رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اللواء أ. ح. حسام سويلم يرد على دعاوى تخريب المجتمعات الإسلامية:

«قطب» كاهن الجماعة..وعصابة الضلال تنتج داعش

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 21 يناير 2015 07:24
«قطب» كاهن الجماعة..وعصابة الضلال تنتج داعش

‫لم يحظ شعار من شعارات الفتن التي تستهدف استحلال حرمات المسلمين وتخريب مجتمعاتهم بالمتاجرة باسم الدين مثل ما حظي به شعار تطبيق الشريعة الإسلامية على أيدي التنظيمات المتطرفة الإرهابية

حيث استغلوا هذا الشعار البراق وعدم إدراك المسلمين حقيقة المقصود بالشريعة الإسلامية وكيفية تطبيقها.. وخدعوا الناس بتفسيراتهم المضللة لمفهوم الشريعة وتطبيقها.. ولم يكلف أحد من المخدوعين نفسه مشقة الإجابة عن سؤال بديهي: هل نحن نحكم بالشريعة أم لا؟.. وهل تتطابق القوانين التي نحكم بها مع الشريعة الإسلامية أم تتعارض معها.. وللأسف الشديد نجد أن المتحدثين في الشأن الديني والشأن القانوني يتجنبون الرد على هذه الأسئلة وإظهار موقف الدين في هذه القضية رغم وضوح العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة المتفقة معها.
وهو ما أتاح الفرصة للمتاجرين بشعار تطبيق الشريعة أن يخدعوا الكثير من الشباب ويدفعوهم لتكفير مجتمعاتهم ومحاربتها بزعم أنها مجتمعات جاهلة لا تطبق الشريعة وأن يمضوا في محاربة الأنظمة الحاكمة وإسقاطها بعد تكفيرهم لها وللمجتمع.. وأن يمارسوا العمل الإرهابي المسلح لتنصيب أنفسهم حكاماً بدعوي أنهم فقط القادرون على تطبيق شرع الله.. فكانت النتيجة الحتمية لذلك ما نراه اليوم من شيوع الفوضي والحرب الأهلية في كثير من البلدان الإسلامية التي سقطت أو أوشكت على الانهيار والسقوط في أيدي القوى المعادية الأجنبية.‬
‫< يعتبر سيد قطب أبرز المتطرفين الداعين للفتنة بدعوي عدم تطبيق الشريعة الإسلامية.. فهو كاهن جماعة الإخوان المسلمين الذي قال في كتابه (معالم في الطريق) ص 116: «ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسا يسمون أنفسهم مسلمين بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع وإن صلي وصام وحج البيت الحرام».. وسيد قطب بهذا إنما يعلن حكماً خطيراً بأن المسلم الملتزم بكل أوامر المولي عز وجل والذي يشهد بأن لا إله إلا الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت لا يعتبر مسلما إذا لم تكن الحدود مطبقة في المجتمع من وجهة نظره.. بل نجده يمضي في إلحاحه على تكفير المجتمعات الإسلامية فيقول في صفحة 161: «لا إسلام في أرض لا يملكها الإسلام ولا تقام فيها شريعته».. وسيد قطب بهذا يربط إسلام الناس جميعاً بالحاكم ومسلكه حتى يصل به الأمر في وضوح إلى أن ينكر إسلام أي إنسان يعيش على أرض لا يوجد فيها الحاكم الذي يطبق الشريعة الإسلامية.. ويصل سيد قطب في دعوته للفتنة إلى وصف المجتمعات الإسلامية بأنها تدخل ضمن المجتمعات الكافرة وأنها كلها تندرج تحت مسمي المجتمع الجاهلي.. فيقول في صفحة 98: «إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم.. وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلًا.. تدخل فيه المجتمعات الشيوعية أولًا وتدخل فيه المجتمعات الوثنية وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية.. وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة»!!.. ثم يستطرد قائلاً: «موقف الإسلام من هذه المجتمعات كلها يتحدد في عبارة واحدة.. إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره».
