رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إنجازه نقلة أساسية لتحقيق هدف الخروج من الوادي الضيق

توشكى.. استعادة الأمل الضائع

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 07 أغسطس 2014 12:44
توشكى.. استعادة الأمل الضائع
أعد الدراسة: مصطفى عبد الرازق

من المفارقات التي لا يمكن أن تغيب عن ذهن أي متابع لمشروع توشكى انه فيما يقترب من ذكراه العشرين في عام 2017 والتي من المفترض أنها تمثل المرحلة النهائية، فإن التعثر هو السمة اللازمة له رغم المحاولات الجارية من قبل النظام القائم حاليا لبعث الروح فيه من جديد.

ولا ينفصل مشروع توشكى في صيغة الإعلان عنه أو في مسيرته كثيرا عن غيره من المشروعات القومية الكبرى التي واجهت المصير ذاته بشكل أفقد المواطن قبل الدولة الثقة في أي مشروع قومي وتبقى الخسارة على مستويات ثلاثة: أولها ضياع الآمال التي رتبها الكثيرون على ما سيتحقق من فوائد، وثانيها الأموال التي تكون قد أهدرت، وثالثها استنفاد فرصة للنهوضة والخروج من عنق الزجاجة في مسار عملية التنمية التي يمر بها الوطن.
ومن هنا ومع الجهود التي تبدو مخلصة لبعث الروح من جديد في المشروع تأتي أهمية الوقوف على مساره وأسباب تعثره وإمكانيات وحدود النجاح في إقالته من عثرته. وتتأتى أهمية هذه الوقفة من التخوف الذي أشار إليه البعض من تحول المشروع إلى حالة من القمار يؤدي حرص الدولة من خلالها على استعادة ما أنفقته إلى الغرق في مزيد من دوامة الإنفاق التي قد لا تؤتي أكلها ما يمثل مزيداً من الخسارة، في وقت يصعب على الوطن تحمل أي قدر من هذه الخسارة، وهو الفكر الذي ربما يعكسه ويكشف ما ذهب إليه وزير الزراعة السابق في سبتمبر الماضي، حين أكد على أنه لا تراجع عن استكمال توشكى و«استرداد الاستثمارات الحكومية بالمشروع خلال خمس سنوات لتحقيق  أعلى عائد منه والاستفادة من الميزة النسبية للمشروع».
ورغم أن التساؤلات تحيط بقرار الرئيس السيسي حول الأسس التي بنى عليها موقفه بإحياء المشروع إلا أنه وبعيدا عن الجدل حول مدى قيام المشروع على أسس سليمة أم لا وهو أمر من الصعب حسمه من قبل غير المتخصصين فإن الأهداف الكبرى من المشروع،  والتي تسد ثغرة كبيرة في مسار العملية التنموية وتحقق هدف  الخروج من الوادي من خلال مشروع قومي ضخم وهو أمر طالما تاق المصريون لتحقيقه، تجعل من خوض غماره والمغامرة في مواصلته أمراً مطلوباً خاصة مع ما أشار إليه الدكتور الجنزوري الأب الروحي للمشروع من أن هناك نحو 350 دراسة اقتصادية وفنية وبيئية تمت للمشروع، وهو ما يعني أنه قتل بحثا وهو ما يثير التساؤل حول أسباب التعثر حتى الآن.
يكفي في معرض الإشارة إلى الآمال المعلقة على المشروع التطرق إلى ما ذكره وزير الزراعة الدكتور فريد أبوحديد من أنه يتضمن إقامة مجمع زراعي صناعي متكامل اقتصاديًا وفنيًا وإداريًا في المنطقة على مساحة إجمالية 100 ألف فدان، فضلا عن استهدافه زيادة الإنتاج المحلي للإحلال محل الواردات من خلال استهداف المناطق الصالحة للزراعة وغير المستغلة البعيدة عن

