المذبحة بين قبيلتى الهلالية والدابودية تفتح الملف

القودة.. هل تنهى فتنة أسوان؟

القودة.. هل تنهى فتنة أسوان؟
تحقيق - حجاج سلامة:

هل ينجح الجوادون من رموز القبائل والعائلات وعمد القري الذين ينشطون في إتمام المصالحات القبلية والثأرية بصعيد مصر في إنهاء أزمة قبيلتي الدابودية النوبية وبني هلال بأسوان من خلال نظام القودة الذي يعمل به لإنهاء الخصومات الثأرية

عبر حمل القاتل أو أحد أفراد عائلته لكفنه بين يديه وتقديم نفسه لولي الدم من أهل القتيل وسط حضور أفراد القبيلتين المتخاصمتين، ليقرر الآخر العفو عنه بعد أن قدم حاملاً كفنه بين يديه، وتنتهي الخصومة عند ذلك، سؤال ننتظر الإجابة عنه في الأيام القادمة.
وقد اختلف المؤرخون حول موطن نشأة وانتشار ظاهرة الثأر التي تنتشر في بعض البلدان العربية مثل مصر واليمن، فمنهم من أرجعها إلي العصر الفرعوني، ومنهم من أعادها إلي موسم الهجرة العربية إلي مصر والتي جرت في أعقاب الفتح الإسلامي، مشيرين إلي أن الثأر كان معروفاً وسط القبائل العربية قبل الإسلام، حيث كان الاقتتال ينشب بين القبائل في حال قتل شخص أو قتل ناقة كما جري في حرب «البسوس».
وقد أعتمد المؤرخون الذين أرجعوا ظاهرة الثأر إلي عصور الفراعنة في تأكيد ذلك علي أسطورة إيزيس وأوزوريس وكيف دفعت إيزيس ابنها حورس للأخذ بثأر أبيه من عمه.
وينفرد صعيد مصر عن بقية أقاليم البلاد في انتشار ظاهرة الثأر بين سكانه الذين سقط العشرات منهم ضحية تلك الظاهرة التاريخية التي تأبي أن تغادرهم حتي اليوم بالمقلوب ونهاية بالمدرسة الرابعة التي جعلت أساساً إنسانياً في التعامل مع القاتل إلا أنها علي حسب رأي الباحث أصبحت ضعيفة أمام مجريات العصر الحالي الذي يعج بفتن طائفية وثأرية مما يعني أن إلغاء المدارس لابد منه لتأسيس مجتمع مدني يعالج الضحايا ويبدل القيم الصحراوية بأسس مدنية.

الثأر في صعيد مصر.. مسلسل دون نهاية
وللثأر في صعيد مصر سطوة وحضور متجددان فما إن تتواري ظاهرة الثأر عن العيون قليلاً في الصعيد حتي تعود لتطل برأسها من جديد في صورة أشد عنفاً وقسوة وسط فشل أمني واجتماعي في إيجاد علاج للظاهرة التي تحصد أرواح العشرات من الأبرياء في كل عام.
يقول محمد أبوصالح، إحدي الشخصيات البارزة في مجال المصالحات في الأقصر: إن أشكال الثأر تعددت في السنوات الأخيرة ومن أطرف تلك الأشكال هو حلق الشنبات، فعلي غرار ما يجري في الأفلام السينمائية، ابتكرت عائلة في إحدي القري بمحافظة قنا وسيلة جديدة وطريفة للثأر، وذلك بحلق شوارب وحواجب وذقون ورؤوس خصومهم بدلاً من قتلهم!، الابتكار الجديد شهدته قرية المحروسة غرب قنا، حيث قامت إحدي العائلات باحتجاز أحد رجال عائلة أخري بسبب خصام بينهما، وقامت بحلق شعر رأسه وشاربيه ولحيته وحاجبيه، ثم أطلقت سراحه، ليعود إلي عائلته التي اعتبرت تلك الفعلة الفريدة والجديدة من نوعها إهانة لا تغتفر.
وردت العائلة باختطاف أحد رجال العائلة الأخري وفعلت به ما فعلته برجلها، فحلقت له شعر رأسه وشاربيه ولحيته وحاجبيه، ثم أطلقت بعض الأعيرة النارية في الهواء ابتهاجاً بأخذ الثأر.
والطريف في الأمر أن أياً من الطرفين لم يذكر أي شيء عن واقعة حلق الشوارب في المحضر الذي تحرر بالواقعة، وخرج الجميع من ديوان مركز شرطة قنا متحابين بعد أن سجلوا أطرف وسيلة للأخذ بالثأر في صعيد مصر، حتي إن بعض الصعايدة قالوا إن بعض عائلات قنا اضطرت من جانبها إلي تعليق لافتة كبيرة داخل دواوينها كتب عليها: «خللي بالك من شنبك».

