رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مستقبل الثورة بعد جمعة الإرادة أفضل أم أسوأ ؟

تحليل - محمد جمال عرفة:


السؤال الذي سأله كل مصري مهموم ببلده ويتمني الانتقال من مرحلة الثورة لمرحلة التنمية والاستقرار بعد مليونية جمعة "الارادة الشعبية" أو "لم الشمل" أو "الهوية والاستقرار" هو : ما هو مستقبل مصر وثورة 25 يناير بعد هذه المليونية ؟ وهل ما جري تعتبر حصيلته النهائية سلبية أم إيجابية ؟. والحقيقة أن قراءة ورؤية كل طرف لما جري هي التي ستحدد الاجابة علي هذا السؤال .. فالذين تحدثوا عن هيمنة التيارات الاسلامية واعتبروا نزول القوي السلفية والاخوان والجماعة الاسلامية بكثافة للتحرير نوعا من استعراض القوة والضغط لأسلمة الدولة ، لا شك سيعتبرون ما جري كارثة ويتخوفون علي مستقبل الثورة وقد يعتبرون ما جري نوعا من "سلفنة" الثورة .

أما الذين يعتبرون نزول الاسلاميين أمرا عاديا كشف عن حجم قوتهم الكبيرة مقابل الوزن الضعيف للقوي الليبرالية التي إما انزوت في خيامها أمام المد الإسلامي الجارف أو تركت الميدان بدعوي خروج الاسلاميين عن اتفاق عدم رفع شعارات خاصة أو لم تجد ما تفعله سوي الهتاف ضد المشير طنطاوي وحاول استفزاز القوي السلفية تحديدا بالهتاف أمام منصتها (مدنية .. مدنية) .. فلا شك أن هذا الفريق سيري ما جري لن يؤثر كثيرا علي الثورة لأن من حق الاسلامي – كما الليبرالي واليساري وأي مصري مستقل صامت – أن ينزل ميدان الثورة وليس من حق أحد أن يحتكر الميدان لنفسه .

وقد يري هذا الفريق أيضا أن نزول الاسلاميين أكسب الثورة – وعلي عكس ما يقال – نوعا من الاستقرار الفعلي لأنه بعث برسالة للقوي الصاخبة الأخري التي تثير ضجيجا أمام الحكومة والمجلس العسكري إن عصر إحتكارهم الميدان انتهي ، وأنه علي الحكومة والمجلس العسكري أن يستمرا في خارطة الطريق التي وضعها استفتاء مارس الماضي ، بل وتبكرا بالانتخابات كي يكون هناك حكومة منتخبة ورئيس ينهي هذه الفترة الانتقالية .

أما الفريق الثالث الذي يبحث عن الاستقرار والهدوء ووحدة الصف وعدم إقصاء أحد ، ويتمني أن تنتهي مرحلة الفوضي ، ويقرأ الأحداث بصورة تفسيرية وتحليلية أعمق .. فيدرك تماما أن الأهم من هذا وذاك أن مليونية جمعة الاستقرار نجحت مع هذا في أن تضبط العلاقة بين قوي الثورة ، بدليل أنه برغم الاحتقان الشديد والشد والجذب في بعض الاحيان خرجت المليونية بدون صدامات أو مشاحنات كبيرة كما كان يتوقع بعض المتشائمين وفوت الثوار من كل الاطياف علي أعداء الثورة في الداخل والخارج فرصة ذهبية كانوا يتمنون أن تتحول فيها المليونية الي معركة دموية .

فلا يمكن أن نقرأ ما جري في العريش مثلا ليلة مليونية الإرادة الشعبية وما أشيع عن أن الملثمين الذين هاجموا المدينة وقسم الشرطة بالمدافع ، وأنهم كانوا يرفعون المصاحف أو أنهم يهتفون "نريدها إسلامية" سوي انه محاولة لإشاعة الفوضي ومزيد من صب الزيت علي النار والتخويف مما جري في التحرير من "غزوة سلفية" ، في حين أن هؤلاء الملثمين مجرمون ينفذون أجندة خارجية واضحة وأنهم – بحسب شهود – حاولوا خداع من يرصد اعتداءهم علي الشرطة ببعض الهتافات الاسلامية ، ليتحقق الهدف من التخويف مما جري في التحرير .

نعم مليونية الإرادة الشعبية انتهت نهاية غير ودية ولم تحقق الهدف الذي تمناه البعض بلم الشمل ، بعدما أعلنت 34 حركة وائتلافا انسحابها من المليونية بدعوي هيمنة التيار الإسلامي علي الميدان بكثافة ورفع شعارات إسلامية لم تعجب الفريق الآخر والهتاف (إسلامية.. إسلامية) برغم هتاف الليبراليين (مدنية .. مدنية) .. ولكن الحقيقة التي لا يجب أن نغفلها هي أن كل الفرق التي تظاهرت رفعت نفس الشعارات الثورية عن القصاص من قتلة الثوار وسرعة المحاكمات واختلفت فقط في رفع شعارات متضاربة تعبر عن هويتها .