ويستمر سيد قطب إلى نهاية كتابه في رمي كل المسلمين اليوم بالكفر فيقول في ص 173: «المسألة في حقيقتها مسألة كفر وإيمان.. مسألة شرك وتوحيد.. مسألة جاهلية وإسلام.. إن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون».. وفي النهاية يكلف سيد قطب جماعته بتقويض هذه المجتمعات لإعادة أهلها للإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية عليهم.. فيقول: «إن الدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام وتجعل منهم مسلمين من جديد»!‬
‫وهذا النهج لسيد قطب هو نفس منهج الخوارج.. وقد سارت عليه أيضًا باقى الفرق الإسلامية في تكفير المجتمعات الإسلامية بدعوي تطبيق الشريعة الإسلامية.. وقد وردت نفس هذه الدعوة على لسان أبي الأعلي المودودي في كتابه «الحكومة الإسلامية».. كما وردت على لسان زعيم جماعة التكفير والهجرة.. وكذلك في دعوة تنظيم الجهاد الذي اغتال الرئيس أنور السادات والتي وردت في كتاب التنظيم المسمي بـ «الفريضة الغائبة» لعبدالسلام فرج والذي أفتي بقوله: «إن الذين يقعدون عن الجهاد ولا يسعون في إقامة الدولة الإسلامية خوفاً من الفشل يقعون في خطأين: أولهما النكوص عن تنفيذ أمر الله بإقامة الدولة الإسلامية علمًا بأن المسلم مطالب بذلك بصرف النظر عن النتائج.. وثانيهما عدم إدراك جاذبية عدل الإسلام.. إن إقامة الدولة الإسلامية تنفيذ لشرع الله وأمره ولسنا مطالبين بالنتائج»!!.. ويمضي صاحب كتاب (الفريضة الغائبة) في تحريض المسلمين على مقاتلة وتخريب مجتمعاتهم بزعم إقامة الدولة الإسلامية.. ويعلن صراحة أن ذلك العمل التخريبي في مقاتلة المسلمين وتكفيرهم والعمل على هدم المجتمع الإسلامي له الأولوية على تحرير المقدسات الإسلامية الأسيرة في أيدي الأعداء وأهمها المسجد الأقصى فيقول بالحرف الواحد: «أما الذين يدعون إلى توجيه الطاقات الإسلامية نحو تحرير مقدسات المسلمين وأوطانهم المحتلة من الصهيونية والاستعمار فإن جماعة الجهاد يقولون لهم ليست هذه هي المعركة المباشرة وليس هذا هو الطريق الصحيح لتحرير هذه المقدسات.. وإنما الطريق لتحرير القدس يمر عبر تحرير بلدنا من الحكم الكافر والذي لابد من إزالته أولًا ثم الانطلاق بعد ذلك تحت قيادة إسلامية لتحرير المقدسات.. إن الاستعمار هو العدو البعيد.. وإن الحكام الكفرة هم العدو القريب.. وإن قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد»!.. ولا يتورع صاحب كتاب الفريضة الغائبة عن دمغ كل حكام المسلمين اليوم بالكفر لعدم تطبيقهم الشريعة الإسلامية من وجهة نظره فيقول: «إن الأحكام التي تعلو المسلمين في الوقت الحاضر هي أحكام الكفر.. فهي قوانين وضعها كفار وسيروا عليها المسلمين.. وإن حكام هذا العصر تعددت أبواب الكفر التي خرجوا بها عن ملة الإسلام.. وهم في ردة عن الإسلام.. ولا يحملون من الإسلام إلا الأسماء وإن صلوا وصاموا وادعوا أنهم مسلمون».. ثم عقد مقارنة بين حكام التتار وحكام اليهود وانتهى إلى أن صفات حكام التتار هي نفس صفات حكام العصر لأنهم عزفوا – من وجهة نظره - عن شريعة الإسلام!. ‬
‫وإذا نظرنا إلى خريطة التنظيمات والجماعات الإرهابية والمتطرفة في العالم الإسلامي التي تثير الفتن والصراعات المسلحة والحروب الأهلية في البلاد الإسلامية فسنجد أن معظمها يتبني نفس هذه الأفكار الهدامة وأن منهم من يطلقون على أنفسهم «أنصار الشريعة» بزعم أنهم القادرون على تطبيق الشريعة الإسلامية.. وهذه الجماعات التي ترفع الشعارات الخادعة عن تطبيق الشريعة تقبع على حدودنا الشرقية في غزة وحدودنا الغربية في ليبيا وفي جنوب مصر في السودان كما تتواجد داخل مصر.. وهي تستخدم هذه الشعارات في خداع المزيد من المسلمين لتسليحهم وتدريبهم عسكرياً لنشر الفتن والقتل والخراب والدمار في بلادنا بدعوي تطبيق الشريعة الإسلامية.

