اللواء أ. ح. حسام سويلم يكتب:

سيد قطب صاحب دعوة "دجالة" ذات أهداف باطنية

تحقيقات وحـوارات

الجمعة, 17 يناير 2014 06:49
سيد قطب صاحب دعوة دجالة ذات أهداف باطنية

من رحمة سيدنا رسول، الله صلي الله عليه وسلم، بأمته أنه في الكثير من أحاديثه ينبئنا بالفتن والمخاطر التي ستتعرض لها أمة الإسلام مستقبلا وعلي مدار القرون، سواء من داخلها أو من خارجها، وذلك لنحذر ونتدارك الأحداث التي قد تؤدي الي ذلك

ونتخذ أسباب دفعها ودرئها حتي نقي الأمة الإسلامية ويلاتها، ومن هذه الأحاديث الشريفة قول حضرته: «أري فتنا يتلو بعضها بعضا كقطع الليل البهيم»، كذلك قول حضرته: «يكون في أمتي دجال ومُبير»، والمُبير هو: الحاكم الظالم.
أما الدجال ودعوته الدجالة فهي «إلباس الحق بالباطل وذلك باستخدام حكم وإلباسه ثوبا باطلا حتي يصل صاحب دعوة الدجالة الي مراده الذي يخالف الحق، ويكن هدفه تشويه صورة الحق» ولأن الدين هو الحق فإن الدجال يستغل الدين ويصرفه الي غير مقصده في هداية النفس الإنسانية، والمتاجرة بالشعارات الدينية البراقة في أمور هي أبعد ما تكون عن مقصد الدين في هداية نفوس المسلمين، وهو ما يعني أن الدجالين متواجدون داخل الأمة الإسلامية يرتدون عباءة الإسلام لكي تسهل لهم السلوك في خط دجالتهم، وهذا هو ما يحذرنا منه رسول الله في قول حضرته: «سيكون في أمتي» أي داخل الأمة الإسلامية وليس خارجها وأن خط الدجالة سيكون موجودا علي الدوام والاستمرار داخل الأمة الإسلامية ومن بين أفرادها وأن الدجالين سيستخدمون أحكاما إسلامية نص عليها القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، ولكنهم سيلبسونها أهدافا سياسية باطلة أبعد ما تكون عن الدين بغرض تمكينهم من الوصول الي السلطة والحكم من خلال استحلال حرمات معارضيهم التي يحرمها الدين، وهو ما ينتج عنه بالضرورة تشويه صورة الدين.
ويرتبط بدعوة الدجالة أيضا ما يطلق عليه «الدعوة الباطنية» وتعني «استخدام الدين وأحكامه ظاهرا لإخفاء ما يبطنه الدجالون من أهداف الوصول الي كرسي الحكم»، ولعل أشهر الدجالين في العصر الحديث في مصر هما حسن البنا وسيد قطب، وكليهما ومن بعدهما جميع مرشدي جماعة الإخوان وأقطابها لم يتورعوا عن صرف آيات القرآن عن مقصدها، وطوعوا معانيها لمقاصدهم السياسية في الاستيلاء علي السلطة والوصول الي الحكم فخرجوا علي المسلمين بأحكام تتعارض مع صريح آيات القرآن ومع بديهيات الدين والعقل مستغلين غفلة الكثيرين عن التكليف الإلهي لهم بإعمال العقل في كل قول يقال باسم الدين فزينوا لهم الباطل وأوقعوهم في الفتنة التي حذر منها رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ومن ثم فإنه باستعراض أدبيات الإخوان وممارساتهم عبر 85 عاما خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة منذ ثورة 25 يناير وحتي اليوم يمكن الحكم علي دعوة الإخوان بأنها دعوة دجالة ودعوة باطنية في ذات الوقت. حين يبطنون حقيقة استهدافهم السلطة والحكم مظهرين ومدعين باطلا أنهم يدافعون عن الإسلام ويسعون الي إحيائه من جديد في شكل دولة الخلافة وعندما شاهد الناس تطبيق الإخوان لهذه الأدبيات التي نص عليها حسن البنا في رسائله وسيد قطب في «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن»، ومن بعدهما كل من سار علي دربهم أمثال شكري مصطفي  في «التوسمات» وعبدالسلام فرج في «الفريضة الغائبة».. وغيرهم من زعماء التنظيمات التكفيرية أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري «زعيمي القاعدة» ممن سعوا في قلوب الناس بالباطل لإفسادها من خلال الترويج لمعتقدات خاطئة تتعارض مع صريح الدين، وشعارات خادعة ومخالفة للشريعة مما ترتب عليه سلوكيات إرهابية تخريبية ضد الأفراد والمجتمع كله، بدون دليل من قرآن أو سنة، تمثلت في استحلال حرمات الناس من أرواح ودماء وأعراض وثروات، وضرب الأمن القومي المصري في بعده الداخلي وهو الأخطر من البعد الخارجي علي النحو الذي شهدته مصر في السنوات الثلاث الأخيرة، وبما أكد للجميع أن جماعة الإخوان وحلفاءها ليسوا سوي خلايا هدم في المجتمع، ولم ولن ويكونوا أبدا خلايا بناء وتنمية وهو ما أوصاهم به سيد قطب في كتابة «معالم في الطريق» مخالفة الإخوان لمنهج الرسل في الدعوة الي الله.
