رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اللواء أ. ح حسام سويلم يواصل الحديث عن تجديد الخطاب الديني (10)

"الإرهابية" تروج مفاهيم باطلة عن الهجرة

تحقيقات وحـوارات

الثلاثاء, 27 يناير 2015 07:01
الإرهابية تروج مفاهيم باطلة عن الهجرة

جاء الأمر بالهجرة إلى الله في آيات القرآن مرتبطاً بمجاهدة النفس حتى يتجنب المسلم المعاصي والآثام وينعم بطاعة الله وفضله..

وعرفت الأحاديث الشريفة معنى الهجرة بأنها (هجرة الفواحش ما ظهر منها وما بطن).. كما عرفت المهاجر بأنه (من هجر ما نهى الله عنه).. ومعنى (الهجرة) إذن كما جاء في الآيات والأحاديث هو الهجرة من النفس والهوى والشيطان.. إلا إن الجماعات المتطرفة والإرهابية راحت تروج للعديد من المفاهيم الباطلة التي تدعو إلى الهجرة بمعنى انتقال المسلمين من مكان إلى آخر ومن بلد إلى آخر تحت شعارات إقامة الدولة الإسلامية أو الخلافة المزعومة.
وفي الحقيقة فإن المفهوم الصحيح للهجرة الذي يرتبط بجهاد النفس واضح أشد الوضوح ولا يخفى على أي مسلم حريص على معرفة الحق واتباعه.. ولكن المروجين للفتنة تعمدوا تطويع معنى الهجرة والانحراف به من أجل تبرير مسلكهم في تكفير المجتمعات الإسلامية القائمة التي يصفونها بأنها (دار للحرب) والدعوة إلى الهجرة منها وإسقاطها وهدمها ونشر القتل والدمار والخراب في أرجائها وإقامة ما يسمونه (دار الإسلام).. ولا يستهدف دعاة الفتنة من وراء هذه المزاعم سوى السيطرة على الحكم والسلطة والتحكم في البلاد والعباد استغلالاً للشعارات الإسلامية كالجهاد والهجرة وغيرهما.
وكما سوف نوضح فإن الآيات والأحاديث التي تأمر بالهجرة لا تخرج كلها عن دعوة المسلم إلى جهاده لنفسه للالتزام بالطاعات والبعد عن المعاصي.. وهي تستهدف - مثل كل آيات القرآن - هداية النفس الإنسانية إلى الله تعالى مصداقًا لقوله عز وجل (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) 9 الإسراء.
التضارب بين المفاهيم الباطلة للهجرة التي يروج لها دعاة التطرف..
تروج الجماعات المتطرفة للعديد من المفاهيم الباطلة والمتضاربة للهجرة.. ويختلف تعريف كل جماعة من هذه الجماعات للهجرة باختلاف أهدافها وظروفها وأساليبها.. ومن بين المفاهيم المتضاربة للهجرة وتروج لها الجماعات المتطرفة والفرق ما يلي:
(1) مفهوم جماعة التكفير والهجرة: ظهرت هذه الجماعة في السبعينيات من القرن الماضي – وكان زعيمها شكري مصطفى ينتمي للإخوان المسلمين وسجن معهم لسنوات طويلة – وتزعم هذه الجماعة أن هناك ثلاثة أنواع من الهجرة هي: هجرة الأمن (التي يهاجر المسلم فيها إلى مكان لا يظلم فيه) وهجرة الإيمان (كهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة) وهجرة آخر الزمان (التي يهاجر المسلمون فيها إلى أرض الشام).. ودعت هذه الجماعة أتباعها إلى الهجرة إلى الجبال في محافظة المنيا من أجل التجمع والتدريب والاستعداد ثم الخروج لمقاتلة أرض الكفر في مصر وإقامة الإسلام فيها على زعمهم.. وقد ذكر زعيم الجماعة في عرضه لفكر الجماعة أمام المحكمة العسكرية عام 1977 أن خطتها تتمثل في (ضرورة الهجرة إلى الجبال ثم يبدأ القتال دفاعيًا ثم هجوميًا تبعًا للواقع).