الحدود.. والتعازير
‫يستند المتاجرون بشعار «تطبيق الشريعة الإسلامية» إلى الزعم بأن تطبيق الحدود على جريمة السرقة والزنا وشرب الخمر وغيرها هو الكفيل بالقضاء على المفاسد التي يعاني منها المجتمع الإسلامي اليوم.. ويتعمد هؤلاء الخوارج إخفاء الحقائق الواضحة والمعروفة عن «الحدود والتعازير» والتي يستطيع أي مسلم أن يرجع إليها في أقوال أئمة الفقه الأربعة رضوان الله عليهم.. فالعقوبات في الشريعة الإسلامية تتضمن الحدود والتعازير.. وللحدود شروط عديدة صعبة التنفيذ ولا يجوز تطبيق الحد إلا إذا توافرت هذه الشروط بكاملها.. وقد أورد هذه الشروط أئمة الفقه الأربعة رضوان الله عليهم بالتفصيل وبكل دقة ووضوح.. وهذه الشروط – التي

أوردنا جانباً من تفصيلاتها في المقال السابق عن تطبيق الحدود - يتيسر لأي مسلم صادق أن يرجع إليها وأن يطلع عليها ليدرك حقيقة الأكاذيب والخداع والمتاجرة من جانب هؤلاء الخوارج الذين يصنعون الفتن في الأمة الإسلامية بتكفير المسلمين والمجتمعات الإسلامية.. حيث يتعمد هؤلاء الخوارج إخفاء هذه الشروط ويدعون إلى التوسع في قتل المسلمين والتنكيل بهم بدعوي تطبيق الحدود وبما يخالف مخالفة تامة كل ما جاء في القرآن والسنة الشريفة والشروط الواجبة في تطبيق الحدود كما أوردها أئمة الفقه الأربعة.. كما يتعمد هؤلاء الخوارج إخفاء الحقيقة الفقهية التي يجمع عليها أئمة الفقه الأربعة وهي أن التعازير هي العقوبات الشرعية التي يضعها الحاكم للمحافظة على الحقوق والحرمات وفرض الأمن والأمان في المجتمع والتي تتدرج ابتداء من اللوم وحتى الإعدام.. وهذه العقوبات يمكن أن تتغير زيادة أو نقصاً تبعاً لخطورة الجرائم التي تظهر أو تنتشر في المجتمع والحاجة إلى حماية المجتمع الإسلامى منها.. وهذه التعازير هي التي تضمن محاربة كل صور الفساد التي يعانى منها المجتمع في كل المجالات والتي تتغير من عصر إلى آخر بما فيها ما يستحدث في أي وقت من الجرائم والمخالفات الأخلاقية أو المالية أو الثقافية أو غيرها.. وتوصف التعازير التي يضعها الحاكم المسلم من أجل إقرار العدالة وحماية الحقوق والحرمات في المجتمع الإسلامي بأنها عقوبات شرعية.
