قناة الجزيرة .. الصوت الأمريكي بلسان عربي

قناة الجزيرة .. الصوت الأمريكي بلسان عربي
السيد الغضبان

عبر اتصالات هاتفية ورسائل البريد الالكتروني تلقيت استفسارات وتساؤلات حول مقال الأسبوع الماضي، الكثير منها يضيف إدانات لقناة الجزيرة،

وبعضها عاتب لأنني كنت في فترات سابقة أشارك في برامج قناة الجزيرة كأحد الضيوف في بعض برامجها وينهي المعاتبون رسائلهم بسؤال استنكاري لماذا إذن تهاجم الجزيرة الآن؟!
والحقيقة إنني أعتز بمشاركتي في بعض البرامج عندما كانت الجزيرة هي النافدة المتاحة لقوي المعارضة والعبرة بما كنت أدلي به من آراء في هذه البرامج.

(1)
كنت في البدايات المبكرة لقناة الجزيرة أرحب بقوة مع كل قوي المعارضة بهذا الصوت الذي حطم أسوار التعتيم الإعلامي الصلبة التي أقامتها أنظمة الحكم القمعية في العديد من الدول العربية عامة وفي مصر خاصة، ولم أكن أتردد في تلبية أي طلب من قناة الجزيرة للمشاركة في برامج أدلي فيها برأيي الذي لم يتغير ولم يتبدل لأدين أي ممارسات قمعية وأدعم التحرك الرافض لكل صور الممارسات القمعية.
وعندما انفجرت ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكنت المتحدث باسم الجمعية الوطنية للتغيير كان الدعم الإعلامي الذي قدمته قناة الجزيرة للثورة عملا رحب به الثوار، ولم تتردد كل قوي الثورة في الثناء علي هذا الدعم الذي كان له أثره الإيجابي.
(موقف الجزيرة من ثورة يناير وثورات ما سمي «الربيع العربي» له حديث مفصل في السطور القادمة)، هكذا رحبت بصوت وجه ضربات مؤثرة لأنظمة حكم قمعية بل إنني سجلت للجزيرة أنها كانت سببا في ظهور إعلام مستقل حاول أن ينافس في كسر طوق العزلة الإعلامية المفروضة علي الشعب المصري.
ورغم هذا كله، فإن إدراكي لهذه النتائج الإيجابية لم يحجب عن ناظري التوجهات الحقيقية والأهداف النهائية لقناة الجزيرة، وهي الترويج للمخططات الصهيوأمريكية لتمزيق الوطن العربي وكسر أطواق مقاطعة إسرائيل وإقامة أنظمة حكم ترفع شعارات تدغدغ عواطف الجماهير الدينية وتكون قادرة علي تمرير المخططات الصهيوأمريكية بغطاء من الرضا الشعبي العام والتأثر بالخطاب الإسلامي المضلل.
بعد هذا التوضيح الضروري لموقفي الشخصي والذي أتصور أنه موقف الكثيرين من شخصيات وطنية معارضة أتوقف بشيء من التفصيل أمام شواهد وبراهين تؤكد ما ذهبت إليه من أن الجزيرة تمثل إحدي الوسائل المهمة لتنفيذ المخطط الصهيوأمريكي.

(2)
ارتكزت الخطة الصهيوأمريكية علي إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في موقع استراتيجي، وكان الاختيار الأمثل هو موقع إمارة قطر وإنشاء «قاعدة إعلامية» قادرة علي توجيه قصفات وضربات مؤثرة لأنظمة الحكم العربية القمعية لضمان المزيد من خضوعها والقبول بتنفيذ المخطط

الصهيوأمريكي بتمزيق المنطقة الي دويلات أو إزاحتها لصالح قوي الإسلام السياسي القادرة علي إقناع الجماهير بتفسيرات دينية مغلوطة بقبول هذا المخطط، ووجدت أمريكا وإسرائيل ضالتهما في رجل قطر القوي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، وزير الخارجية وللرجل طموحات شخصية بلا حدود، ويري أن تحقيق هذه الطموحات لا يتحقق إلا بدعم أمريكي يحمي إمارة قطر الصغيرة من جيران أقوياء بينها وبينهم مشكلات حدودية ويحمي أيضا انقلابا قاده وزير الخارجية ووضع فيه الشيخ حمد بن خليفة علي كرسي الإمارة في انقلاب أطاح بأبيه الشيخ خليفة الذي لم يستسلم وقتها وأخذ في تجميع الأنصار ليسترد عرش إمارته.
هكذا تلاقت المصالح الأمريكية الإسرائيلية مع طموحات الشيخ حمد بن جسم بن جبر، ما يعنينا الآن في هذه الصفقة المهمة الموكولة الي «قناة الجزيرة» للترويج لهذا المخطط ثم للدفاع عنه عند بدء التنفيذ.