توضح آيات القرآن الكريم أن منهج الرسل في الدعوة الي الله يقوم علي ركيزتين توضحهما الآيتان الكريمتان: «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، دون عنف أو إكراه وأن المولي عز وجل هو الذي يختص بحساب عباده مصداقا لقوله تعالي «فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب» ومن ثم يتبين لنا بوضوح بطلان أساليب العنف التي تنتهجها جماعة الإخوان وحلفاؤها الذين يرفعون شعارات دينية براقة أبرزها «الحكم بما أنزل الله»، فعندما نتناول قصص الرسول في القرآن نجد أن كلا من حضراتهم يدعو قومه الي الالتزام بما أنزل الله في كل أمور حياتهم من عقيدة وعبادات ومعاملات، وتوحيد الله وتنزيهه وعبادته وحده لا شريك له، كما ينتهي قومه عما يرتكبونه من معاص أو فواحش أو ظلم أو عدوان ويبين لهم ما أنزل الله في شأنها من عقاب، ويحذرهم من حساب المولي عز وجل لهم ونقمته عليهم، ولا يلجأ رسل الله إطلاقا الي العنف ليفرضوا علي أقوالهم الالتزام بما أنزل الله، وفي مواجهة إصرار الكافرين والمكذبين والمعرضين علي عدم الالتزام بما أنزل الله من أوامر ونواه، نجد رسل الله يحذرونهم من عاقبة التكذيب ونزول النقمة الإلهية ولا يكرهونهم علي طاعة الله وعبادته ويصبر الرسول علي قومه، لا ييأس أبدا حتي يخبره الله تعالي بأنه «لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن»، عند ذلك يأمر الله رسوله بأن يرحل ومن معه من المؤمنين وتنزل النقمة الإلهية بالكافرين.. سواء بالطوفان أو الغرف أو بالصيحة أو بالخسف أو «بحجارة من سجيل منضود» أو بالرجفة والبراكين والزلازل الي غير ذلك من صور النقم الإلهية.. أما الرسول فهو مصدرية رحمة لقومه مصداقا لقوله تعالي: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وطالما هو قائم في قومه، لذلك يأمره الله بأن يغادر ومعه المؤمنون به المكان الذي به الكافرون لتنزل بهم النقمة الإلهية هذه هي سنة الله في الوجود، «ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا»، فلم نجد أيا من رسل الله تعالي في دعوته لقومه يرفع سيفا أو حتي عصا ليجبرهم علي قبول دعوته الي الله تعالي والائتمار بأوامره والنهي عن نواهيه.
فقد لبث سيدنا نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وينذرهم عاقبة ما قد يقع عليهم من عذاب الله نتيجة مخالفتهم واستمر يدعوهم ليلا ونهارا، سرا وجهرا فرادي وجماعات، فماذا كان ردهم: «وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا» حتي أوحي له الله تعالي بأنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن وأن يصنع الفلك ويأخذ معه القلة المؤمنة معه، أما الكافرون فقد نزلت بهم النقمة الإلهية بالطوفان الذي أغرقهم وأنجي الله رسوله نوحا والمؤمنين به.
نفس الأمر نجده يتكرر في قصة سيدنا لوط عليه السلام حيث دعا حضرته قومه الي طاعة الله والانتهاء عن الفاحشة والمفكر الذي يرتكبونه في ناديهم وقطعهم السبيل، ولكنهم أصروا علي ما هم فيه من فاحشة ولم يلتفتوا الي تحذير رسولهم من نزول النقمة الإلهية بهم بل واستعجلوا العذاب، فأمر الله رسوله بأن يترك المكان ولا يلتفت الي هؤلاء الكافرين الذين أمطرهم الله «بحجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك»، بل وتشير الآية القرآنية الي استمرار هذه السنن الإلهية في الوجود علي الدوام والاستمرار في كل من يرتكب مثل هذه المعصية والفحشاء فتختتم الآية بقوله تعالي: «وما هي من الظالمين ببعيد» أي أن نفس هذه النقمة ستنزل بكل من يرتكب هذه الفاحشة من أمتك يا رسول في مستقبل الزمان وعلي مدار القرون.
ثم تتكرر نفس السنن الإلهية في قصص كل من سيدنا هود وسيدنا صالح وسيدنا شعيب مع أقوامهم حيث نجد الكافرين من أقوام أولئك الرسل قد أصروا علي ما هم فيه من كفر وتكذيب وإعراض حتي تنزل بهم النقم الإلهية بعد أن ينجي المولي عز وجل رسله والمؤمنين بهم.
وفي دعوة سيدنا موسي وسيدنا عيسي عليهما السلام لبني إسرائيل الي طاعة الله تعالي لم تصاحبها أي صورة للإكراه أو الإجبار أو العنف رغم إعراض بني إسرائيل وسلوكهم العدواني ورغم أن فرعون كان من أشد الطغاة والبغاة فقد التزم كل من سيدنا موسي وسيدنا عيسي بأمر المولي عز وجل في دعوته «اذهبا إلي فرعون إنه طغي فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي» ولكنه أبي واستكبر فحلت به وجنده النقمة الإلهية بالغرق بعد أن أنجي الله سيدنا موسي والمؤمنين به وعندما استمر  بنو إسرائيل بعد ذلك في التكذيب والمخالفة لم يلجأ حضرته أبدا الي أي نوع من أنواع القهر أو العنف وهو نفس المسلك الذي سلكه سيدنا عيسي أيضا في دعوته لبني إسرائيل عندما كفروا به وأعرضوا عنه فترك أمرهم وحسابهم الي الله تعالي.