ولقد أوضح هذه الحقائق كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) الجزء الخامس حيث ذكر أن الشريعة أجازت للحاكم أن يسن القوانين ويضع العقوبات التي تمتد من اللوم وحتى الإعدام والتي تحقق المصلحة للأمة وتدرأ عنها المفاسد وتحفظ لها الأمن والأمان فقال في باب التعازير في صفحة 381: «إن التعزير يتضمن الضرب حتى القتل بحسب ما يري فيه الحاكم المصلحة».. وتحت عنوان (عقوبة التعزير حكم شرعى) يقول: «إن التعزير ثبت عن سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وإن كبار الصحابة كانوا يأخذون بالتعازير والتي تتضمن الضرب والسجن والقتل».. ويقول أيضاً: «إن الحاكم يأخذ بالتعزير بحسب ما يراه زاجراً للمجرمين وله أن يضع العقوبات القاسية التي يترتب عليها تأديب الرعية وإصلاح حالهم لأن كل راعٍ مسئول عن رعيته.. فكل عقوبة من العقوبات التي يراها الحاكم زاجرة توصف بما توصف به الأحكام الشرعية».. ومن الجدير بالذكر أنه يجب على الحاكم أن يقوم بتعديل التعازير في أي وقت للتصدي للخطر عند ظهور جرائم جديدة أو لوقف انتشار ما هو قائم من المخالفات والظواهر الإجرامية في المجتمع الإسلامي لأنه مسئول أمام الله تعالي عن حماية المجتمع وحرمات المسلمين وتحقيق أمنهم وأمانهم.‬

المفهوم الحقيقي للشريعة
< إذا رجعنا إلى آيات القرآن لكي ندرك المفهوم الحقيقي للشريعة الإسلامية فلنتوقف أمام قوله تعالي: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) 13 الشوري.. ويتبين من هذه الآية أن الله تعالي قد أوصي كل رسول من رسله الكرام بشرعة من الدين الواحد وهو الإسلام كما يتبين في قوله تعالي: (إن الدين عند الله الإسلام).. وأنه تعالي أوحى بهذه الشرائع جميعاً إلى سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وأكمل الدين وأمرنا أن نقيمه ولا نتفرق فيه (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ‬).
< ولقد عرف سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الدين بأنه «الإسلام والإيمان والإحسان» وذلك في الحديث الشريف الذي ورد في صحيح مسلم عن سيدنا عبدالله ابن عمر عن سيدنا عمر ابن الخطاب أنه قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبى صلى الله فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد اخبرنى عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الإسلام أن تشهد ألا إله الا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا.. قال صدقت، قال فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال فأخبرنى عن الايمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره.. قال صدقت، قال: فأخبرنى عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لى يا عمر أتدرى من السائل؟.. قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم‬».
‫ويتبين من القرآن والحديث الشريف أن الشريعة الإسلامية تتضمن كل ما أنزله الله في كتابه وعلي لسان رسوله.. ويكون معني «تطبيق الشريعة الإسلامية» هو التزام المسلم اعتقاداً وانقياداً بكل ما جاء في القرآن والسنة الشريفة.. وهو تكليف شخصى لكل مسلم على حدة فمن التزم بما أنزله الله في القرآن وما جاء عن رسوله في السنة الشريفة فقد طبق بذلك الشريعة وأقام الدين.
‫ويتبين من ذلك أن ما يلجأ إليه الخوارج الجدد من دعاة الفتنة من قصر معنى «تطبيق الشريعة الإسلامية» على عدم تطبيق بعض الحدود الشرعية هو محض متاجرة بالدين من أجل تبرير تكفيرهم المجتمع ومقاتلته والدعوة إلى تخريبه وأطماعهم في الاستيلاء على الحكم بزعم تطبيقهم المزعوم لشرع الله.. على حين يتبين من القرآن السنة الشريفة في وضوح كامل أن «تطبيق الشريعة الإسلامية» هو تكليف شخصي لكل مسلم بالالتزام بأوامر الله ورسوله في القرآن والسنة الشريفة.. وأن الحاكم – مع التزامه بتطبيق الشريعة الإسلامية شأن كل مسلم – مسئول أمام الله عن سن القوانين والتشريعات التي تحقق الأمن والأمان وتحفظ الحقوق والحرمات والتي تسمي بـ «التعازير».. أما الحدود الشرعية مثل حد السرقة والزني وشرب الخمر فلا يجوز تطبيقها إلا بالشروط الكاملة الواجب توافرها وبنفس الكيفية التي طبقت بها في وقت سيدنا رسول الله والخلفاء الراشدين والتي أوردها أئمة الفقه الأربعة رضوان الله عليهم بكل الوضوح والتفصيل.