فالشعاران الأساسيان في ميدان التحرير ومعظم ميادين مصر كانا : (لا للتدخل الخارجي في شئون البلاد) و(القصاص لدماء الشهداء) ولكن بعض التيارات خصوصا الإسلامية رفعت شعارات إضافية تطالب بتطبيق الشريعة وترفض المبادئ فوق الدستورية ، وبالمقابل أصر منتمون لتيارات ليبرالية علي الهتاف ضد المجلس العسكري والمشير طنطاوي ورفع شعارات (مدنية لا دينية).

بل كادت أن تحدث مصادمات عندما تعمد ليبراليون الوقوف أمام منصات الإخوان والهتاف بإسقاط المشير ( وهو ليس ما تم الاتفاق عليه) ، كما سعي قرابة 150 شخصا من الحركات الليبرالية للقيام بمسيرة بين السلفيين - وهم يفككون المنصات في نهاية اليوم ويهمون بالانصراف – وهم يهتفون للدولة المدنية ويرفضون الدينية ، وينددون بالمجلس العسكري

والمشير حسين طنطاوي ، وكاد شباب من التيار الاسلامي يشتبكون معهم لولا نصيحة كبار الشيوخ بعدم الانجرار للاستفزاز .

المشكلة بين السلفيين والليبراليين

والمشكلة التي لا يدركها كلا الطرفين هو أن التيارات السلفية – بعكس الاخوان الكثر ممارسة للسياسة - تحديدا ظلت محرومة من العمل السياسي طيلة أكثر من 40 عاما وظلت قابعة في السجون أو المعتقلات وأن مليونية الإرادة الشعبية هذه هي أول حشد لها ، فخرجت بعقلية السبعينيات وبنفس الهتافات القديمة (في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء ..إلخ) .

الأمر الثاني أن هذه القوي (السلفية) تزن كلمة (مدنية) بكلمة (علمانية) ولذلك تطرح مقابلها كلمة (إسلامية) ، في حين أن الجدال المثار هو مدنية أو إسلامية الدولة لا محل له من الإعراب لأن الاسلام لم يعرف شيئا اسمه الدولة الدينية ، وهذه الفكرة هي نتاج صراع الكنيسة الأوروبية والقوي العلمانية في العصور الوسطي وفرضت علينا من قبل قوي ليبرالية يربط بعضها – لا كلها – كلمة (المدنية) بالبعد عن الدين في الغرب وينقل هذا الواقع للشرق .

ولو قيل إن المقصود بالدولة المدنية في مصر هو دولة ذات مرجعية حضارية إسلامية لأصبحت القضية محلولة ولكن ربط التيارات السلفية بين شعارات الدولة المدنية وفكرة الدولة العلمانية اللادينية هو سر هذه المشكلة ، والتي يتخذها للأسف بعض الليبراليين عندما يقولون لا للدولة الدينية فيفهم السلفيون أنهم يريدون دولة لا دينية !.

والحل ببساطة هو أن يدرك ويعلن رافعو لواء (الدولة المدنية) أنها لا تعني تلك الدولة العلمانية اللادينية في المفهوم والخبرة التاريخية الأوروبية ، وإنما تعني الدولة المدنية في المنطقة العربية والاسلامية التي لا يحميها رجال دين وإنما قواعد قانونية مستمدة من الحضارة والشريعة الاسلامية (ليس بمعني قطع اليد الذي يستهدف تنفير الناس منها ولكن بمعني العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ) .. فحينئذ ستتوحد رؤي الاسلاميين والليبراليين (الذين يؤمنون بدور الحضارة الاسلامية) حول مفهوم الدولة المدنية لأن الحل أنه لا يوجد شئ اسمه دولة دينية يحكمها شيوخ علي طريقة قساوسة العصور الوسطي في أوروبا !

ولو جاز أن نعدد مزايا هذه المليونية ومساوئها سنجد أن النتائج النهائية إيجابية

فمن النتائج الإيجابية لمليونية (الارادة الشعبية) :

1- إنها أظهرت الحجم الحقيقي علي الأرض لكل قوة وقدرتها علي حشد أنصارها ، ما سيدفع كل فريق لأخذ هذا في الاعتبار وهو يتحرك مستقبلا .

2- إن المادة الثانية من الدستور باتت خطا أحمر أو كما أسماها الشيخ مظهر شاهين "مثل جبل المقطم لن يستطيع أحد زحزحته.. وليس من حق أى فصيل أن يقرر مصير مصر بمفرده ".