وفي سيرة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم تبدو هذه الحقائق بالغة الوضوح في سيرة حضرته، فقد كان يدعو الناس الي عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته فيما أمر به ونهي عنه وينذرهم عاقبة الكفر والضلال دون أن يلجأ حضرته الي أي صورة من العنف أو الإكراه عاملا بقوله تعالي: «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر» كما كان حضرته يترك المشيئة الكاملة لكل إنسان في أن يؤمن أو يفكر مصداقا لقوله تعالي: «وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» تاركا الحساب والجزاء علي إيمانهم أو كفرهم للمولي عز وجل القائل في كتابه الكريم: «فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب». ولعل هذه الحقيقة تظهر بوضوح فما فعله رسول الله صلي الله عليه وسلم في فتح مكة، فرغم أن حضرته كان منتصرا وفي غلبة ومنعه بمن معه من آلاف المسلمين وكان معظم أهل مكة آنذاك من المشركين إلا إنه قال لهم «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
فإذا كان هذا هو سلوك حضرات رسول الله جميعا في دعوتهم الناس الي الله تعالي، فحضراتهم هم الذين أمرنا الله تعالي أن نتخذهم أسوة حسنة وقدوة لنا، مصداقا لقوله تعالي: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» وقوله تعالي: «لقد كانت أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه» ومن ثم فإن من يتصدي للدعوة الي الله عليه أن يلتزم ويتأسي بسلوك حضراتهم وهنا يبرز سؤال مهم بل تحد نطلقه في وجوه كل من يلجأون الي العنف والإرهاب باسم الدعوة الي الله مثل حماعة الإخوان وحلفائهم: «من هم أسوتكم فيما ترتكبونه من جرائم عنف وإرهاب ضد المسلمين في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية بزعم أنكم تدعونهم الي الله»؟! لقد ذكر الله لنا في القصص القرآني قصص 25 رسولا مع أقوالهم، ولا تختلف أي قصة عن السنن الإلهية السابق إيضاحها حيث لم يلجأ أي من حضراتهم الي العنف أو القهر أو الإرهاب في دعوته للناس الي الله، لذلك نتحدي جماعة الإخوان وكل من يسير في ركابها من جماعات إرهابية متطرفة أن يأتونا بقصة رسول واحد استخدم العنف في دعوته، أما أن تأتينا هذه الجماعات الإرهابية بفتاوي باطلة من قبل زعمائهم أمثال حسن البنا وسيد قطب وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري.. وغيرهم من أمراء الفتنة والإرهاب، فإن كل هؤلاء مصادر فتنة في المجتمعات الإسلامية وغير ملزمين لنا، فنحن كمسلمين ملزمون فقط بالتأسي بسلوك رسل الله تعالي في دعواتهم الي الله وما عداهم من مدعي الإرشاد والافتاء فلسنا ملزمين بهم، خاصة إذا اتسمت دعواهم بالعنف والإرهاب مخالفين في ذلك سلوك رسل الله تعالي بل وأوامر المولي عز وجل الواضحة والصريحة في القرآن والتي تحرم اللجوء الي أي مظهر من مظاهر العنف والقسوة عند الدعوة الي الله.

دجالة سيد قطب بقضية «الحكم بما أنزل الله»
وضع سيد قطب بذرة تكفير كل المجتمعات الإسلامية المتواجدة علي سطح الأرض اليوم بزعم أن حكامها لا يحكمون بما أنزل الله وبعد أن كفّر قطب شعوب هذه المجتمعات دعا جماعته الي تقويض هذه المجتمعات واستحلال حرماتها لكي تقيم جماعته علي أنقاضها دولة الخلافة وتطبيق الحكم بما أنزل الله وفي ذلك يقول سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق» ص67 «إن إعلان ربوبية الله وحده للعالم معناه الثورة الشاملة علي حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل علي كل وضع في أرجاء الأرض يكون الحكم فيه للبشر بصورة من الصور».
لقد كان الفهم الخاطئ لمعني الحكم بما أنزل الله من جانب الجماعات المتطرفة والإرهابية التي اعتقدت باطلا في دعاوي سيد قطب أن أوقعت المجتمعات الإسلامية في أتون الفتنة بدعوي أنها تحكم بغير ما أنزل الله حيث زعمت كل من هذه الجماعات لنفسها أنها اذا استولت علي السلطة والحكم بأنها ستحكم بما أنزل الله، في حين - وكما اتضح فيما بعد كما حدث في مصر - أن هدف هذه الجماعات كلها وبلا استثناء كان ولا يزال الاستيلاء علي السلطة والوصول الي الحكم وهم من أجل ذلك اعتمدوا علي الروايات المدسوسة والفهم الخاطئ للأحاديث الشريفة والآيات القرآنية وتطويعها لأهدافهم السلطوية ولم يكتفوا بذلك بل عمدوا الي تكفير من يخالفونهم في المعتقد ويأبون اتباعهم ثم أسسوا علي ذلك حقهم وفي قتالهم واستحلال حرماتهم وهم في ذلك كله لم يتورعوا عن صرف الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة عن مقصدها والخروج علي المسلمين بأحكام تتعارض مع صريح آيات القرآن ومع بديهيات الدين والعقل مستغلين في ذلك غفلة الكثيرين عن التكليف الإلهي لهم بإعمال العقل في كل قول يقال باسم الدين، فزينوا لهم الباطل وأوقعوهم في الفتنة.
