رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مسرحية تجميد ثروة عائلة المخلوع في الخارج

ثابت عيد

الثلاثاء, 23 أغسطس 2011 13:48
بقلم: البروفيسور ثابت عيد

قبل البدء..أحيانا تكون الكتابةُ السياسيّة مشاهد ساخرة، كقوالب كتابية لتصل بالقارئ إلى أن يعيش الموقف؛ وإن كانت مشاهد المخلوع كلها مساخر، من الافتقاد إلى التخطيط في كافة مناحي الدولة، وبيع الغاز لإسرائيل بثمن بخس، وبيع القطاع العام للمحاسيب" الخصخصة" ووضع "أهل الثقة" بدلا من "أهل التخصص" في مفاصل "الدولة المباركية"

تمهيدا للتوريث، ووضع المفسدين في المحليات والمشروعات الكبرى، ولجنة السياسات، وتزييف الانتخابات البرلمانية في فضيحة لم يكن يتوقّع المخلوعُ أنها ستأتي برقبته إلى المقصلة.. وأن يُحاصَر في "قصر العروبة" وكان قد أعطى الأوامر للحرس الجمهوري بفتح النار على شباب مصر الثائر.. ولم يعلم أن يقظة الشعب المصري انتبهت إلى المكيدة .. وتتوالى الفضائح التي كانت أقرب إلى أدوار في مسرحية هزليةعن اللحظات الأخيرة للمخلوع على عرش المحروسة ..

وهذه مشاهد مسرحية عن:

قبلَ فرارِه إلى شرم الشّيخ حرص المخلوع مبارك على تنصيب بعض تلامذته المخلصين من أفراد العصابة في مناصب رفيعة مؤثّرة، من أجل مواصلة تنفيذ مخطّطاته الصّهيونيّة الشّيطانيّة، وألاعيبه الإمبرياليّة الجهنميّة. قبل الرّحيل إلى شرم الشّيخ.

مبارك: اسمع يا شفيق، لابد أن تُصدر أوامرك إلى أبي الغيط ليسحب لي كلّ أموالي من أمريكا وإنجلترا بالذّات. مفهوم؟!

شفيق: تمام يا أفندم. أنكتفي بأمريكا وإنجلترا؟

مبارك: نعم. الدّول الأخرى ليس عندي فيها إلّا شوية ملاليم؟!!

شفيق مستغربًا: يا سيادة الرّئيس، حساباتك في سويسرا تحتوي على مئات الملايين من الدّولارات!!

مبارك: هذه ملاليم، بالنّسبة لي، يا شفيق. أنا لا أتحدّث إلّا بالمليارات. أنسيت يا شفيق مَن أنا؟ أنا حسني مبارك رئيس مصر وحاكمها المطلق!!

شفيق مرتبكًا بعد سماعه هذا الكلام الصّاعق: ... نعم، نعم ... تمام يا أفندم!!

مبارك: أنا معظم ثروتي عند حبايبي وأصدقائي في إسرائيل. هناك فقط أشعر بالأمان. أمّا سويسرا وغيرها، فلا أحتفظ بها إلّا بمبالغ صغيرة، يعني "بوكت ماني"، أو مصاريف جيب، عندما تسافر سوسي، أو چيمي إلى چنيف أو زيورخ ...

شفيق: تعني السّيّدة سوزان، والأستاذ جمال؟

مبارك: بالضّبط.

شفيق: إذًا سأنفّذ كلّ أوامرك فورًا، يا سيادة الرّئيس.

ثمّ يقوم بأداء التّحية العسكريّة إلى قائده، ورئيس العصابة، وكأنّهما مازالا في ساحة المعركة!!

شفيق: آلو، اسمع يا غيط ...

أبو الغيط: آلو، أنا اسمي أبو الغيط، لا داعي لقلّة الأدب!!

شفيق: معك اللّواء أحمد شفيق، رئيس مجلس

الوزراء.