3- إنها أعطت المجلس العسكري والجيش دفعة قوية للاستمرار في تسيير أحوال البلاد لحين إجراء انتخابات ديمقراطية دون أن يقال إنه سطا علي السلطة وانفرد بها أو إنه لا يحظي بتفويض المصريين ، وقد شدد علي هذا الشيخ مظهر شاهين إمام مسجد عمر مكرم عندما حرص علي تأكيد أن الجيش خط أحمر لأنه حمى الثورة وهو الدرع الحامي للبلاد .. ما قد ينعكس علي تشديد الجيش تعامله مستقبلا مع الخارجين عن النظام العام والمهددين للاستقرار عبر غلق طرق وكباري أو المهددين بغلق قناة السويس والبورصة ومنشآت حكومية .

4- إن مجرد نزول السلفيين (حوالي نصف مليون كما قال ناجح إبراهيم) للميدان بهذه الكثافة واختبار العمل السياسي الجماهيري وما نتج عنه من رد فعل سواء كان هجوميا عليهم أو إيجابيا سوف ينعكس علي تصرفاتهم ويزيدهم خبرة ، ونشير هنا لأن نزولهم من قبل بصور متفرقة في أحداث سابقة وهم يرفعون أعلاما سعودية خضراء أثار حملة هجوم عليهم ، فكانت التعليمات – في جمعة الإرادة الشعبية – هي عدم رفع أعلام سعودية ، وهو تصحيح لخطأ سابق وقعوا فيه ، كما أن مجرد مشاركتهم وعدم إقصائهم كما يطالب البعض هو مكسب للثورة لأن سبق إقصائهم منذ السبعينيات كان وراء لجوء فريق منهم للعنف أو

العمل السري .

5- مليونية (الإرادة الشعبية) أو (الهوية والاستقرار) نجحت في الحشد لها رغم هذه الخلافات وأعداد الثوار في ميدان التحرير وصلت إلي أكثر من ثلاثة ملايين بحسب ما أعلنه منظموها من فوق المنصة الكبرى ، وتمثل هذا في هتاف (الجدع جدع .. والجبان جبان .. واحنا يا جدع .. وحدة في الميدان ) ، كما أن الثوار جميعهم أثبتوا ذكاءهم وفطنتهم ونجحوا في تفويت الفرصة علي القوي التي كانت تتمني أن يتحول الميدان إلي ساحة حرب بين التيارات الإسلامية والنشطاء الليبراليين حيث دخل الإسلاميون الميدان بالورود والمسك وتحاشي الليبراليون الإصرار علي إنزال لافتاتهم الاسلامية ، ولولا انسحاب التيارات الليبرالية لكانت أصبحت مليونية مشهودة برغم أن انسحابهم لم يؤثر كثيرا في الميدان .

6- حظيت قضية القدس المحتلة باهتمام كبير في كلمات المتحدثين في جمعة الإرادة الشعبية والهوية والاستقرار المصرية ، ما أظهر عدم إغفال الثوار للقضية الأم في الصراع العربي الاسرائيلي ودعاهم لحرق العلم الاسرائيلي مرتين ، فالشيخ مظهر شاهين خطيب وإمام التحرير قال إن تواجد الثوار في الميدان، هو الخطوة الأولى لتحرير بيت المقدس ووجه رسالة إلى إسرائيل قائلا:"إن المصريين قادمون لتحرير بيت المقدس وإنهم على أتم استعداد للاستشهاد فى سبيل الله" ، ود. صفوت حجازي قال إن الثوار المصريين لن يتوانوا عن مساعدة أشقائهم في فلسطين حتى يحصلوا على حقهم المغتصب وردد هتاف (على القدس رايحين شهداء بالملايين) .

أما أبرز النتائج السلبية لمليونية (الارادة الشعبية) المطلوب تحاشيها مستقبلا فهي :

1- إن انسحاب 6 أبريل وكفاية والتيارات الأخرى ، وبرغم أن البعض اعتبره هزيمة لهم أو هروبا من مواجهة الإسلاميين بعدما اكتشفوا حجمهم الحقيقي وضعفهم أمام هذا الشلال الهادر من الإسلاميين الذي ملأ الميدان .. هذا الانسحاب والغضب علي ما اعتبروه هيمنة الاسلاميين علي الميدان أجهض سيناريو إنهاء اعتصام التحرير بطريقة جميلة عقب المليونية وقرار نقل محاكمة مبارك للقاهرة ، وأدي لإصرار المعتصمين في التحرير علي استمرار الاعتصام بعدما كانوا يناقشون فضه .

