى تكشف عن خصوصية المجتمع المصرى وعن أهم الموضوعات، والحمد لله استطعت فتح مجالات بحثية لم يكن أحد قد طرقها من قبل، مثل دراسات النخبة والصفوة السياسية، ودراسات الرأسمال الاجتماعى، وأول دراسة قمت بها عن هذه القضايا، ودراسات الاستهلاك والمنظومات الاستهلاكية، ودراسات العنف فى الحياة اليومية بشكل عام، ولذلك فتحت آفاق للعلوم الاجتماعية ولعلم الاجتماع مختلفة، وفى الوقت نفسه تطوير بعض الأطروحات النظرية؛ وحاليًا كان جزءًا من المشروع الفكرى أن يكون لدى مساهمة فعالة فى الحياة العامة، وألا يكون الباحث فى العلوم الاجتماعية منغلقًا على نفسه، بل يشارك فى المؤتمرات والكتابة الصحفية، ولا يفقد عقله أبدًا، عقله وفكره وقناعاته الفكرية تكون مسيطرة دائمًا عليه، وألا يسرق أحد عقله، وأن يكون الباحث منفتحًا على العالم ومساهمًا مساهمة فعالة ومشاركًا حقيقيًا فى صناعة تكوين البشر. ثم الزاوية الثالثة وهى تكوين الطلبة بشكل مختلف عن التكوين الجامعى، بعيدًا عن القهر، حيث إن الطالب يتعلق بأستاذه مثل الشيخ والمريد، فأردت تغيير وتفكيك هذه العلاقة، فقدمت منذ 15 عامًا «منتدى القراءة» وهو منتدى فكرى يجمع الشباب وبعض الشيوخ ونقرأ فيه نصوص فلسفية، وروايات، وشعر، ونقوى عقولهم ونربى لديهم ملكة المعرفة والقراءة وحب العلم ومكنة المعرفة بأن تكون لديهم رغبة دائمة فى التعلم. لدى أيضاً ارتباط بالقرية وهمومها إلى الآن، فقدمت جائزة للمتفوقين فى القرية بعد أن حصلت على جائزة الدولة التقديرية وجائزة الدولة للتفوق فى 2005.

أهم الاخبار