المجتمع المصري يطبق الشريعة
‫إن المجتمع في مصر هو مجتمع إسلامى يتميز أهله بالارتباط بدينهم والحرص على طاعة الله منذ اللحظة التي دخل الإسلام فيها إلى مصر على أيدى صحابة سيدنا رسول الله الكرام.. ولقد كان أهل مصر دائماً يتصفون بالسماحة وحسن الخلق ومحبة أهل البيت الذين قدم

الكثيرون من حضراتهم إلى مصر وتشرفت أرض مصر بأن تضم مقاماتهم الشريفة.. ولذلك فإن مصر ظلت تنعم بالأمن والأمان وحرية العقيدة والمودة والمحبة بين أهلها منذ دخول الإسلام وطوال القرون الماضية.. ولم تظهر دعاوى تكفير المجتمع ورمى بعض الفئات لبعضها بالكفر إلا على أيدى الخوارج الجدد من دعاة الفتنة والذين يظهرون ويتآمرون في الأوقات العصيبة التي تمر بالبلاد الإسلامية وتتعرض فيها المقدسات الإسلامية للخطر فيحاولون إثارة الفتن في مصر التي تمثل القلعة المنيعة التي تحمى الإسلام والمقدسات الإسلامية.. فيلجأ الأعداء إلى بث الفتن بين أهلها من أجل إضعافها وتفتيت قواها وقدراتها على مواجهتهم والتصدى لهم.. وقد حدث ذلك من قبل على يد ابن تيمية في القرن السابع الهجرى عندما كانت مصر تتصدى لأعتى المخاطر التي تهدد الإسلام والمقدسات الإسلامية متمثلة في الصليبيين والتتار.. حيث قام ابن تيمية في هذه الظروف العصيبة بدعوته إلى إثارة الفتن في المجتمع الإسلامي تحت شعارات إقامة الدين وتغيير المنكر والدعوة إلى تكفير المسلمين لبعضهم البعض وتبادل الاتهامات بالردة لأوهى الخلافات المختلقة بينهم ثم الدعوة إلى قتل المسلمين بعضهم لبعض بتهمة الردة.. وكان الهدف من دعوة ابن تيمية هو إشاعة القتل وسفك الدماء وتخريب وتمزيق المجتمعات الإسلامية بأيدى المسلمين أنفسهم.. ولعل ذلك يماثل تماما ما يتكرر اليوم.. ففى الوقت الذي تعانى فيه الأمة الإسلامية من احتلال اليهود للمسجد الأقصى كما تعانى الدول الإسلامية من تحكم الإعداء وسيطرتهم على ثروات المسلمين ومقدراتهم.. وبدلاً من أن يتوحد المسلمون على قلب رجل واحد تحت قيادة مصر كنانة الله في أرضه لتحرير القدس واستعادة حقوق المسلمين ومقدراتهم فإن الأمة الإسلامية تعانى اليوم من أشد الفتن التي تستهدف تفتيت المجتمعات الإسلامية وتخريبها وظهور الفرق الإرهابية المتطرفة التي تكفر بعضها بعضا كما تكفر المجتمع بأسره والتي تتقاتل فيما بينها كما تقاتل أبناء المجتمع الإسلامى.. وتجرى كل هذه المؤامرة على الإسلام تحت نفس الشعارات والدعاوى التي كان ابن تيمية يدعو إليها والتي يرددها دعاة الفتنة اليوم.. والهدف