تاريخ القودة
وفي محاولة للحد من تلك الظاهرة ومواجهتها والتقليل من عدد ضحاياها فقد لجأ المصلحون ورجال الدين في الصعيد إلي إجراء المصالحات بنظام «القودة» الذي يرضي أهل القتيل ويحفظ كرامتهم بين ذويهم ويحمي القاتل وأهله وينجيهم من موت محقق، وقد نجح رجال الدين والمصلحون والوجهاء في إتمام عشرات المصالحات الثأرية بنظام القودة في المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، خاصة بعد أن وفرت لهم الأجهزة الأمنية دعماً كبيراً بعد أحداث بيت علام.
والقودة لغة - كما يقول الباحث والشاعر محمد عبداللطيف الصغير - هي «الجودة» لكنها حرفت وصارت تنطق «قودة»، حيث تقول العربية جاد.. يجود.. جوداً، والجودة يجود بها المحقوق «أي الذي عليه الحق» فيقدم نفسه

حاملاً كفنه لصاحب الحق الذي يجود بدوره بالعفو عن المحقوق والأجاويد من يقومون بالصلح ويتوسطون بين المتخاصمين.
وينشط الأجاويد لإتمام اتفاقيات المصالحات لإنجاز ما يسعون له من حقن لسفك الدماء ونشر المحبة والسلام بين الناس.
وللقودة أو «الجودة» تاريخ طويل لدي العرب وتختلف في معناها والتزاماتها من بلد إلي بلد، ومن أنواع الجودة التي عرفها العرب رحيل القاتل وأهله من بلد القتيل مدة لا تقل عن دهر أي مائة عام.
وكذلك قيام القاتل بتقديم نفسه إلي أهل القتيل في جمع من الناس يتقدمهم أعيان البلد ورؤوس العائلات حتي يعفو عنه أهل القتيل تقديراً للمجلس والجمع الكريم وبذلك يكون قد احتفظ القاتل بحياته وحافظ أهل القتيل علي كرامتهم وعزتهم وأكدوا قوتهم لبني قومهم وهو أمر معمول به في المصالحات الثأرية بصعيد مصر.
ويقول، محمد الصغير: إنه يروي من تاريخ المصالحات الثأرية في صعيد مصر أن أحد الأجاويد المصلحين ويدعي الشيخ أبوالقاسم الحجازي كان يقوم بمحاولة إتمام مصالحة ثأرية بين عائلتين، فاشترط أهل القتيل أن يقبلوا القودة ويعفو عن القاتل بشرط أن يأتي القاتل وأفراد عائلته حاملين أحذيتهم فوق رؤوسهم، ولما وجد الشيخ الحجازي أن القاتل وأهله لن يقبلوا بهذا الشرط لم يخبرهم به حتي تتم المصالحة وتحقن الدماء، ولما حان موعد القودة واقتراب القاتل وأهله من مكان إتمام المصالحة صرخ الشيخ الحجازي فيهم قائلاً: «إن الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم يحضر المصالحة معنا.. وأن المكان صار طاهراً في تلك اللحظات ولا يجوز أن يدنس بالأحذية»، فما كان من القاتل وأهله إلا أن خلعوا أحذيتهم ودخلوا مكان المصالحة حفاة وتمت القودة وتصالحت العائلتان، والتي راح ضحيتها 22 شخصاً دفعة واحدة في أحداث بيت علام الشهيرة في محافظة سوهاج.
وفي محاولة للحد من تلك الظاهرة ومواجهتها والتقليل من عدد ضحاياها فقد لجأ المصلحون ورجال الدين في الصعيد إلي إجراء المصالحات بنظام «القودة» الذي يرضي أهل القتيل ويحفظ كرامتهم بين ذويهم ويحمي القاتل وأهله وينجيهم من موت محقق، وقد نجح رجال الدين والمصلحون والوجهاء في إتمام عشرات المصالحات الثأرية بنظام القودة في المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان.