(2) فتوى الشيخ ناصر الدين الألباني بالهجرة من الضفة الغربية وتركها لليهود: أفتى الشيخ الألباني بضرورة أن يهاجر المسلمون من أي أرض لا تطبق فيها الشريعة الإسلامية إلى أي بلد إسلامي آخر تقام فيه الشريعة على حد زعمه.. وعندما سأله أحد الحاضرين – وهو مسلم من الضفة الغربية – هل يجوز أن يخرج أهل الضفة الغربية إلى بلد ثانٍ؟.. أفتى الشيخ الألباني بقوله (يجب أن يخرجوا.. يا أخي يجب أن يخرجوا إلى الأرض التي يتمكنوا فيها من القيام بشعائرهم الإسلامية.. أنا أعرف أنك تريد أن تقول إنهم لو تركوا الضفة الغربية وراحوا إلى بلد ثانٍ فلقد مكن الأعداء من الأرض.. ولكن ما رأيك: المهاجرون الأولون الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ماذا فعلوا؟؟.. أخلو المكان للكفار أم لا؟).. وعندما حاول السائل أن يراجع الشيخ الألباني في هذه الفتوى لخطورة ما يترتب عليها من تمكين اليهود من باقي الأراضي الفلسطينية قال له الشيخ الألباني (إن هذا هو حكم الشرع وعلى المسلم أن يخضع عقله لشرعه)! راجع الفتوى في كتاب (فتاوى الشيخ الألباني) تأليف الشيخ عكاشة عبدالمنان الطيبي – مكتبة التراث الإسلامي بعابدين 1994.
(3) مفهوم جماعة (داعش) للهجرة: بعد تمكن الإرهابيون بمساعدة بعض الدول الأجنبية المعادية من بسط سيطرتهم على مناطق واسعة في العراق والشام وإنشاء ما سموه بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) التي تضم أعدادًا كبيرة من المرتزقة الأجانب الذين يحاربون البلاد الإسلامية ويدمرونها ويخربونها تحت شعار الجهاد.. راحت جماعة (داعش) تدعو الجماعات المتطرفة في البلاد الإسلامية المجاورة إلى الهجرة والانضمام إلى المقاتلين في هذه المناطق لإنشاء ما سموه بدولة الخلافة والمشاركة في المجازر والخراب والدمار التي تمارسه هذه الجماعات على أرض سوريا والعراق.. وكذلك من أجل التدريب واكتساب المهارات العسكرية التي تمكنهم من محاربة أوطانهم الأصلية عند عودتهم إليها لهدمها وتدميرها أيضًا تحت نفس الشعارات الدينية.. ويزعم هؤلاء الإرهابيون أن الهجرة إلى الشام اليوم للانضمام إلى الجماعات الإرهابية هي (هجرة آخر الزمان) ويزعمون أن هذه هي هجرة سيدنا إبراهيم التي أشار إليها الحديث الشريف (ستكون هجرة بعد هجرة وخياركم أقربكم إلى ما هاجر إبراهيم).. وسوف نقوم بالرد على ذلك الزعم وكشف بطلانه إذ إن هذا الحديث يتحدث عن جهاد النفس في أعظم صورها وتوجه القلب بالتسليم الكامل للخالق عز وجل ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالهجرة من بلد إلى آخر ولا بتلك المجازر التي يمارسها هؤلاء الإرهابيون على أرض الشام تحت شعارات الهجرة والجهاد.
< المعنى الصحيح للهجرة
إذا أردنا أن نعرف معنى (الهجرة) في ضوء الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة فسندرك أن الهجرة هي هجرة النفس والهوى والشيطان.. وأنها ترتبط بجهاد النفس.. وأن الهجرة لا تعني – كما يروج أصحاب المفاهيم الباطلة - الانتقال من مكان إلى مكان.. وتتبين هذه الحقيقة من الآيات القرآنية العديدة ومن بينها ما يلي على سبيل المثال:
(1) قوله تعالى (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) 26 العنكبوت.. فالهجرة في هذه الآية

تعني الهجرة إلى الله تعالى وليس هجرة المكان.. فحاشى لله أن يحده مكان.
(2) قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) 99 الصافات.. فالذهاب إلى رب العالمين لا يعني الذهاب إلى مكان خاص وإنما يعني الهجرة إلى الله تعالى بالقلب السليم الذي ينعم بالقرب من الله عز وجل ورضائه.