وعندما نتناول معني «الحكم بما أنزل الله» وهو الشعار الذي تدخل به جماعة الإخوان وحلفاؤها علي جماهير المسلمين اليوم، ينبغي أن نطرح سؤالين مهمين: الأول: ما الذي أنزله الله تعالي لكي نحكم به؟ والسؤال الثاني: من المخاطب في القرآن الكريم بأن يحكم بما أنزل الله؟ والإجابة عن السؤال الأول هي أن الذي أنزله الله تعالي هو القرآن كله من آيات عبادات ومعاملات وبينته سنة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم من أخلاقيات وآداب مصداقا لقوله تعالي: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» أما المخاطب في هذه الآيات والأحاديث التي تأمر «بالحكم بما أنزل الله» فهو الفرد المسلم في كل أمور حياته سواء كان حاكما أو محكوما فلقد أنزل الله تعالي في القرآن والسنة الشريفة الكثير من الأحكام التي يجب أن يحكم بها المسلم في كل أموره من عقيدة وعبادات ومعاملات وأخلاق، سواء في علاقته بربه أو بينه وبين نفسه، وأيضا في علاقاته مع الآخرين من أهل بيته وفي عمله ومع كل من يتعامل معهم في حياته اليومية.
ففي العبادات يحكم المسلم بما أنزل الله حين يحافظ علي الفرائض التي فرضها الله من صلاة وصيام وزكاة وحج وبيت الله لمن استطاع إليه سبيلا، بكل أحكامها وتفاصيلها. وفي المعاملات والأخلاق ويحكم المسلم بما أنزل الله حتي يلتزم بكل ما أنزل الله من أحكام البيع والشراء والميراث والزواج والطلاق وغيرها، وكذلك ما أنزله الله في معاملة الوالدين والأهل والزوجة والأبناء والعشيرة الأقربين وغيرهم من الناس، والتزام الأخلاق الكريمة من صدق وأمانة وإتقان العمل والاحتشام وغض البصر وعدم تتبع عورات الآخرين أو التجسس عليهم، الي آخر ما أنزله الله في شأن المعاملات والأخلاق في القرآن والسنة الشريفة فإذا التزم بها المسلمون يكون قد حكم فيها بما أنزل الله وإذا ترك أيا منها يكون قد حكم «بغير ما أنزل الله».
ويمتد الأمر كذلك الي العقيدة اذ يجب أن يكون المسلم في عقيدته ملتزما بكل ما أنزل الله تعالي في أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره فإذا ما اعتقد معتقدا يخالف ما أنزله الله في كتابه وسنة رسوله كما هو الحال في الكثير من المعتقدات الباطلة المأخوذة عن الإسرائيليات - فإنه يكون قد حكم في معتقده هذا بغير ما أنزله الله.. ومن هذه المعتقدات - علي سبيل المثال - «أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون». وهذا يقطع بأن من يعتقد اعتقادا باطلا فهو ممن يحكمون «بغير ما أنزل الله».
كذلك الأحكام التي أنزلها الله في الارتباط بالأسباب، وأن يلتزم بها المسلم في أمور دينه ودنياه، من ذلك الارتباط بأسباب الهداية، فقد جعل المولي عز وجل الرسول هم أسباب الهداية في الوجود، وبعد الرسول الكرام لم تنقطع أسباب الهداية في الأمة المحمدية، والتي تمثلت في بعث ورثة كتاب الله الذين لا ينقطع وجودهم مصداقا لقوله تعالي: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا عن عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير»، وأبرز خصائص هؤلاء الورثة المصطفين من المولي عز وجل أنهم لا يسعون الي سلطة أو حكم وإنما يسعون الي هداية الناس الي الله تعالي مؤكدين قول سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء ما لم يلجأوا أبواب السلاطين»، وأن منهجهم في الدعوة نفس منهج الرسل في حدود قوله تعالي: «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» دون عنف أو إكراه كما لا يأخذ الوارث أي أجر علي الإطلاق مقابل الدعوة الي دين الله عملا بقوله تعالي: «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربي» ووله تعالي: «اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون»، كذلك الأحكام التي أنزلها الله في الارتباط بأسباب الرزق في الدين وأيضا الأحكام التي أنزلها الله في المعاملات المالية بين الناس مثل تجنب الربا وكتابة الديون والمعاملات التجارية وعدم احتكار السلع وعدم الغش هذا فضلا عن الأحكام التي أنزلها الله في الجهاد سواء

في جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر أو جهاد الأعداء في الحرب باعتباره الجهاد الأصغر، ودور مصر الرائد في الجهاد دفاعا عن الإسلام ومقدساته وحرمات المسلمين. كل هذه الأحكام التي أنزلها الله في كتابه وبينتها سنة رسوله الكريم مطالب كل مسلم بأن يحكم نفسه بها وليس فقط الحاكم.