لكن نقض بعض المصالحات التي جرت بنظام القودة، وتحول بعض المصالحات إلي معارك كادت تتسبب في مزيد من نزف الدماء لولا التواجد الشرطي المكثف، تسبب في تفجر جدل واسع حول طرق معالجة قضايا الثأر وضرورة إعادة النظر في مدارس القودة الحالية والتوصل لمدرسة جديدة تعالج عيوب المدارس السائدة في مجال إتمام المصالحات الثأرية بين قبائل الصعيد.
حيث دعا الباحث محمود الدسوقي الديري، المتخصص في دراسة مدارس الثأر في الصعيد، إلي إلغاء نظام حمل «القودة» في إجراء المصالحات الثأرية بصعيد مصر والمعروف باسم المدرسة الرابعة، والتي أسسها العمدة غلاب عبيد غلاب، عمدة قرية المقربية بمركز قوص بصعيد مصر، في ثمانينات القرن الماضي وتم تفعيلها في حادث أولاد علام بمحافظة سوهاج منذ 11 عاماً.. وقال الباحث علي خلفية: إن المدرسة الرابعة التي أسست حمل الكفن بدلاً عن ارتدائه ولبس الحذاء بدلاً عن خلعه والسير بين يدي الشرطة بدلاً عن جر الرقبة بخيط حيوان أصبحت تترنح الآن أمام العنف المتفشي في الصعيد حتي أصبح الصلح مرتبطاً بالواقعة الثأرية كصلح الحمار في قرية أولاد عمرو وصلح الجمل في قرية بأبوتشت وصلح الطفل بقرية أبوحزام وصلح الكاميرا والديجيتال في قرية بخانس وصلح الحواجب والشنبات بقرية المحروسة، رغم أن قانون المدرسة الرابعة الذي أنبثق من محافظة قنا يجعل الصلح بدون مسمي واضح وغير مرتبط بالواقعة
وأن المدرسة التي رأي صاحبها ومؤسسها العمدة غلاب أنه بها سيختم بها شكل المصالحات الثأرية أصبحت هشة أمام اختراقها من جهات عدة تمارس القهر والضغوط علي المتخاصمين ولا تمارس دور المجتمع المدني وأساليب التسامح والتعاطف في المجتمع مما جعل ارتباطها بالأمن وافتخار المحافظين علي إنجازات التصالح دون الافتخار بإنجازات كف المجتمع عن العنف هي السمة التي تجعلها تصل إلي نهايتها.
وأشار محمود الديري، إلي وجود العديد من مدارس الثأر في الصعيد من أشدها مدرسة العبابدة التي كانت تجيز أخذ القاتل كرهينة عندهم إذا قبل الاثنان الصلح وإلي جره كبهيمة وحافي القدمين لمسافة كيلو مترات مثلما يحددها أهل القتيل، ومروراً بمدرسة أخري كانت تجبر القاتل علي ارتداء الكفن بالمقلوب، والمدرسة الثالثة المسماة بالدندراوية، التي كانت تحتم علي القاتل أن يلبس الجلباب الأسود، ويفرق الجوادون بين «القودة» المعروفة التي تستخدم في حالات القتل العلن والجودة وهي طريقة تستخدم في حوادث الموت الخطأ، حين لا يستدل علي القاتل الحقيقي في مشاجرة، لذلك علي العائلة المعتدية أن تقدم شخصاً يرتضي أن يحمل «الجودة» جودة لأنه أجاد بنفسه لردم الدم، أما لجنة التحكيم أو الحكماء - وهي لجنة تشكل بعدد فردي من قضاة الدم - فهي لا تقل عن ثلاثة ولا تزيد علي أحد عشر قاضياً، وهي لجنة تتحقق من الحقيقة، ويأخذون إقراراً كتابياً ويذيل عن طريق محكمة شرعية ويسلم للشرطة بالقودة الجبرية، وهذه اللجنة يكون عليها إقرار عقوبة لمن ينقض القودة أو لا يقبلها، فالقانون العربي يعطي الحرية لأهالي القتيل أكثر ما يعطي الحرية لأهالي القاتل وإذا ارتضت قبيلة القتيل حمل القودة إليها ورفضتها قبيلة القاتل فعلي اللجنة أن تحكم بإهدار دم القاتل في مكان عام.