أبو الغيط ينتصب واقفًا: تمام يا أفندم، معك الغيط!!

شفيق: أنا أصدرت أمرًا عسكريًّا بأن تقوم أنت بالإشراف على سحب جميع أموال القائد من أمريكا وإنجلترا فورًا.

أبو الغيط: تمام يا أفندم. لكن الرئيس عنده أموال كثيرة في سويسرا أيضًا.

شفيق: أنت لا تفهم؟ أقول لك في إنجلترا وأمريكا فقط!!

أبو الغيط: نعم، نعم، كلّه تمام يا أفندم!!

يسارع أبو الغيط بالاتّصال بهيلاري كلينتون، وزميله الآخر وزير خارجيّة إنجلترا، ويرجوهما تقديم الغطاء السّياسيّ اللّازم من أجل سحب جميع أموال عائلة مبارك فورًا.

لكنّه يقابل معارضة قويّة، نظرًا إلى الضّغوط الّتي تتعرض لها الحكومات الغربيّة من قبل الرّأي العامّ الغربيّ، لمساندة الشّعب المصريّ في صراعه من أجل استرداد حقوقه.

يفكّر وهلة. ثمّ تخطر على باله حيلة رخيصة. عرض عليهما تمثيلة بسيطة: أن تقدّم مصر طلبات بتجميد حسابات لمسؤولين مصريّين سابقين تخلو من عائلة مبارك. حينئذ يسهل إقناع الرّأي العامّ بالسّماح بسحب أموال عائلة مبارك!! وافق وزيرا خارجيّة إنجلترا وأمريكا.

وانطلت الحيلة على معظم ثوّار مصر، خاصّة في ظلّ انشغال الجميع بنصرة الثّورة، والاستبسال في تحقيق مطالبها.

التّليفون يرنّ:

مبارك: نعم!

شفيق: سيادة الرّئيس، معك اللّواء أحمد شفيق.

مبارك: نفّذت الأوامر؟

شفيق: كلّه تمام يا أفندم!!

مبارك: كيف، ومتى، وأين؟

شفيق: أمريكا وإنجلترا موافقتان على سحب أموالك.

مبارك: هذا خبر أبيض في يوم أسود!!

شفيق: لكن المطلوب الآن توقيع توكيل للغيط، أو أي شخص آخر، ليقوم بإنجاز هذه المهمّة.

مبارك: ممتاز. ابعث لي الولد الغيط، ومعه توكيل، لكي أوقّعه له. ويمكنه بعد ذلك استخدام طائرتي الخاصّة لتنفيذ هذه المهمّة!!

شفيق: كلّه تمام، يا أفندم.

يسارع أبو الغيط بالسّفر إلى شرم الشّيخ ومعه توكيل بنكيّ باللّغة الإنجليزيّة، ليوقّعه المخلوع له، من أجل سحب الأموال المنهوبة من إنجلترا وأمريكا، قبل تجميدها.

في قصره على البحر جلس الرّئيس المخلوع يستمتع بنسمة هواء جميلة، متناسيًا المظاهرات الّتي اشتعلت ضدّه في جميع أنحاء مصر. يصل أبو الغيط.

مبارك: تعالَ، يا غيط!!

أبو الغيط كاتمًا غيظه من تهكّم رؤسائه

عليه، وتسميته «غيط»: تمام يا أفندم!!

مبارك: أين التّوكيل، لأوقّعه لك؟

أبو الغيط: ها هو!

مبارك يوقّعه، ثمّ يسلّمه لأبي الغيط، قائلًا: سأسمح لك باستخدام إحدى طائراتي الخاصّة لتنفيذ هذه المهمّة. أريدك المرور سريعًا على زيورخ، لتحضر لي طلبيّة شيكولاتة من محلات شبرونجلي الشّهيرة في ميدان برادا بلاتس، أمام المقرّ الرّئيسيّ لبنك كريدت سويس. مفهوم يا غيط؟!!

أبو الغيط مرتعشًا: نعم. نعم، كلّه تمام!!