العمران. ومن بين ما يستهدفه المشروع زراعة 75 ألف فدان من الأراضي الزراعية لإنتاج محاصيل بنجر السكر والبذور الزيتية، بالإضافة إلى بعض الحاصلات الضرورية للدورة الزراعية الثنائية أو الثلاثية، مثل القمح والذرة والبرسيم وغيرها.‬
كما يتضمن المشروع استيراد 30 ألف رأس من كل من ذكور أبقار وأغنام اللحم من السودان، كأساس لإقامة مشروع تسمين ماشية اللحم بطاقة استيعابية 60 ألف رأس، وطاقة إنتاجية 15 ألف رأس دورة لأبقار التربية، بالاضافة إلى إنشاء مجزر آلي بطاقة 100 رأس يوميًا، ويتيح ذلك كله فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب من جميع التخصصات، فضلا عن تمليك 15 ألفاً من شباب الخريجين لخمسة فدادين لكل منهم. وأما على صعيد العائد المادي فإن المشروع في التصور الأولى سيحقق دخلا إجماليا صافيا للبلاد يقدر بمليار جنيه، ومن المنتظر أن تسترد كل استثماراته الثابتة في خمس سنوات ونصف.
وبالإضافة إلى ما سبق فمن بين الآمال المعلقة على المشروع توفير القمح الذي تعتبر مصر أكبر مستورد له في العالم والسعي للاكتفاء الذاتي منه. وفي هذا فإن الدراسات تشير إلى أن التوسع في زراعة مثل هذا المحصول تتوافق مع طبيعة التربة والمناخ.
غير أن القراءة المتأنية في تطورات المشروع منذ بدئه تشير إلى تعثره وأن ذلك يأتي على خلفية عمليات منافسة سياسية على رأس قمة هرم السلطة في مصر في ذلك الوقت، كان من تداعياتها سوء إدارة المشروع بالشكل الذي وصل إلى مستوى الكارثة، وعبر عنه موقف رئيس الوزراء «محلب» بتحسره على ما آلت إليه معدات المشروع وتساؤله حسبما نقلت عنه بعض المصادرة الصحفية «ماذا نقول للناس؟». فقد بدأ المشروع بداية حالمة حظيت بموافقة الرئيس الأسبق مبارك وجرى الترويج له بشكل كبير باعتباره نقلة جديدة في حياة المصريين غير أن الأمر شابه قدر من التحول بعد فترة غير قصيرة كان قد تم ضخ أموال كبيرة فيه تقدر حسب أكثر المصادر دقة بنحو 6.5 مليار جنيه مصري.
ومن واقع العمليات التنفيذية في المشروع وما تم به يمكن القول إن أحد أبرز أسباب تعثره تركيزه على إقامة البنية الأساسية لعملية الاستصلاح دون الاهتمام بتوفير بنية لإقامة من يقوم على العمل في المشروع.. لقد استغرق العمل في توفير المياه من خلال محطة الرفع وترعة الشيخ زايد الجهد الأكبر، حيث تتراوح تقديرات محطة الرفع وحدها والتي تعتبر الأكبر في العالم بما يزيد على مليار ونصف المليار
جنيه.. فضلا عن فروع قناة  الشيخ زايد الأربعة، وهي الفروع التي لم تستغل، حيث لا يتم سوى تشغيل وحدتين من إجمالي 21 وحدة لرفع المياه بمعدل ساعتين كل خمسة أيام فيما لم يتم توجيه أي قدر من الاهتمام بما يشجع العاملين بالمشروع على الإقامة من مواصلات وشبكة طرق وخدمات صحية وتعليمية واتصالات وهو ما يشبه تجربة إقامة بعض المجتمعات العمرانية الجديدة في وزارة  الإسكان والتي اقتصرت على إقامة المباني دون الخدمات ما جعلها أقرب لكونها صحراء خالية من البشر.
يكفي أن نشير هنا إلى أنه فيما بدأ العمل في توشكى بأكثر من 10 آلاف مهندس وفني وعامل نواة المجتمع السكني يقدر الآن بنحو 200 مهندس فقط وهو رقم يكشف ليس عن تدني حجم العامل البشري في توشكى وإنما عن غيابه من الأصل في ضوء الآمال المطروحة على حجم الكثافة البشرية التي يستهدفها المشروع والتي تصل حسب تصريحات محلب إلى مليون فرصة عمل وحياة لمليون أسرة من خلال 44 تجمعا عمرانيا. وهو أمر قد يبدو منطقيا إذا علمنا من واقع زيارة «محلب» أنه ليس هناك مستشفى في توشكى، حيث وعد بإنشاء مستشفى هناك فضلا عن ضعف شبكات الاتصالات، ما يجعل من توشكى بمثابة منفى، هذا فضلا عن غياب عامل أساسي لأي عملية تنمية وهو شبكة الطرق التي كان من المفترض إقامتها لربط المشروع بالوادي بما يجعل من الوصول لأرض المشروع أمرا ميسورا للمواطن المصري  الذي سيخوض غمار المغامرة ويعمل في توشكى من أي بقعة فيسهل عليه الانتقال من أي بقعة في مصر خاصة النقاط الرئيسية للارتباط مع مقر المشروع وليكن من القاهرة وأسيوط والوادي الجديد وأسوان.
ولعل ما يكشف أن هذه الأمور لا تغيب عن ذهن المسئولين ما أشار إليه وزير الري في معرض حديثه عن المشروع وسبل إحيائه من أن المشروع أصبح طاردا بعدما تحول من «مشروع متكامل» إلى مشروع زراعي فقط يفتقد الخدمات السكنية والتعليمية والصحية، وهو ما قد يكون من المنطقي معه استيعاب أنه حتى هذا الجانب المتعلق بالزراعة سيلحقه التدهور هو الآخر لينتهي المشروع إلى مجرد مجموعة معدات تتحول إلى خردة.
وأما عن مشكلة المياه في ظل ما يشير إليه الخبراء من أن مصر تواجه عجزا مائيا فإنها إذا وقفت حائلا دون إنجاز المستهدف بالكامل من المشروع فإنها لن تقضي تماما على فرصة قيامه مع تراجع حجم المساحات المستهدفة هذا إذا تم الفشل في توفير المياه اللازمة، رغم أن البنية الأساسية المتعلقة بتوفير المياه على نحو ما أشرنا بشأن محطة رفع المياه والاستعانة بمياه النيل ومما يشار إليه هنا أن نحو 98% من الأعمال الخاصة بالرى داخل المشروع منتهية هذا إلى جانب أن النية قائمة للعمل في حفر 30 بئرا من الآبار الجوفية من إجمالي 250 بئرا مستهدفاً دخولها الخدمة.
ويبقى أن إعادة إحياء المشروع ودخوله مرحلة الإنتاج مرهون بالإرادة السياسية والقدرة على حشد رأس المال والمستثمرين وهو هدف من الأهمية بمكان ما يستدعي تكاتف الجميع وهو أمر قد يكون ميسورا إذا أدركنا حيوية مثل هذا المشروع للخروج من الوادي وفتح آفاق جديدة للتنمية، الأمر الذي يبقى محل شك في ضوء حالة التحول التي تمر بها مصر وتلقي بتأثيراتها السلبية على كافة الخطط بما فيها التنموية وهو ما يفرض مزيداً من التحديات على الرئيس السيسي ويجعل المشروع بمثابة أحد الرهانات الأساسية التي قد تعكس إما نجاحه أو فشله في شق طريق جديد غير تقليدي للخروج بمصر من عثرتها.

أهم الاخبار