من وراء هذه الفتن هو إلهاء المسلمين وصرفهم عن استعادة مقدساتهم وأرضهم وتحرير المسجد الأقصى من أيدى اليهود.. ولعل هذه الحقيقة المهمة تكشف لنا دور أعداء الإسلام في اختلاق وإثارة الفتنة في مصر في تلك الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة الإسلامية.. كما تفسر لنا هذا الظهور المفاجئ لهذه الجماعات المتعددة التي تكفر المجتمع وتدعو للتقاتل بين أهل مصر بعد قرون طويلة من الوئام والسماحة والأمان التي ينعم بها المجتمع المصرى طوال تاريخه.‬
‫ولعل مما يثير السخرية عند أي عاقل أن يوصف المجتمع المصرى بأنه «كافر» وأنه «لا يطبق الشريعة الإسلامية».. فأهل مصر هم من أكثر أهل الأرض ارتباطاً بدينهم.. فالغالبية العظمى من أهل مصر هم من المسلمين الطائعين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدًا رسول الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت ما استطاعوا إليه سبيلاً.. وهذا هو الإسلام كما جاء في تعريف سيدنا رسول الله.. والغالبية العظمى من أهل مصر يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره.. وهذا هو الإيمان كما جاء في تعريف سيدنا رسول الله.. والغالبية العظمى من أهل مصر يطبقون الشريعة الإسلامية في أحكام المعاملات في الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث وتجارة وبيع وغيرها.
‫وفى نهاية عرضنا لهذه الحقائق عن تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع المصرى فإننا نؤكد أن كل ما يثار من الزعم بأن الشريعة الإسلامية لا تطبق في مصر لا يستهدف إلا إثارة الفتنة.. إذ أن الغالبية العظمي من القوانين المطبقة في مصر حاليًا تتفق مع الشريعة الإسلامية ولا تتعارض معها كما يؤكد ذلك أساتذة القانون والشريعة في مصر.. وإذا كانت هناك بعض الملاحظات على بعض القوانين التي قد يشوبها التعارض مع الشريعة الإسلامية – وهي كما ذكرنا نسبة قليلة للغاية - فإنها يمكن أن تخضع للمناقشة والتعديل لإزالة ما يشوبها لتصبح متفقة تماماً مع الشريعة الإسلامية.. فالتعازير قابلة للتغير والتعديل لتحقيق الخير والمصلحة للمسلمين وللمجتمع الإسلامى.. وهذا يختلف عن الحدود التي يرفع شعاراتها المضللة دعاة الفتنة - والتي لا يجوز تطبيقها مطلقا إلا إذا تحققت شروط محددة أوردها أئمة الفقه الأربعة أخذا عن السنة الشريفة.. وإلا كان هذا التطبيق مخالفاً للقرآن والسنة و«خروجاً على الشريعة» على أيدي الخوارج الجدد الذين يتاجرون بشعارات «تطبيق الشريعة».