أما ما يُدجل به سيد قطب ومتبعيه من الإخوان من اتهام من لا يحكم بما أنزل الله بأنهم من الكافرين والظالمين والفاسقين، استنادا لقوله تعالي: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، و«من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون». وقوله تعالي: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» سنجده يطوع هذه الآيات لفكره الهدام في تكفير المسلمين ومجتمعهم كله استنادا لهذه الآيات وللرد علي هذا الافتراء فإننا لو تدبرنا هذه الآيات فسندرك علي الفور حقيقة هذه المزاعم الباطلة وما فيها من تعارض كامل مع آيات القرآن، ذلك أن آية قوله تعالي الذي يصف فيها من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قد جاء بعدها مباشرة حكم آخر لهذه الفئة يصفهم المولي عز وجل بـ«الظالمين» ثم آية ثالثة تصفهم بـ«الفاسقين» ومن ثم يتبين لنا أن الحكم الإلهي علي من يحكمون بغير ما أنزل الله يختلف من حالة لأخري من الظلم الي الفسق الي الكفر، إذ إن هذه الأحكام ليست مترادفات وإنما لكل منها السلوك المحدد لها، حيث تشير الآيات الي نماذج ثلاثة من الناس الذين يحكمون بغير ما أنزل الله وجاء الحكم الإلهي فيهم مختلفا بحسب ما في قلب كل منهم من الكفر أو الظلم أو الفسق وغني عن القول إن الله تعالي يختص وحده بالحكم علي ما في قلوب الناس لأنه الأعلم بما في صدور عباده ومن ثم فليس لأحد من الناس أن يدعي لنفسه هذا الحق فيبيح الحكم علي الناس بالإيمان أو الكفر لأنه بذلك يشارك المولي عز وجل في أمر اختص الله به نفسه وبذلك يكون في حكم المشرك بالله، إذ يقول تعالي: «أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله»، ولهذا فإن كل من يدخل علي الدين حكما مرده الي الله تعالي جاعلا من نفسه شريكا في الحكم علي إيمان الناس فهو في حكم المشرك بالله.

المتاجرة بقضية «حدود الله»
وكما تاجر سيد قطب وجماعته بقضية «الحكم بما أنزل الله» تاجروا أيضا بقضية الحدود، وكفروا المجتمع المصري كله بدعوي أن الحاكم لا يطبق حدود الله مستغلين في ذلك قصور فهم بعض المسلمين لمعني «حدود الله» وما يأمر الله به في القرآن من «إقامة حدود الله» علي ما شاع علي حدود بعض الجرائم كحد السرقة والزنا وقطع الطريق وشرب الخمر وغيرها وأن الآيات التي تتناول «إقامة حدود الله» تتعلق فقط بتنفيذ الحاكم لبعض العقوبات التي حددها الشرع لبعض الجرائم.
وهذا الفهم الخاطئ لمعني حدود الله فتح الباب علي مصراعيه للصراعات الدموية بين المسلمين حيث تتخذ جماعة الإخوان وحلفاؤها من الدعوة الي «إقامة حدود الله» شعارا تزج به في صراعها للسيطرة علي الحكم وفي تبريرها للدعوة للاستيلاء علي السلطة وإذا رجعنا الي الآيات القرآنية فسنجد أن «حدود الله» لا تقتصر فقط علي بعض العقوبات التي يجب علي الحاكم تنفيذها حماية للمجتمع، بل سنجد أن الخطاب في الآيات التي تأمر بإقامة حدود الله موجهة الي المؤمن الحق في كل أمور حياته وسلوكه وتصرفاته وهو ما يتبين بوضوح في سورة البقرة عن الصيام التي تنبأ بقوله تعالي: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون» ثم تمضي الآيات تبين أحكام الصيام ثم تختتم بقوله تعالي: «تلك حدود الله فلا تقربوها» ولذلك في سورة الطلاق التي تبدأ بقوله تعالي: «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة» ثم تمضي الآيات تبين أحكام الله في التعامل مع المطلقات وحقوقهن ثم تختتم الآية بقوله تعالي: «وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه»، نفس الأمر يتضح في سورة النساء في الآيات التي تتحدث عن حقوق اليتامي ثم تختتم الآيات بقوله تعالي «تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين»، ويتبين لنا بوضوح من هذه الآيات جميعها أن الخطاب فيها للمؤمنين كل علي حدة تبين لهم حدود الله فيما يتعلق بتقوي الله والأرحام ومعاملة اليتامي والزواج وحقوق النساء علي أزواجهن في التراضي والخلاف ونظام المواريث الي آخر ما يرتبط بكل ذلك من أحكام والتي ينبغي علي كل مؤمن يخشي الله أن يراعيها ولا يتعدي حدود الله فيها، ونلاحظ في هذه الآيات كسابقيها أيضا أنها لا تتضمن أي عقوبات يتعين علي ولي الأمر تنفيذها علي المخالفين والمتعدين لحدود الله فيها ولكن الذي تضمنته الآيات أخطر وأهم ذلك أنها تضمنت تبيينا لسبيل النجاة والفوز العظيم في الدنيا والآخرة لمن أراده وسعي اليه وطريق الهلاك والعذاب المهين لمن تعدي حدود الله، ويتضح من كل ما سبق أن إقامة حدود الله هي أمور تتعلق بالإنسان نفسه وإقامتها هي مسئولية شخصية علي عاتق كل مؤمن علي نفسه والقائم عليها هو القائم علي كل نفس بما كسبت، قيوم السماوات والأرض.
