"الوفد" فى قرى الهاربين إلي الضياع:

الفقر والبطالة وراء مغامرات السفر إلى ليبيا

تحقيقات وحـوارات

الاثنين, 21 أبريل 2014 07:03
الفقر والبطالة وراء مغامرات السفر إلى ليبيا
تحقيق – نادية مطاوع تصوير: أحمد حمدى

من لم يمت بالفقر مات بغيره!! ففى بلاد يطحن الفقر أكثر من نصف سكانها، لم يجد المصريون طريقاً للحصول على لقمة العيش سوي الهرب منها

وحكايات المصريين الذين فقدوا أرواحهم علي دروب الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا كثيرة! ولكن هذه المرة فالهجرة ليست إلي أوروبا واحتمال النجاح فيها محفوف بمخاطر هائلة، فوجهة المصريين اليوم إلي ليبيا، حيث ينتظرهم موت محتوم من عصابات تفتك بالمصريين دون ذنب.
عشرات بل مئات المصريين ذهبوا إلى الحدود المصرية - الليبية حاملين أرواحهم علي أكفهم، هربوا من الفقر الذي يقتلهم كل يوم إلي موت ينتظرهم بلهفة، منهم من ضبط قبل المغادرة وكان مصيره الحبس، ومنهم من تمكن من التسلل إلي ليبيا ليواجه مصيره المحتوم هناك.
أنباء مقتل 7 مصريين في ليبيا برصاص العصابات المسلحة، واختطاف 24 متهماً واحتجازهم لفترة لم تثن آلاف المصريين عن فكرة السفر إلي ليبيا، وبعد أن منعت السلطات الليبية دخول المصريين إلا بتأشيرة دخول على جواز السفر، ووجود عقد عمل، وكذلك طالبت السلطات المصرية المصريين بعدم السفر إلي ليبيا إلا للضرورة القصوى، إلا أن كل هذا لم يؤثر فيمن قرروا السفر إلي دولة تحكمها عصابات مسلحة تفتك بهم، لذا انتشرت في الفترة الأخيرة أنباء إلقاء القبض علي عشرات المصريين الذين ضبطوا متسللين إلي ليبيا عبر الحدود، منهم 53 شخصاً تم القبض عليهم في الأسبوع الماضى، 23 منهم من أنباء محافظة المنيا، و2 من بني سويف، و2 من كل من الفيوم وكفر الشيخ والغربية و3 من الدقهلية، و15 من أسيوط وشخص واحد من كل من قنا والبحر الأحمر وسوهاج والبحيرة.
وألقى القبض عليهم في منطقة تجميع بمدينة سيدي براني التي تبعد عن الحدود الليبية بحوالي 80 كيلو متراً، قبلها بأيام قليلة كانت قوات حرس الحدود تمكنت من القبض على 100 شخص حاولوا التسلل إلي ليبيا عبر الدروب الجبلية جنوب منفذ السلوم البرى، منهم 72 مصرياً و19 سودانياً وفلسطينيان اثنان، وسورى، وإن كان من بين هؤلاء المقبوض عليهم محمد ج. ع. الذى ينتمي لمحافظة المنيا، والصادر بحقه حكم بإحالة أوراقه للمفتي لاتهامه في قضايا قتل الضباط وأفراد الشرطة بمركز مطاى بالمنيا، إلا أن الباقين كانوا من المواطنين العاديين الذين حاولوا الهروب إلي ليبيا بحثاً عن لقمة العيش.
الأغرب من ذلك تلك الواقعة التي شهدتها الحدود المصرية - الليبية حينما تمكنت قوات الأمن منذ أيام قليلة من القبض علي 45 شخصاً حاولوا التسلل إلي ليبيا بينهم نساء وأطفال، معظمهم من أبناء محافظات المنيا والفيوم وأسيوط.
«الوفد» حاولت البحث في هذه الظاهرة الجديدة، فليبيا لم تعد طريقاً آمناً للهروب إلي إيطاليا كما كانت من قبل، ومعظم المقبوض عليهم من البسطاء الذين حاولوا التسلل إلي ليبيا للعمل فيها في مهنة المعمار أو التجارة، منهم نساء وأطفال تحملوا مشقة السفر عبر الدروب الجبلية وصولاً للحدود المصرية، حاملين أرواحهم جميعاً علي أكفهم، ذاهبين إلي جحيم الموت، هربوا من الفقر الذي يطحنهم في بلادهم إلي القتل والإرهاب في بلاد غريبة.