ينصرف أبو الغيط، فيسارع زعيم العصابة بالاتّصال باللّواء أحمد شفيق:

مبارك: اسمع يا شفيق ...

شفيق: نعم، يا أفندم، مُرني!!

مبارك: أريدك أن تصدر أوامر غدًا، بعد عودة الغيط من أمريكا وإنجلترا، بتقديم طلبات رسميّة من النّائب العامّ لكي تقوم الدّول الغربيّة بتجميد ثروة حسني مبارك!!

شفيق: تمام يا أفندم. لكن علينا أن ننتظر أوّلًا وصول الغيط، ومعه كلّ المبالغ الّتي أودعتها في بنوك أمريكا وإنجلترا، قبل إصدار أيّ أوامر أخرى.

مبارك: شاطر يا شفيق، طول عمرك مخلص!!

شفيق مؤديًا التّحية العسكريّة، برغم وجوده في القاهرة بعيدًا عن شرم الشّيخ: تمام يا أفندم!!

في صباح يوم الاثنين الموافق الحادي والعشرين من فبراير تتناقل وسائل الإعلام العربيّة خبرًا عاجلًا يقول:

"في مفاجأة متوقعة... تجميد ثروة مبارك وعائلته بالخارج".

اتّصل مبارك بشفيق:

مبارك: شكرًا يا شفيق على كلّ ما قمت به من أجل استرجاع أموالي وثروتي من أمريكا وإنجلترا. أريد الآن إصدار أمر جديد: لابدّ أن تكلّف مكتبَ محاماة مرموق بالدّفاع عنى من أجل استرداد أموالي المتبقية في سويسرا. لفّق لهم أي أوراق رسميّة، بختم مجلس الوزارة، أو حتّى رئاسة الجمهوريّة من عزمي. ثمّ يحصل مكتب المحاماة على ١٠٪ من الأموال المستردّة من سويسرا، والباقي لك!!

شفيق متأثّرًا: شكرًا، شكرًا، سيادة الرّئيس. هذا كرم منك. أعدك بالاستبسال في الدّفاع عنك. العيال الّذين قاموا بالثّورة سنظلّ نلاعبهم، حتّى نلتفت حول ما يسمّونه ثورة، ونقضي عليها. وعندئذ سوف تعود بإذن اللّه من شرم الشّيخ، مكرّمًا معزّزًا رئيسًا للبلاد والعباد!!

مبارك: شكرًا يا شفيق، طول عمرك مخلص!!

يعود أحمد شفيق إلى مكتبه. يصدر أوامره العسكريّة - متجاهلًا أنّه يقوم بأعمال رئيس حكومة مدنيّة، لكنّ هذا هو حال العسكر، حياتهم تتكوّن من اثنين لا ثالث لهم: إصدار الأوامر وتنفيذها - يصدر شفيق الأوامر بإجراء بعض الحركات البهلوانيّة لكسب تعاطف ضعيفي النّفوس من الشّعب المصري:

قرّر تعيين بعض الوزراء الجدد. حرص على إرضاء الأقباط بتعيين واحدة منهم في منصب "وزيرة الهجرة والمصريّين في الخارج".

نجحت اللّعبة. تمكّن شفيق من تخدير نسبة من المصريّين الّذين صاروا متردّدين: أيواصلون احتجاجاتهم من أجل تطهير البلاد، أم يتركون شفيق يحكم!!

بيد أنّ غالبية المصريّين فهموا اللّعبة. ولم يتأثروا بها، بل زاد إصرارهم، وتضاعفت عزيمتهم، وجعلوا يصيحون:

"يسقط شفيق، يسقط عزمي، يسقط سليمان، يسقط الغيط"!!

قرّر شباب ثورة مصر المشاركة في ثورة مليونيّة في ميدان التّحرير غدًا، بهدف إجبار الحليف الأكبر للرئيس المخلوع: أحمد شفيق على التّنحي.