وهكذا يتبين لنا من واقع آيات القرآن وأدلتها القطعية الثبوت القطعية الدلالة مقدار الخطأ والتضليل وابتغاء الفتنة والمزايدة والدجالة والمتاجرة بالدين من جماعة الإخوان وحلفائها الذين يشيعون أن «ما أنزل الله» و«حدود الله» ليست إلا العقوبات الواردة في بعض كتب الفقه علي بعض الجرائم ويقصرون مسئولية «إقامة الحدود» و«الحكم بما أنزل الله» علي الحكام ويحكمون علي المجتمع كله بالكفر بزعم أن الحكام لا يسنون قوانين نستخدم الإكراه بالقوة مع من يحكمون عليه بأنه يخالف ما أنزل الله ويتعدي حدود الله وأصحاب هذه الدعاوي ذلك يكونون قد ضلوا وأضلوا حينما اعتبروا أن «الحكم بما أنزل الله» و«إقامة حدود الله» ليست إلا تطبيق بعض العقوبات علي بعض الجرائم التي وردت بكتب الفقه، وضلوا وأضلوا أيضا حينما قصروا مسئولية «الحكم بما أنزل الله» و«إقامة حدود الله» علي الحكام بينما الحقائق القرآنية تدل علي أنها تكاليف شخصية لكل نفس علي حدة ولا يجدي لصدق أدائها رقابة حكام أو سلطانهم نظرا لخصوصيتها وتعلقها الكامل بتزكية النفس وتقوي القلب لكل إنسان علي حدة.. ومن ثم فمن الخطأ أن نعتقد فيما يزعمه سيد قطب وجماعته من أن هناك مجتمعا «يحكم بما أنزل الله» و«يقيم حدود الله» ومجتمعا آخر «يتعدي حدود الله» و«لا يحكم بما أنزل الله»، ولكن الصواب هو أن هناك إنسانا «يحكم بما أنزل الله» و«يقيم حدود الله« وإنسان آخر «يتعدي حدود الله» و«لا يحكم بما أنزل الله» ومن ثم فإن سيد قطب وجماعته وحلفاءهم قد ضلوا وأضلوا أيضا حينما حكموا علي المجتمع المصري بالكفر وفيه من المؤمنين الصادقين الملتزمين بدينهم والحريصين علي إرضاء ربهم ما  استطاعوا الي ذلك سبيلا كل ذلك يروج له جماعة الإخوان رافعة راية الفتنة ليتخذوا من الدين ستارا لأغراضهم السياسية فحرضوا المسلم علي استباحة دم أخيه المسلم ليشيعوا في الأمة الفرقة والتقاتل ليكون لهم في النهاية السلطان علي مصير الأمة بدعوي أنهم الأوصياء علي إقامة الدين.

المتاجرة بشعار تطبيق الشريعة الإسلامية
إن العمل علي تطبيق العقوبات بما يتفق مع الشريعة الإسلامية يتطلب جهدا منزها عن الأهواء وذلك حتي لا يدفعنا الحماس والرغبة الملحة لتطبيقها الي تكرار تلك التجارب المريرة التي مرت بها بعض بلدان العالم الإسلامي من تطبيق شكلي يخفي وراءه من المفاسد والمظالم والآثام ما لا يحدث في البلدان غير الإسلامية أو تطبيق عاجل متسرع يسفر عن أحكام خاطئة تقع فيها الأيدي والرقاب باسم الدين ثم يعتذر بعدها من قاموا بتنفيذها كما حدث في بلدان أخري.
إن حب الناس لدينهم واعتزازهم به يدفعهم في حماسة بالغة الي قبول أي تغيير في القوانين طالما أنه يحمل اسم الشريعة الإسلامية بصرف النظر إذا كان هذا التغيير يتفق مع الشريعة فعلا أم لا، وعدم إدراك واعٍ لحكمة الشرع في الأحكام الإلهية التي أنزلها الله وبينها سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما تنبع من إحساس عام خاطئ بأن مجرد صدور هذه القوانين وتطبيقها علي عدد من المخالفين، سوف يخصلنا من المفاسد التي نراها حولنا ويخرجنا من المعاناة التي ضاقت حلقاتها، متجاهلين حقيقة مهمة وهي أن الله تعالي قد ربط التغيير والإصلاح بتغيير النفوس وإصلاحها لا بتغيير القوانين وإلا لما قال المولي عز وجل «إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم».