(3) قوله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) 50 الذاريات.. فالفرار إلى الله تعالى لا يعني الفرار إلى الجبال والكهوف كما يزعم أصحاب المفاهيم الباطلة.. وإنما هو الفرار إلى الله تعالى مما سواه من النفس والهوى والشيطان.
(4) قوله تعالى (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) 5 المدثر.. فالهجرة في هذه الآية
هي هجرة الرجز وهو ما يدنس النفس بالمعاصي والآثام.. وليست هجرة المكان.
ويتبين أيضًا هذا المعنى الصحيح للهجرة في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة ومن بينها على سبيل المثال ما يلي:
(1) يعرف سيدنا رسول الله معنى الهجرة بأنها (هجرة الفواحش ما ظهر منها وما بطن).. وقد ورد ذلك التعريف في الحديث الشريف (الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضرمة) وهذا التعريف الواضح والمحدد يبين أن الهجرة هي هجرة النفوس للفواحش.. فإذا هجر الإنسان الفواحش ما ظهر منها وما بطن، كان مهاجرًا بغض النظر عن المكان الذي مات فيه.
(2) يقول الحديث الشريف (لا هجرة بعد فتح مكة) وهذا الحديث الصحيح الذي ورد في البخاري عن مجاشع بن مسعود يقطع ببطلان كل المزاعم التي يرددها دعاة الإرهاب والتطرف عن وجوب هجرة المسلمين من مكان إلى آخر.. فالحديث يقطع بأنه لا هجرة بعد أن فتح الله على المسلمين ونصرهم بفتح مكة.
(3) يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم).. وفي هذا الحديث الصحيح الذي ورد في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن الحارث بن زياد يخاطب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام ويبين لهم أن المسلمين سوف يفدون عليهم من كل صوب وحدب ليهتدوا على أيديهم ويأخذوا عنهم أمور دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويتعلموا العلم ويطلبوا المعرفة من نجوم الهداية من صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وهذا هو معنى الهجرة في قول حضرته (إن الناس يهاجرون إليكم).. ولقد تحقق ذلك بالفعل بعد انتقال الرسول فكان المسلمون الذين يطلبون العلم يسافرون ويرتحلون إلى الكوفة والمدينة ومصر طلبًا للعلم في دينهم على أيدي الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.. ولعل ذلك يبين بوضوح أيضًا معنى الهجرة.. فهي هجرة في طلب العلم والدين ونشر دعوة الهداية وليس لها علاقة بالمفاهيم الباطلة والمخربة التي تدعو إلى انتقال المسلمين من بلد إلى بلد أو من مكان إلى مكان لمقاتلة المسلمين وتدمير البلاد وإسالة الدماء بدعوى إقامة الخلافة والدولة الإسلامية المزعومة.
< تحريف معنى الهجرة ومزاعم تقسيم البلاد لدار حرب ودار إسلام:
ارتبطت المفاهيم الباطلة التي تروج لها الجماعات المتطرفة عن معنى الهجرة بمزاعم هذه الجماعات عن تقسيم البلاد إلى (دار للحرب ودار للإسلام).. وكما أوضحنا في مقال سابق، فإن هذا التقسيم ليس له أي دليل على الإطلاق من القرآن والسنة الشريفة وإنه مجرد تبرير لتكفير المجتمع (الذي يصفونه بأنه مجتمع جاهلي) ودعوتهم إلى مقاتلته وتخريبه، كما أورد سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) من دعوة المسلم إلى قتال المجتمع الذي يعيش فيه والذي يصفه بأنه دار للحرب، حيث يقول بالحرف الواحد في صفحة 150 (وعلاقة المسلم بدار الحرب إما القتال وإما المهادنة على عهد أمان)!.. كما دعا أتباعه صراحة إلى محاربة كل صور الانتماء لهذا المجتمع الذي يعيشون فيه وحرمانه من أي نشاط أو عمل أو خبرة أو كفاءة تؤدي إلى تنميته وتقويته فقال في صفحة 56 إن عليهم أن (يخلعوا ولاءهم من التجمع الحركي الجاهلي).. وأن (تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي) وألا يكونوا (خلايا حية تمده بعناصر البقاء والاستمرار.. أو أن يعطوه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى)!!.