رحلة المخاطر
الغريب أن هؤلاء المتسللين يدفعون ما يتراوح بين 3 و5 آلاف جنيه للسماسرة الذين يقومون بتهريبهم عبر الدروب الجبلية الحدودية التي يعلمونها جيداً، حيث ينتمي هؤلاء السماسرة إلي قبائل بدوية تعيش في محافظة المنيا، ولهم أقارب في ليبيا، حيث يقسم المبلغ بين هذه القبائل التي تقوم بتقسيم عملية التهريب ما بين الأراضى المصرية حيث يصحبهم السمسار المصرى، حتي يتم توصيلهم لنقطة معينة، بعدها يصحبهم السمسار الليبي حتي يدخلهم الأراضى الليبية.
وهذه الرحلة التي يستخدم فيها هؤلاء سيارات دفع رباعى، ليست رحلة ترفيهية إنما رحلة محفوفة بالمخاطر بسبب الألغام المنتشرة في الصحراء الغربية، والتي قد تنفجر فيهم وهو ما حدث من قبل كثيراً، أما الآن فالأخطر من هذه الألغام هو عصابات تهريب الأسلحة التي تسيطر علي هذه الطرق والدروب الجبلية والتي قد تتعامل مع هذه المجموعات فيكون مصيرها الموت، ومن ينجح منهم في الوصول إلي الأراضى الليبية يتعرض إما لخطر القتل أو الابتزاز من جانب العصابات المسلحة التي تفرض إتاوات علي المصريين تتراوح بين 40 و50 ديناراً ليبياً للسماح لهم بالمرور من منطقة إلى أخرى.
ورغم كل هذه المخاطر إلا أن هناك من يغامر بحياته للسفر إلي ليبيا.
«الوفد» بحثت في الأسباب لنجد أن معظم هؤلاء المتسللين ينتمون لمحافظات الفيوم والمنيا وأسيوط وقنا، أي أن معظمهم من محافظات الصعيد، التي يطحن الفقر 51٪ من سكانها وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ويعيشون في ظروف اقتصادية سيئة للغاية، حيث يعجزون عن توفير قوت يومهم، وتنذر نسبة الفقر في محافظة أسيوط بـ69٪، وسوهاج 59٪ وأسوان 54٪ وقنا 51٪، والفيوم 55٪ لتحتل بذلك المركز الرابع بين المحافظات الأشد فقراً.

كله موتة
ففي محافظة الفيوم التي تعد المصدر الأول للهجرة غير الشرعية إلي ليبيا التقينا عدداً من أبناء المحافظة الذين يعانون الفقر، بعضهم أكد أنه يخشى السفر إلي ليبيا في الظروف الحالية والبعض الآخر قال

«كله موت وخلاص».
عزبة الأصفر واحدة من أشهر قرى محافظة الفيوم وأكثرها فقراً، معظم سكانها ينتمون لقبيلة القذاذفة ويعتبرون الرئيس الليبي الراحل معمر القذافى ابن عمهم، وحاميهم وبعد موته لم يعد لهم سند في ليبيا، ولم لا، والقرية التي كانت تعاني الفقر المدقع نتيجة لجفاف «بحر وهب» الذي يمدهم بمياه الري مما جعل السكان يعجزون عن زراعة أراضيهم، فقام القذافى بإنشاء محطة رفع لهم منذ عدة سنوات، هذه المحطة هي سبب استمرار الحياة في القرية حتي يومنا هذا، ورغم أن عبدالله الأصفر أحد أبناء القرية، أكد أنه منذ وفاة القذافى ولم يعد أحد من أبناء قريتنا يسافر للعمل في ليبيا، إلا أنه أكد أن الظروف الاقتصادية تطحن أبناء القرية، فلا يوجد بها فرص عمل سوي الزراعة، ولولا محطة الرفع التي أنشأها القذافى لمتنا من الجوع، ونسبة البطالة مرتفعة جداً بين أبناء القرية، وحتي المدينة الصناعية التي لا تبعد عن القرية سوى كيلومترات قليلة لم تشغل أبناء القرية الذين تنتشر بينهم الأمية.
ويلتقط حسن محمود أطراف الحديث، مشيراً إلي أن مصنع الكيماويات القريب من المنطقة أدي إلى تلوث مياه الري، وأتلف المحاصيل الزراعية، وأدى إلى نفوق الحيوانات، مما زادنا فقراً علي فقرنا، ورغم كل هذه المعاناة إلا أن أحداً من أبناء القرية لا يفكر في السفر إلي ليبيا بسبب ما نسمعه عما حدث فيها، كما أنه لم يعد لنا أحد فيها بعدما حدث للقذافى.
أما عرابى مصرى، فأكد أن السفر إلي ليبيا أصبح خطراً، ولكننا قد نلجأ إليه لنري أبناء أعمامنا المقيمين في ليبيا، ولنوفر القوت لأبنائنا، وأضاف: أنا كنت أعمل في ليبيا مقابل 300 دينار في الشهر، هناك كانت الأسعار رخيصة فكنا نعيش بمبلغ بسيط جداً، ونرسل الباقى لأسرنا، ولكن بعد تغير الأحوال، لم نعد نسافر إلي ليبيا ونعيش هنا نعاني الفقر وضيق الرزق، وإن شاء الله بمجرد أن تستقر الأحوال هنا سأسافر لأرى أقاربى وأعمل لأوفر قوت أبنائى.