ومن هنا يجب إذا كنا صادقين في العمل علي تطبيق فعلي للعقوبات وفقاً لأحكام الشريعة، أن نقف أولاً علي الكيفية التي طبق بها رسول الله صلي الله عليه وسلم أحكام الشريعة، وبالتالي فإن كل من يخرج عما فعله الرسول فهو خارج عن شرع الله حتي إن أطلق عليه أنه قوانين الشريعة الإسلامية وأيا كان شأن واضعيها أو مكانتهم، وسنقف عند بعض الأمثلة التي أجمعت عليها كتب الفقه الإسلامي التي تبين كيف كان الرسول صلي الله عليه وسلم يطبق هذه العقوبات:
(1) فقد أجمعت كتب الفقه علي ذكر قصة الغامدية التي ذهبت إلي سيدنا رسول الله تعترف بجريمة الزنا وتريد إقامة عقوبة الرجم عليها فكيف طبقها الرسول؟.. لقد ردّها حضرته أكثر من مرة.. حتي تضع حملها، ثم حتي ترضعه، ولكنها عادت إليه في المرة الثالثة وهي تصر علي إقامة العقوبة، ولم يسع الرسول في طلبها ولم يحبسها لتنفيذ العقوبة بل تركها لكي تستغفر وتتوب فيغفر الله لها ويتوب عليها، ولكنها أصرت علي العقوبة لأنها لم تقبل سوي الرجم وسيلة لتطهيرها وغفران ذنوبها كما نلاحظ أيضاً أن سيدنا رسول الله لم يسألها عن الرجل الذي ارتكبت معها جريمة الزنا، وعندما طبق عليها حضرته حد الرجم قال: «لقد تابت توبة لو وزعت علي أهل الأرض لوسعتهم».
(2) وتكرر ذلك بنفس الصورة مع ماعز عندما جاء للرسول يعترف بالزنا ويريد عقوبته، فأعرض عنه الرسول مرات عديدة وراجعة في اعترافه، فقال له حضرته لعلك كذا لعلك كذا ولكنه أصر، وأثناء الرجم فر هارباً فلاحقه البعض حتي أردوه قتيلاً وعندما جاءوا ليخبروا الرسول بما حدث غضب حضرته قائلاً «هل تركتموه فيتوب ويتوب الله عليه».
(3) كما كان حضرته يفتح باب التوبة أمام كل من يعترف بذنبه ويطلب إقامة الحد عليه ويلتمس المخرج له ليخلي سبيله، كما يروي الحديث الشريف «إن رجلاً جاء حضرته صلي الله عليه وسلم في المسجد معترفاً بأنه أصاب حداً ويريد عقوبته قائلاً «إني أصبت حداً فأقم في كتاب الله، ولم يفصح الرجل عن نوع الحد أو الذنب الذي أصابه ولم يسأله عنه سيدنا رسول الله وإنما قال له حضرته «أليس قد صليت معنا؟.. قال: نعم.. قال فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك» فذهب الرجل لحاله ولم يوقع عليه الرسول أي عقوبة.
وهنا يجب أن يقف كل من يريد تقنين الشريعة الإسلامية ليعرف الحكمة من وراء الكيفية التي عالج بها الرسول صلي الله عليه وسلم هذه القضايا وهو المشرع للأمة كلها؟
1- درء الحدود بالشبهات مصداقاً للحديث الشريف «ادرءوا الحدود بالشبهات فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».
2- معرفة هدف الشريعة الإسلامية ومقصدها، فهي ليست قانوناً للعقوبات وليس هذا هدفها أو مقصدها، كما لم تبعث رسل الله للاستيلاء علي الحكم أو السلطة لوضع قوانين لعقاب العصاة المذنبين، وإنما هدف الشريعة ومقصدها هو هداية نفوس الناس، مصداقاً لقوله تعالي «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» ولهذا يبعث الله تعالي رسله إلي الناس لهدايتهم، فيظل الرسول في قومه يدعوهم إلي الهداية ليل نهار سراً وجهراً صابراً عليهم ومتحملاً لإيذائهم ليفتح لهم باب التوبة والغفران، ولو كان هدف الشريعة هو عقاب المخطئين والمذنبين ما ترك علي ظهرها من دابة»، حيث يقول المولي عز وجل «ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك علي ظهرها من دابة»، ولكن الله تعالي يفتح دائماً باب رحمته ومغفرته ليتوب العصاة عن ذنوبهم، مصداقاً لقوله تعالي «يريد الله ليبني لكم ويهديكم سنن الذين قبلكم ويتوب عليكم ذلك عليم حكيم»، ولهذا جاء في الحديث الشريف «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من الدنيا وما فيها»، هذا هو هدف الشريعة ومقصدها.