(3)
أولا: تبدأ قناة الجزيرة خطابها الإعلامي ببث الأخبار الممنوع بثها بالإعلام الرسمي للدول العربية خاصة مصر. كما تستضيف القناة رموز المعارضة الممنوعين من الظهور في الإعلام الرسمي لدولهم والمحاصرين بعنف. وحققت هذه السياسة نجاحا باهرا وتزايدت كثافة المشاهدة لهذه القناة بدرجة كبيرة وحازت علي ثقة الجماهير العريضة  في مصر والكثير من البلاد العربية باعتبارها صوت المعارضة لأنظمة الحكم القمعية.
ثانيا: تلتزم القناة بدرجة معقولة بالمعايير المهنية ولهذا جعلت شعارها «الرأي والرأي الآخر» وهو شعار يضيف للقناة مزيدا من ثقة المشاهدين.
ثالثا: تحت غطاء هذه الشعارات والخطاب الإعلامي الذي يترجم هذه الشعارات عمليا تسرب القناة بعض البرامج التي تمهد الأرض لتنفيذ المخطط الصهيوأمريكي.
1 -  أبرز هذه البرامج «شاهد علي العصر»، الذي يقدمه أحمد منصور والذي يبذل جهدا خارقا لإقناع المشاهدين بأن جميع أنظمة الحكم العربية أنظمة قمعية وفاشلة وتسببت في حالة التردي التي أصابت الدول العربية وركز البرنامج بشكل خاص علي تشويه ثورة يوليو، وإهالة التراب علي جميع إنجازاتها السياسية والتنموية والاجتماعية.
2 - برنامج «الاتجاه المعاكس»، ويركز علي التشكيك في كل الاتجاهات الوحدوية والأفكار القومية باستضافة أكثر العناصر تطرفا لتمثيل الاتجاهات المختلفة

ثم يتولي مقدم البرنامج إثارة الضيوف بطريقة فجة ليدفعهم الي التشاؤم والصراخ وينتهي البرنامج، وقد أصيب المشاهد بحالة من التشتت تجعله يفكر بكل الاتجاهات الفكرية والممارسات العملية التي تتعلق بكل مناحي التعاون العربي أو التوجهات الوحدوية.
3 - بحجة الالتزام بالمعايير المهنية تتم استضافة المسئولين الإسرائيليين لتبرير التصرفات الإسرائيلية والدفاع عن الممارسات الإسرائيلية التوسعية، وقد ساهمت هذه الممارسات في كسر الحاجز النفسي للجماهير العربية والذي دعم بقوة حالة المقاطعة الشاملة لإسرائيل.
وقد استند الشيخ حمد بن جاسم، صاحب قناة الجزيرة ووزير خارجيته استند الي هذا التصدع في جدار المقاطعة ليعلن إقامة «علاقات تجارية» مع إسرائيل ويفتتح لها مكتبا تجاريا يرفع علم إسرائيل في العاصمة العربية الدوحة.
رابعا: عندما انفجرت ثورة تونس وبعدها ثورة يناير في مصر كانت قناة الجزيرة هي الصوت الداعم للثوار في مواجهة إعلام رسمي في هذه الدول يهاجم الثوار بشراسة، وكسبت قناة الجزيرة تعاطفا جماهيريا واسعا باعتبارها النافذة التي ينطلق منها صوت الثوار وتكرر نفس المشهد عندما نشبت الثورة في ليبيا.
خامسا: بعد الإطاحة بأنظمة الحكم القمعية في هذه البلاد بدأت قناة الجزيرة في الكشف عن توجهاتها الحقيقية فأخذت تروج بقوة لتيارات الإسلام السياسي خاصة الإخوان المسلمين وكرست القناة برامجها كلها لإقناع المشاهدين بأن الإخوان هم من خطط ونفذ وقاد ثورة يناير «من أبرز هذه البرامج ما قدمه السيد أحمد منصور من حلقات مع صفوت حجازي وآخرين».. وتفتحت شهية قناة الجزيرة لمزيد من السيطرة الإعلامية فأطلقت قنوات خاصة بالشأن المصري «الجزيرة مباشر مصر»، وكرست هذه القناة خطابها الإعلامي لدعم السيطرة الكاملة للإخوان علي مفاصل الحكم في مصر.

(4)
بعد عزل الرئيس السابق الدكتور محمد مرسي أصابت قناة الجزيرة حالة هستيرية وتخلت عن كل المظاهر التي كانت تحرص عليها بدعوي الالتزام بالقواعد والمعايير المهنية وتحولت من وسيلة إعلامية الي «أداة دعاية فجة» تضرب عرض الحائط بكل بديهيات القواعد المهنية، وكان واضحا أن حالة الهستيريا التي أصابت قناة الجزيرة مردها فشل المخطط الأمريكي الذي أجهضته الموجة الثورية في 30 يونية حتي تم بعدها عزل الرئيس السابق مرسي وقطع الطريق علي تمكين تيارات الإسلام السياسي من السيطرة علي مفاصل الحكم في مصر، وما يترتب علي ذلك من آثار سلبية مماثلة علي تيارات الإسلام السياسي التي لم تزل تتشبث بمواقع مؤثرة في الحكم بكل من تونس وليبيا.

(5)
يبقي أن نفرق بوضوح بين شعب قطر العربي المؤمن بالاتجاهات القومية وبالتعاون العربي والرافض لكل المخططات الصهيوأمريكية وبين حكم قطر بعد الانقلاب علي الشيخ خليفة، فهؤلاء مصالحهم وطموحاتهم مرتبطة أوثق ارتباط بالمصالح الأمريكية.
أما قناة الجزيرة المملوكة لهذه الشخصيات فليس أمامها سوي خيارين إما أن تتخلص من هيمنة قياداتها المهنية المرتبطة عضويا بتنظيمات الإسلام السياسي وتعود إلي الساحة كقناة إعلامية محترفة تحترم قواعد مهنة الإعلام.. وإما أن تستمر صوتا لأمريكا ولتيارات الإسلام السياسي التي انحسرت موجات تأييدها في جميع البلاد العربية بدرجة كبيرة ولن تلبث في هذه الحالة أن تنهار تماما مهما أنفقت من أموال.

أهم الاخبار