وكما هو واضح فإن هذه الجماعات الخارجة تعمل على تطويع الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تأمر بالهجرة وجهاد النفس وتحريف معانيها ومقاصدها في الهداية لاستغلالها في صراعها للسيطرة على الحكم والسلطة.. إذ إن الأمر بالهجرة هو أمر دائم لكل مسلم.. وهو يرتبط بجهاده لنفسه لتكون طائعة للمولى عز وجل وتبتعد عن المعاصي والمحرمات والمخالفات.. وليس هناك أي أمر للمسلم بمغادرة الأرض وترك الأهل والديار كما يزعم دعاة الفتنة.
< الهجرة وجهاد النفس تكليف شخصي لكل مسلم:
عندما نعود إلى آيات القرآن نجد أن العديد من الآيات يرتبط فيها الإيمان والهجرة وجهاد النفس.. ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالي (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ
أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) 73 الأنفال.. (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ
أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) 74 الأنفال.. (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) «التوبة 20».
وتبين آيات القرآن أن تكليف الله للإنسان بالعبادة والطاعة هو أمر شخصي لكل إنسان يحاسبه الله عليه يوم القيامة كما يتبين من قوله تعالى (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا. اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الإسراء.. والمؤمن الطائع كما تبين الآيات التي أوردناها لابد أن (يهجر) الفواحش وأن (يجاهد) نفسه للاستمرار على هذه الطاعة.. ويتبين من ذلك أن الهجرة هي سلوك لا بد أن يلتزم به كل مؤمن وأنه لا بد أن يرتبط بجهاد النفس حتى يحفظ المؤمن تقواه ويستمر في طاعته لله تعالى وبعده عن المعاصي والمخالفات.
ولقد بينت الأحاديث الشريفة أن المسلم لا بد أن يهجر (ما نهى الله عنه).. فإذا صدقت وجهته إلى الله تعالى واستمر في مجاهدته لنفسه فإن الله تعالى ينصره على نفسه ويزيده هدى وتقوى كما يقول الله تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) 17 الأحقاف.. فإذا استمر المؤمن في هجرته وجهاده لنفسه وصدق الوجهة لله تعالى فإنه ينعم بالقرب من الله تعالى وتصبح نفسه كلها متوجهة إلى الله عز وجل.. ولقد بين حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في حديثه الشريف (إن الهجرة خصلتان إحداهما أن تهجر السيئات والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله) وفي هذا الحديث يبين سيدنا رسول الله أن هناك من المؤمنين من يهاجرون بترك السيئات وهجرها والابتعاد عنها.. وأن هناك من المؤمنين من ينعم الله ويتفضل عليهم بهجرة نفوسهم إلى الله عز وجل ورسوله فلا يقولون قولًا أو يعملون عملًا إلا ابتغاء مرضاة الله.
كما بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف أن الإنسان يجب أن يكون (مهاجرًا) إلى الله ورسوله في كل عمل يؤديه حتى يتقبل الله منه هذا العمل بصدق نيته وصدق وجهته وألا ينشغل عن الله تعالى بمشاغل الدنيا من مال أو أهل، حيث يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).. ولنا الأسوة الحسنة في حضرات الصحابة الذين كانت حياتهم كلها هجرة إلى الله تعالى فقد صدقت وجهتهم وكان مقصدهم في أعمالهم وأقوالهم هو «طاعة» الله ورسوله والتماس رضوان الله عز وجل ومغفرته وجبرانه.. كما صرفوا حياتهم في هداية الناس وتعليمهم أمور دينهم وكانوا مصدرًا للعلم والمعرفة للمؤمنين الذين يشدون إليهم الرحال قادمين من كل أقطار الأرض ليأخذوا عنهم العلم ويهتدوا على أيديهم الشريفة وتستنير قلوبهم بنور المعرفة بالقرآن والسنة الشريفة وقد أوصى سيدنا رسول الله صحابته الكرام بهؤلاء المؤمنين في الحديث الشريف (إن الناس لكم تبع وإن رجالًا يأتوكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا).
فهذه هي هجرة الصحابة.. وهجرة المؤمنين الذين شدوا الرحال من أقطار الأرض للتفقه في الدين على أيدي الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين.. وهي هجرة في طلب الهداية والعلم والمعرفة الإلهية.. ولقد بين الحديث الشريف (ستكون هجرة بعد هجرة وخياركم أقربكم إلى ما هاجر إبراهيم) إن خيار المؤمنين هم أقربهم في هجرتهم إلى ما هاجر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما جاء في قوله عز وجل (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) «الصافات 99» الصافات.. وبينت آيات القرآن أن هذه الهجرة ترتبط بالتسليم الكامل والقلب السليم كما يقول تعالى (إذ جاء ربه بقلب سليم) الصافات.