أسباب المغامرة
وفي قري تطون وأبو جندير مركز إطسا بالفيوم، تظهر المتناقضات التي أغرت الكثيرين بالمغامرة، حيث تنتشر المنازل الفارهة التي بناها أبناء القرية ممن هاجروا إلي إيطاليا، أو ممن ذهبوا للعمل في ليبيا، ورغم أن قرية أبو جندير كانت حديث الناس في الآونة الأخيرة بعد أن تعرض عدد من أبنائها للاختطاف علي أيدي مسلحين في ليبيا، إلا أن التجربة مازالت مؤهلة للتكرار بسبب سوء الأحوال، وهو ما أكده أحمد على أحد شباب القرية، والذي قال لو جاءتني فرصة للسفر إلي ليبيا بأي طريقة سأسافر فوراً، فنحن نموت هنا كل يوم، لا عمل، ولا دخل، ولدى أسرة مكونة من زوجتي وطفلين، وأنا عامل أرزقى علي باب الله، فكيف أوفر لهم طعامهم، والأطفال ستكبر، ونفسي أدخلهم المدرسة حتي لا يلاقوا نفس مصيرى، فكيف سأنفق عليهم، فالموت وراءنا سواء في مصر أو في ليبيا، والعمر واحد والرب واحد.
ولكن عاشور محمد رفض هذه الفكرة قائلاً: كيف أترك أسرتي وأذهب للموت هناك، صحيح نفسي أبني بيتاً كبيراً وأعيش فيه أنا وأبنائى، ولكن هذا لا يجعلني أحتمل المخاطرة بحياتي في بلد الموت فيها هو المصير.
وعاشور الذي يحمل مؤهلاً متوسطاً ويعمل نقاشاً لم يجد عملاً، فلجأ للعمل في مقهي ليعول أسرته الصغيرة.
أما محمد شعبان، أحمد أبناء قرية قلهانة، فقد باع قطعة الأرض التي كان يمتلكها واشتري «تاكسى» ليعمل عليه، إلا أن الانفلات الأمني كان سبباً في سرقة التاكسي، ودفع 40 ألف جنيه ليستعيده مرة أخرى وبعدها قام ببيعه، وأصبح بين شقى رحى إما أن يشتري سيارة جديدة لتسرق أو يسافر إلي ليبيا مثل باقي أبناء قريته ليموت!!
كذلك وقف محمد ربيع يفكر في الأمر خاصة بعد اختطاف ابن عمه محمد كارم في ليبيا وعودته مؤخراً بلا أوراق أو أموال، وقال أنا عامل خرسانة، ولا يوجد عمل في مصر، والسفر إلي ليبيا مخاطرة كبيرة، والفقر هنا يلازمنا مثل ظلنا، فلا توجد فرص عمل في المحافظة، وليس معي شهادة سوي الإعدادية حتي أعمل بها فماذا أفعل؟
كارم وهبة، والد محمد العائد مؤخراً من الاختطاف في لبييا، قال لنا: شباب القرية ليس أمامهم سوي السفر، فالبطالة منتشرة في المحافظة كلها، ولا توجد أي فرصة عمل هنا، وكل شاب إما يعمل ليساعد أسرته، أو ليكون نفسه ليتزوج ويكون أسرة، فماذا يفعلون؟
الأب أكد أن محمد بعد التجربة التي تعرض لها قرر عدم السفر مرة أخرى، وأصبح يعمل علي سيارة يحصل علي الفتات يساعد بها أسرته التي يعيش جميع أبنائها المتزوجين في بيت واحد، وجميعهم يعملون «أرزقية» لا يوجد دخل ثابت لهم، وبالتالى يساهمون جميعاً في إعالة الأسرة.
علي سيد على، شيخ البلد، أكد أن الناس في قري الفيوم يعيشون «تحت تحت تحت» خط الفقر، فلا توجد في القرية أي مهنة سوي الزراعة، وبعد ارتفاع أسعار الأسمدة أصبحت تكلفتها عالية جداً، ولا يقدر عليها أبناء القرية، لذلك هجروها، وفكروا في السفر.
 

أهم الاخبار