2- إن استمرار الاعتصام المرتبط بغلق ميدان التحرير وطرق وشوارع حيوية – بجانب الاتهامات لبعض القوي مثل 6 أبريل من جانب المجلس العسكري بالتدريب والتعاون مع قوي خارجية - ينقص كثيرا من رصيد التيارات الليبرالية لدي الشارع المصري لصالح التيارات الاسلامية التي فوجئ الجميع بأنها مع الاستقرار وتؤيد الجيش والشرطة في حين كان المتصور العكس !

3- إن إصرار القوي الليبرالية علي الانتقام من الاسلاميين بزيادة نقد الجيش والهتاف ضد المشير طنطاوي وضد المجلس العسكري ، بهتاف (ارحل ارحل يا مشير) الذي رد عليه الإخوان بهتاف (ألف تحية للمشير من قلب ميدان التحرير) .. هذا الإصرار يصب في خانة الوقيعة بين الجيش والشعب الذي يرفضه كل مصري لأنه يعتبر الجيش هو عمود الخيمة والسند الأخير لحماية مصر من طوفان الفوضي .

4- إن انهيار التنسيق بين القوي المختلفة وعدم الثقة في بعضها البعض سيضعف أي دعوة لمليونية جديدة قادمة .. فأي مليونية مقبلة لن تشهد تنسيقا بين الطرفين وقد تشهد مصادمات .

5- الجماعة السلفية زاحمت جماعة الإخوان في مشهد جمعة الإرادة الشعبية وتسببت في إحراج الإخوان أكثر من مرة بإصرارها على ترديد شعارات دينية تثير مخاوف الليبراليين مثل (الشعب يريد تطبيق الشريعة) و(احكمونا بالشريعة الإسلامية) ، ولهذا قال بعض رموز الإخوان إن السلفيين غير منظمين كالإخوان وكان من الصعب السيطرة عليهم لأنهم انطلقوا من مساجد مختلفة ، كما أن لديهم حساسية من عبارة الدولة المدنية التي يفهمون أن المقصود منها هو (الدولة اللادينية) .

6- أقيمت في جوانب الميدان المختلفة حوالي 8 منصات منها ثلاثة منصات للإسلاميين من سلفيين وإخوان وأيضا حزب العدالة والحرية المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين ، أكبرها كانت منصة جماعة الإخوان المسلمين من حيث المساحة والارتفاع، تحت إشراف عدد من مهندسى الجماعة ، ونافسهم المعمارى الشهير ممدوح حمزة (من التيار الليبرالي) بإقامة منصة فى وسط الميدان، وزودها بأكبر عدد من مكبرات الصوت ترتفع مسافة طابقين وتباري الطرفان في الهتافات ما شوه نسبيا صورة المشهد العام برغم أن غلبة الاسلاميين أخرجت المشهد في النهاية لصالحهم وذابت منصات الليبراليين وخيامهم أمامهم .

7- حدث تضارب واضح في الرسالة التي أرادها كل فريق .. فالتيارات الإسلامية اعتبرت أن الرسالة المستهدفة من هذه المليونية قد تحققت ، ألا وهى أنه لا يمكن إقصاء قوى لصالح الأخرى والجيش خط أحمر، لأنه حمى الثورة وهو الدرع الحامى للبلاد ، في حين ضاع الهدف الذي سعي له الليبراليون وهو مزيد من الحريات عندما ركزوا علي استفزاز الاسلاميين بهتافات دولة مدنية واستفزاز الجيش بالهتاف ضد المشير طنطاوي والمجلس العسكري .

ورغم ذلك شهد الميدان توافقا من الجميع سواء تيارات إسلامية أو قوى سياسية أو الأقباط على مطالب حقوق أهالى وأسر الشهداء فى القصاص العادل من قتلة الثوار، وإقرار الحد الأدنى والأقصى للأجور، والوقف الفورى لكافة المحاكمات العسكرية للمدنيين، وإحالة كل من تمت محاكمتهم أمام القضاء العسكرى لقاضيهم، وكذلك مصر لكل المصريين والشعب والجيش إيد واحدة.

الحصيلة النهائية تظل بالتالي مشوشة ، والخاسر الاكبر هو المواطن البسيط الذي لا يريد سوي استمرار عجلة الانتاج وأن يحصل علي لقمة العيش بكرامة وبدون قهر ، ولكن الذي لا شك فيه أن مجرد عدم وقوع أي اشتباكات في الميدان - برغم الاستفزاز من الطرفين - يعبر عن نضج كبير للجميع ، كما أن ظهور الحجم الحقيقي لكل قوة فيما يشبه الاستفتاء الشعبي سوف يدفع كل طرف لإعادة حساباته وطرح مطالب في سياق حجم قوته والأهم عدم احتكار أحد للميدان لأنه لجميع المصريين الذين قاموا بالثورة .

 

 

أهم الاخبار