< آيات القرآن وسيرة الرسل تبطل مزاعم هجرة الأرض والأهل..
تتعارض مزاعم دعاة الفتنة عن وجوب الهجرة وترك الأرض والأهل والديار تعارضًا كاملًا مع آيات القرآن ومع القصص القرآني عن حضرات الرسل وسيرة حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبين ذلك مما يلي:
(1) يقول المولى عز وجل (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) «لقمان 15».. فهذه الآية القرآنية لا تأمر الابن المسلم بأن يترك والديه المشركين ويهاجر بعيدًا عنهما.. بل تأمره بأن يبقى معهما ويصاحبهما بالمعروف حتى ولو كانا يجاهدانه على الكفر فلا يطيعهما ولكنه يستمر في معاملتهما ومصاحبتهما بالمعروف.. فأين ذلك من مزاعم هذه الجماعات التي تدعو إلى مفارقة الأهل والديار رغم أنهم مسلمون يؤدون كل الفرائض؟.
(2) تبين آيات القرآن في قصص الرسل أن حضراتهم كانوا يعيشون بين أقوامهم من الكفار وفي البلاد التي يسيطر عليها هؤلاء الكفار.. ولم تذكر الآيات أن أي رسول قد ترك بلده بدعوى عدم جواز العيش في أرض الكافرين!.. بل كان حضرات الرسل يستمرون في دعوة أهلهم وأقوامهم إلى دين الله متحملين في سبيل ذلك كل الصعوبات وصابرين على اعتراض قومهم وتكذيبهم وإنكارهم.. ولقد ظل سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ليلًا ونهارًا سرًا وجهرًا ولم يترك هذه الأرض حتى جاء الطوفان كما يقول تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) «العنكبوت 14».. فإذا كان حضرات الرسل هم الأسوة الحسنة لكل مسلم فمن أين يأتي هؤلاء الخوارج بهذه الأحكام التي تتعارض مع سيرة الرسل وآيات القرآن؟.
(3) إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر من دخلوا الإسلام من أبناء القبائل التي تسكن خارج المدينة المنورة بأن يترك كل منهم بلده وأهله ويهاجر إلى المدينة.. بل كان حضرته يبعث برسله إلى هذه القبائل في أماكنها لهداية الناس وتعليمهم أمور دينهم.. كما كان يشاركهم في دعوة الهداية أيضًا المؤمنون من أبناء هذه القبائل ولم يشترط عليهم أحد أن يذهبوا للانضمام إلى المسلمين في المدينة المنورة..
(4) إن هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة لم تكن ـ كما يزعم دعاة الفتنة ـ خوفًا وخشية من الكفار فيها لأن حضرات الرسل لا يخافون ولا يخشون إلا الله كما يتبين من قوله تعالى (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) «النمل 10».. وإنما كانت الهجرة من مكة إلى المدينة إيذانًا بالنصر الإلهي للإسلام وامتداد دعوة الهداية ليخرج نورها من المدينة المنورة ويملأ آفاق العالم شرقا وغربا.. فالهجرة من مكة إلى المدينة جاءت - مثل كل قول وفعل لسيدنا رسول الله- بأمر إلهي وكانت تتعلق بظهور دعوة الإسلام وانتشار نوره في أرجاء الأرض.. وقد انتهى هذا الأمر بالفتح الإلهي للإسلام وهو ما يتبين بوضوح في الحديث الشريف الصحيح (لا هجرة بعد فتح مكة).
هذه هي حقيقة الهجرة وارتباطها بجهاد النفس كما تبين آيات القرآن والسنة الشريفة.. وليست الهجرة - كما يزعم دعاة الفتنة - هي انتقال من بلد إلى بلد ومن مكان إلى آخر من أجل القتل والتدمير وتخريب البلاد والمجتمعات الآمنة وإثارة الفتن والصراعات الدموية تحت شعارات الجهاد والهجرة وغيرها من الشعارات الدينية التي ترفعها جماعات الخوارج في صراعها من أجل الحكم والسلطة.
 

أهم الاخبار