رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدولة تتجاهلهم.. والآباء يرفضونهم!

أطفال الأوتيزم والداون وضعاف التعلم يبحثون عن الحق فى الحياة

أطفال الأوتيزم والداون وضعاف التعلم يبحثون عن الحق فى الحياة
تحقيق: نادية صبحى

قبل حوالي 16 عاماً من الآن عادت من لندن.. تركت هناك أحلاماً مجهضة وأماني ذبيحة.. وصدمة كادت توقف نبض قلبها،

عادت إلي الوطن حاملة «هم الدنيا» حائرة لا تعلم من أين تبدأ.. جاءت تحتضن طفليها اللذين أراد الله أن يولدا بإعاقات فكرية وحركية.. بعد أن رفض الزوج تحمل مسئوليتهما بل اختار الطلاق «القسري» وفرضه علي الأم المسكينة، لكنها لم تستسلم وصنعت من مأساتها أنهار حب لذوي الاحتياجات الخاصة وكانت أحزانها ينابيع حنان وأحضان لكل طفل لا يحتاج من هذه الدنيا إلا ذراعين تحتويان آلامه.
حولت السيدة نهي الألفي قصة معاناتها مع طفليها إلي «حكاية حب».
الجمعية التعاونية لرعاية الطفل الخاصة ليست مجرد مدرسة تستقبل ذوي الإعاقات الذهنية بكل درجاتها وأنواعها.. وليست مجرد فصول لاستيعاب أطفال يعانون من مشاكل حركية وصعوبات في التعلم.. بل بيت وحضن كبير يضم قلوباً نقية بحاجة إلي مد يد العون وروحاً تبث الأمن والطمأنينة وهذه الأيادي الحانية تعزف سيمفونية عطاء بلا حدود تبتغي فضل الله أولاً ثم راحة الضمير والثراء الأبدي.
التقيت السيدة نهي الألفي، مديرة الجمعية، تحسها للوهلة الأولي أماً مفعمة بالحيوية لخدمة أبنائها، وهي فعلاً تطلق علي كل طفل نزيل بالجمعية «ابن» فكلهم أبناء.. في البداية أكدت لي أن هؤلاء الأطفال متعة روحية لمن يعمل معهم ولا يستطيع خدمتهم إلا من يحبهم فعلاً لأنها ليست وظيفة أو وسيلة للتربح بل سبب لإبقاء هؤلاء الأبناء علي درجة عالية من التواصل مع الآخرين.
في البداية سألتها عن سر عملها في هذا المجال وعلمت أنها عانت مع طفليها، وكانت في البداية مصدومة ولا تعلم كيف تتعامل معهما، لكنها حصلت علي جلسات وكورسات تأهيل للتعرف علي كيفية تقبلهما وإسعادهما وإسعاد نفسها بهما.
قالت إنها لم تقف كثيراً عند انفصالها عن زوجها في لندن بسبب هذين الطفلين بل نجحت بفضل الله وبمساعدة أمها في تجاوز أزمتها الخاصة وقررت أن تكرس حياتها لمساعدة هؤلاء الأطفال وأسرهم أيضاً، مؤكدة لي أن مشكلة كبري تواجه الآباء ممن يرزقون بأطفال بمشكلات فكرية وبعضهم يرفض تقبل هذا الوضع، ولكن بمرور الوقت يتم تقبل الواقع والتعايش معه وأحياناً لا يحدث.
سألتها عن نوعية الأطفال الموجودين لديها؟.. فقالت: الإعاقات الذهنية بكل درجاتها وأنواعها «الأوتيزم» أو التوحد، «الداون» أي الطفل المنغولي، «الهايبر» المصاب بفرط الحركة، والـ CB أي مصاب الشلل الرباعي، وكذلك التأخر التعليمي وبطء التعلم، وهذه الفئة بالتحديد مظلومة فلا هم طبيعيون ولا معاقون وقد يظل الطفل علي حالته سنوات دون أن يعلم أهله أنه مريض ويحتاج لعلاج ومدرسة خاصة وهناك أهالي يرفضون الاعتراف بهم ويصرون علي إلحاقهم بمدارس عادية فيتعثرون ويجتازون سنوات