التفرقة بين حكم الله وحكم الناس
‫من المعروف أن الناس جميعًا معرضون للخطأ والأهواء فيما يقولون ويفعلون.. ولهذا فليس لأي إنسان أن يزعم أنه مفوض من قبل المولي عز وجل في أن يحكم الناس لينزلهم على «حكم الله».. إذ أنه لا يملك أن يحكم «بحكم الله» إلا حضرات رسل المولى عز وجل فهم المخبرون عن الله تعالى الذين يبلغون رسالاته عز وجل والذين يوحى إليهم منه سبحانه وتعالى.. ولقد حذر سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من ذلك المسلك الذي يزعم فيه أي إنسان أنه يحكم «بحكم الله» وذلك في حديثه الشريف الذي رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وابن حنبل والذي يقول: «روي عن سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه كان إذا أمر أميراً على جيش أو قائداً على سرية أوصاه: إذا حصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله وانزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا».. وكما هو واضح فإن الحديث الشريف يحذر من ذلك المسلك الخطير وهو ادعاء أي إنسان بأنه ينزل الناس على حكم الله.. فيحكم بين الناس باسم الدين.. فإذا أخطأ ينسب هذا الخطأ إلى شرع الله تعالي.. وقد كان من نتيجة مخالفة حديث سيدنا رسول الله أن ابتليت الأمة في فترات طويلة من التاريخ الإسلامي قديمها وحديثها بأولئك الذين حكموا الأمة باسم الدين فأذلوا أعناقهم وتسلطوا على أقدارهم فتدهور حال المسلمين والمجتمعات الإسلامية وعم الفساد والجمود والتخلف.. وشريعة الله بريئة من ذلك كله.. فلا ينبغي للحاكم أن يزعم أنه يحكم بحكم الله وإنما يعلم ويقول ويعلن أن ما يصدره من أحكام هو اجتهاده هو ووجهة نظره هو فيما يتفق مع شريعة الله وأنه قد يصيب ويخطئ.. ولقد بين حديث سيدنا رسول الله أن أي حاكم قد يصيب وقد يخطئ.. فإذا أصاب في اجتهاده فله أجران من الله تعالى جزاء اجتهاده وجزاء إصابته.. وإذا أخطأ في اجتهاده فله أجر واحد هو أجر الاجتهاد.. يقول الحديث الشريف: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران.. وإذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر».
< ومن الجدير بالذكر هنا أن «حكم الحاكم» سواء أصاب الحاكم في حكمه أو أخطأ هو أمر غير «حكم الله».. فحكم الله تعالي في الوجود قائم سواء أصاب الناس أو أخطأوا وسواء أطاعوا أو عصوا.. فالمولي عز وجل يقول: «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون».. ولعل ذلك يسقط تلك الأكاذيب التي يروج لها دعاة الفتنة والتي يزعمون فيها أن استيلاءهم على السلطة والحكم بدعوي «تطبيق الحدود» أو «تطبيق الشريعة» هو إقرار لحكم الله.. فحاشا لله أن يدعي بشر أنه هو الذي يقيم «حكم الله» في ملكه.. ويكفي أن نتذكر الحديث القدسي الذي ورد في صحيح مسلم: (يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا.. يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً) «رواه مسلم عن أبى ذر – وورد في الأحاديث القدسية‬».

هدف الشريعة الإسلامية
‫إن الشريعة الإسلامية ليست قانوناً للعقوبات.. وليس هذا هدفها ولا مقصدها.. فرسل الله تعالي لم يبعثوا للاستيلاء على الحكم أو السلطة أو لوضع قوانين لعقاب العصاة المذنبين وإنما هدف الشريعة هو هداية النفوس إلى خالقها مصداقاً لقوله تعالي: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم».. ولهذا يبعث الله تعالي رسله إلى الناس لهدايتهم فيظل الرسول في قومه يدعوهم إلى نبذ ما هم فيه من معاص وإلى عبادة الله وحده لا شريك له.. ويظل يدعوهم سرًا وجهرًا صابرًا عليهم متحملًا إيذاءهم ليفتح لهم باب التوبة والمغفرة حتى يخرجوا مما هم فيه من الضلال ويسلكوا طريق الطاعة والتقوى.. ولو كان هدف الشريعة ومقصدها عقاب المخطئين والمذنبين ما ترك الله على ظهرها من دابة كما يقول تعالي: «ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة».. ولكن الله تعالي يفتح دائماً باب رحمته ومغفرته على أيدي رسله ليتوب العصاة من ذنوبهم.. ولعل ذلك يتبين بوضوح في أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يسع في طلب المذنبين وتعقبهم لإقامة العقوبة عليهم.. بل كان يدرأ عنهم الحدود بالشبهات ويلتمس المخرج تلو المخرج لتوبتهم.. فهو الحريص علي هداية الناس إلي خالقها.. وهو القائل في حديثه الشريف: «لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها».

أهم الاخبار