ثقافة الثأر
الثأر أيضاً له حضوره في الموروث الثقافي، وكما يقول الباحث والشاعر المصري فتحي عبدالسميع، في دراسة موسعة حول تلك الظاهرة فإن حضور الثأر في المخزون الثقافي يبلغ حداً كبيراً من الكثافة، ولا شك أن رسوخ عادة الثأر ينهض علي تراث هائل لا يقتصر علي التراث المعروف أو المحفوظ في الكتب التاريخية أو الفنون الشعبية، بل إن تراث الثأر يحمل ما لا حصر له من الحكايات غير المعروفة، إذ لكل قرية من القري حكاياتها المرتبطة بالثأر والتي تنبع من أحداث حقيقية هي الأهم في حياة القري، والأكثر حضوراً في مجالسها، فالواقعة التي نقرأ عنها خبراً في عدة أسطر صغيرة، تشغل مساحة هائلة في حياة الجماعة المحيطة بمكانها، وهنا يتحول فيها الأفراد إلي مؤرخين ورواة شعبيين، لا يتوقفون أبداً عن تناقل الخبر بل يحيطونه بالكثير من التفاصيل والتصورات والتخمينات والمتابعات لسير أبطال الواقعة من الطرفين واستدعاء كل ما له علاقة بالثأر في ذاكرة تلك الجماعة، وهكذا تتحول الواقعة الجديدة إلي نبع جديد يثري ويجدد ثقافة الثأر ويمد جذورها في أعماق الأجيال الطالعة.
وإذا كانت ثقافة الثأر تدين بالكثير لتلك الحكايات المجهولة بالمعني الواسع لمفهوم الحكاية - والتي نحتاج بالفعل لاشتباك المبدعين أو المدونين معها - إلا أن ثقافة الثأر ترتكز أيضاً علي تراث عام شفاهي ومدون له بعده التاريخي الموغل في القدم، وله حياته الفعالة لا في مجتمع الصعيد المصري وحده، بل في الثقافة لقد لعبت المأثورات الشعبية دوراً في ترسيخ عادة «أخذ العربية بشكل عام الثأر» خاصة في المناطق التي تعج بالصراعات والعصبيات القبلية مثل قنا التي تعد - كما يقول الباحث خالد أبوالليل - أرضاً خصبة للصراعات والعصبيات القبلية، خاصة في بعض مناطقها، كتلك القري التابعة لمركز دشنا «السمطة والحجيرات» ومن ثم يزداد تمسكها وتغنيها بالسيرة الهلالية التي تحرض علي زيادة نار العصبية، بينما كلما اتجهنا جنوباً ناحية مراكز قنا وقفط وقوص ومدينة الأقصر، تخف حدة العصبية ومعها يخف تمسكها بالسيرة الهلالية، إلي حد ما.

عالمية الثأر
وثقافة الثأر لا تبرز في صعيد مصر إلا بحكم ظروف معينة، لكنها تعتمد علي ثقافة قائمة لا في العالم العربي وحده ولكن في الثقافة الإنسانية بشكل عام، والمتأمل لحياتنا لا يجد صعوبة في اكتشاف ثقافة الثأر وهي تؤدي فعلها، بأدوات متنوعة ليس من بينها السلاح الناري أو الأبيض، لكنها فعالة، ولها عواقبها السلبية والسيئة المتغلغلة في كافة أنشطتنا وممارساتنا اليومية، ولعل الأمر بحاجة إلي دراسة مستفيضة تتقصي مظاهر الثأر الناعم في الحياة الحضرية، وأنا علي ثقة من أننا سنلتقي بمشكلة أكبر من مشكلة الثأر في الصعيد، ولعل الثأر في الصعيد مجرد مظهر بدائي ومباشر وصغير من مظاهرها الأخري المنتظرة فيما نعتبره مناطق متحضرة كعواصم المدن الكبري، والتي تتقنع فيها ثقافة الثأر بملامح أكثر فناً ودهاء وتوحشاً.
إن عادة الثأر لا تختص بها منطقة دون سواها، بل لها وجودها الواضح عند كافة الشعوب، وهي ظاهرة عالمية، ولم تختف صورتها بالشكل الذي نراه في صعيد مصر إلا بعد أن تولت الدول زمام الأمور، بحيث لم يعد يشعر المواطن بأية حاجة لأن يتولي الأمر بنفسه، ولم يعد يؤرقه من الأمر سوي وصول القاتل لقبضة العدالة، حين يكون مجهولاً، وهنا يطمئن، فالدولة تعرف واجبها تماماً، وسوف يتم القصاص من القاتل لا محالة.

أهم الاخبار