التعليم الابتدائي، إلي أن يصلوا للصف السادس وهنا يقفوا وتتضح الأزمة، وطفل الأوتيزم يتحسن بشكل تدريجي ومن يعاني من صعوبات في التعلم يحتاج لمجهود مضاعف، والمدرس العادي لا يعلم كيف يتعامل معه.
وعن كيفية قبول الأطفال في الجمعية، قالت السيدة نهي: في البداية نعرض الابن علي الإخصائيين سواء إخصائي التخاطب أو الإخصائي النفسي وتحدد نسبة ذكائه ونصنف حالته لكي نلحقه بالقسم الخاص به، ومن المهم أن نعلم أن طفل «الداون» نسبة ذكائه عالية جداً ويمكن التعايش مع الطفل بطىء التعلم لتقارب نسبة الذكاء، والأطفال هنا من سن 5 إلي 20 عاماً والسن هنا ليست حكماً في التعامل لأنه من الممكن أن يكون عمره 20 عاماً وعمره العقلي 8 سنوات.

مبدعون
في أقسام الجمعية شاهدت حالة فريدة من الانسجام والتفاهم بين الإخصائيين والأبناء يجلسون في حلقات وكل مجموعة معها إخصائية هنا يعلمونهم لغة التخاطب وهنا يرسمون ويصنعون لوحات جميلة تعبر عن عالمهم الخاص في أعمال فنية غاية في الروعة وفي إحدي الحجرات يتعلمون القراءة والكتابة للحالات التي تسمح بذلك، وبالفعل هناك أبناء حصلوا علي الشهادة الاعدادية، فهنا يأخذون نفس مناهج المراحل في التعليم الرسمي، لكن بشكل مبسط وللأسف فإن صعوبات عديدة تواجه هؤلاء في سبيل الحصول علي حقهم، ومنهم إحدي الفتيات رفضت المسئولة منحها شهادة محو الأمية رغم أنها اجتازت الامتحان بكفاءة لمجرد أنها تكلمت وظهر أنها من ذوي الإعاقات الذهنية ولكنها نجحت بنسبة 96٪.

مهارات خاصة
للأطفال ذوي الإعاقات الذهنية قدرات خاصة يحاول الإخصائيون اكتشافها وإظهار أفضل ما لديهم مثلما تفعل سعاد عبدالرحيم، إخصائية ومترجمة إشارات تحاول أن تمنح الأولاد فرصة للتعبير عن أنفسهم في الأنشطة الفنية، و«ميس منال» التي يناديها الأطفال بكلمة «ماما» وهي تساعدهم علي تركيب «البازل»، و«ميس صباح» التي تتابع باهتمام شديد كل ما تصنعه أيديهم علي مائدة مستديرة يلتفون حولها جميعاً كأنهم أسرة واحدة.

أنوار القسم الداخلي
أهم ما يميز هذا المكان حالة الحب الشديدة والتفاهم بين كل العاملين فيه، خاصة في القسم الداخلي، كل حالة مسئولة عنها عاملة هي بمثابة أم حقيقية ترعي شئون ابنها بدءاً من نظافته وتغذيته وتسليته.
رغم أنك بصعوبة تلحظ أنه مكان خاص لإضفاء جو أسري واضح فيه.. فإنه يسير حسب نظام دقيق جداً تتولاه الحاجة آية

مصطفي التي تحتضن أحد أبنائها كما تحب أن تطلق عليه وتقول: 15 عاماً أعمل في هذا المجال هم أولادي الذين لم أنجبهم واليوم الذي لا أراهم فيه أشعر بأن أشياء عديدة افتقدتها.
وتمسح بيد حنون علي شعر الابن الذي يبدو كبيراً في السن لكنها تؤكد أن عمره الفعلي لا يتعدي 8 سنوات، قالت لي: إنه جاء من أحد أماكن الرعاية فاقداً عينه ومصاباً بإصابات شديدة في قدمه كادت تهدد ببترها، لكننا هنا أنقذناه.. ولا ينقصه شيء.
جاءت أعين السيدة الحنون تدمع وهي تقول إن أصعب موقف يواجهها عندما تتصل بأم إحدي الحالات لتخبرها بأن ابنها مريض ولا تأتي للاطمئنان عليه.
وهناك أهالي يطمئنون علي أبنائهم بشكل منتظم وهناك آخرون للأسف لا يفعلون.
في إحدي الغرف جلست فتاة تعاونها المشرفة الخاصة بها في حنان شديد وتطعمها بيدها، علمت أنها مأساة تسير علي الأرض، فقد رفض والدها الاعتراف بإعاقتها بل عزلوها عن العالم لمدة 14 سنة كاملة لدرجة أنها جاءت إلي هذا المكان تسير علي قدميها ويديها أيضاً ولا تعلم كيف تمشي علي الأرض أو تأكل، ويطعمونها عن طريق أنبوبة.. لكنها الآن عادت إليها آدميتها فقط بالعطف والحب تخدمها مشرفتها «جيهان» بعينيها قبل يديها وتضمها إلي صدرها وتساعدها أسماء التي فضلت خدمة هؤلاء الأبناء علي أن تتزوج وتكون أسرة.. وتقول ببراءة شديدة: حاسة إنهم أهلي، مش باشتغل عندهم ولا أجد أي صعوبة في التعامل معهم، حتي إنني أقضي إجازاتي بجوارهم لأنهم أبنائي وإخوتي ودنيتي كلها.
كلام العاملات والمشرفات.. طالع من القلب، وحقيقي جداً ليس به شبهة ادعاء، بدليل أن هذه الفتاة التي تسلمتها الدار لا تعرف حتي كيف تسير علي قدميها، عندما ذهبت ذات مرة في إجازة مع أهلها رفضت الطعام وكانت تعبر بنظراتها عن مشاعر حزينة لم يفهمها سوي أسرتها بالجمعية وهنا علموا أنها اختارت أن تعيش هنا وليس مع أبويها، ورغم ما يقدم في هذا المكان من مساعدات وخدمات متكاملة سواء إعاشة كاملة أو تعليم وتأهيل وحتي ترفيه فإن أكبر مشكلة تواجه المسئولين فيه وهو عدم القدرة علي استيعاب أعداد كبيرة ممن يحتاجون إلي المساعدة.. وتقول مديرة الجمعية: أكثر شيء يحزنني أن أقول لأسرة لا يوجد مكان، لكننا نواجه مشكلات عديدة، فالجمعية بها قسمان، قسم مدرسة وقسم داخلي، أي إعاشة كاملة، وهناك قسم مجاني وقسم بمقابل مصروفات، ونحن ننفق علي القسم المجاني من القسم الآخر، وللأسف في الصيف نواجه مشكلة كبري لقلة عدد الأولاد به، فنتحمل القسم المجاني وننفق عليه قدر استطاعتنا ذاتياً وتأتينا أسر كثيرة غير قادرة علي الدفع، لكن إمكانياتنا تعجز عن استيعاب كل المترددين، خاصة أن قانون التعاونيات يمنع قبول التبرعات، لكن لدينا جهات وأشخاصاً يتولون الإنفاق علي أولاد لا يستطيعون دفع المصروفات.. والقسم الداخلي مكلف جداً ولو هناك إمكانيات لاستوعبنا أعداداً أكثر، كما أننا نحلم بإنشاء وحدة تخاطب لمساعدة أبنائنا لكنها مكلفة جداً، الجهاز وحده بـ 6 آلاف جنيه.
ونحن نقدم كل جهدنا لمساعدة الأبناء لأننا نري فيهم خيراً كثيراً، لكننا نعمل قدر إمكانياتنا، حتي إننا اشترينا ميكروباص لتنقلات الأولاد في إطار الأنشطة الترفيهية والرياضية، إلا أن لصاً عديم الضمير سرقه ولم نسدد أقساطه بعد، رغم كل هذه الصعاب تبقي السمة السائدة في هذا المكان هو العطاء والحب بلا حدود.

أهم الاخبار