3- التفرقة بين حكم الله وحكم الناس، ذلك أن الناس جميعاً معرضون للأخطاء والأهواء فيما يقولون ويفعلون ويحكمون ولهذا فليس لأي إنسان أن يزعم لنفسه أن يحكم الناس لينزلهم علي حكم الله، وأنه المسئول عن إقامة حدود الله فيمن حوله من البشر، لأنه بذلك يدّعي لنفسه التفويض من الله تعالي في إقامة حدوده بين الناس، ولذلك حذر رسول الله من ذلك بوضوح تام في الحديث الذي رواه مسلم وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن حنبل «روي عن سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميراً علي جيش أو سرية أوصاه إذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم علي حكم الله، فلا تنزلهم علي حكم الله ولكن أنزلهم علي حكمك، فإنك لا تدري أتصبب فيهم حكم الله فيهم أم لا»، وبديهي أنه صلي الله عليه وسلم هو القادر بحكم التمكين الإلهي الذي منحه الله تعالي له، أن ينزل الناس علي حكم الله، ولكن لأن حضرته هو المشرع للأمة وليس كل من سيأتي بعده له من التمكين الإلهي الذي يمكنه من أن يصيب حكم الله فيهم فعلاً، فإن حضرته يحذرنا في الحديث من هذا الأمر الخطير، وهو ادعاء أي إنسان صفة إنزال الناس علي حكم الله، فيحكم الناس باسم الدين، فإذا ما أخطأ في حكمه نسب هذا الخطأ إلي شرع الله تعالي، وزعم أنه إنما ينزل الناس علي حكم الله، ولقد كان نتيجة مخالفة هذا الأمر الذي بينه الرسول في حديث من ضرورة التفرقة بين حكم الله وحكم الناس أن ابتليت الأمة في فترات طويلة من التاريخ الإسلامي بالفتن والعذاب الأليم علي أيدي أولئك الذين حكموا الأمة باسم الدين، وادعوا علي الناس أنهم ينزلونهم علي حكم الله، فأذلوا أعناقهم، وأفشوا فيهم الظلم، فتدهور الحال وعم الفساد والجمود والتخلف بينما شريعة الله بريئة من كل ذلك وحكم الله لا يمت لما فعله المدعون بصلة، إنما هو حكمهم هم سواء عن جهل أو عن سوء نية، ناهيك عن أنه في ظل الشعارات المرفوعة أن ما يقام هو حكم الله وأن ما يطبق هو شريعة الله لا يملك أي إنسان أن يجهر برأي فيه إصلاح لمفسدة أو تصويب لخطأ، فمن ذا الذي يجرؤ علي تخطئة حكم الله؟.. ففي مثل هذه الظروف يصبح الاتهام بالإلحاد والزندقة والكفر والمروق عن الدين أسلحة مصوبة إلي نحور كل صاحب دعوة للإصلاح، وما كل هذه البلايا التي حاقت بالأمة الإسلامية إلا نتيجة حتمية لمخالفة أمر سيدنا رسول الله بأن لا يدعي أمير أو حاكم أو غيرهم من المدعين أنه ينزل الناس علي حكم الله، إنما ينبغي

علي كل من يتصدي لحكم أن يقرر أن ذلك اجتهاده وما يري أنه متفق مع شريعة الله.
4- إن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وهو ما نص عليه الحديث الشريف «ادرءوا الحدود بالشبهات فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»، حيث ينبهنا حضرته في هذا الحديث إلي حقيقة مهمة، وهي أن التصدي للحكم علي متهم هو مسئولية بالغة الخطورة، فبينما يحكم القاضي بما لديه من قرائن وأدلة ظاهرية، فغالباً ما تكون القضايا بالغة التعقيد وأصعب من أن توفر للقاضي من أدلتها وقرائنها الظاهرية ما به يحكم بالعدل ويراعي كافة مقاصد الشرع ويصيب الحقيقة، لذلك فإن احتمال الخطأ وارد بما قد ينطوي عليه من ظلم أو تفريط، لذلك فإن سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم رفعاً للحرج عن أمته وإزالة للعنت قد أرشدنا إلي سواء السبيل، وهو ما يجب أن يدركه ويعيه كل قاض، والمتمثلة في قوله صلي الله عليه وسلم «فإن للإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».
5- الستر وإعطاء الفرصة للعقوبة أولي من توقيع العقوبة، فقد فتح رسول الله للأمة في سنته الشريفة باباً عظيماً من أبواب الرحمة الإلهية متمثلاً في أن حضرته أمر بالستر علي العصاة والمخالفين ليكون ذلك عوناً لهم علي نوازع أنفسهم وأهوائهم وشياطينهم، ليتيسر للعاصي أن يسارع إلي التوبة إلي الله تعالي، وأن يغير ما بنفسه وأن يتعلق ببوارق الرحمة الإلهية في نفسه ليتخلص مما أصابها من ظلم وظلمات، وتطهر مما بها من مرض ويتبدل عمله حسناً بعد سوء، ويكون أهلاً لعفو الله ومغفرته، لذلك جعل سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم الستر أولي وأهم من توقيع العقوبة، فكان حضرته يأمر من تضعف نفسه فيرتكب منكراً بأن يبادر بالتوبة والتطهر من الذهب ويستر نفسه بدلاً من أن يفضح نفسه طلباً للعقوبة، وذلك في حديثه الشريف «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله»، كما أمر حضرته أيضاً أمته بألا يتتبعوا عورات الأخري، وألا يفضحوا مسلماً ضعف واستذله الشيطان فأصاب من الذنوب شيئاً وذلك في أحاديث كثيرة منها «من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتي يفضحه في بيته» كما أن حديث حضرته صلي الله عليه وسلم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، يدل دلالة قطعية علي أن توبة الذين المقر بذنبه تعتبر مانعاً شرياً من إقامة الحد عليه، يتبين ذلك أيضاً من الرواية التي يذكر أنس من أن رجلاً جاء رسول الله، قال له: يا رسول الله قد أصبت حداً فأقمه عليه، فلم يسأله حضرته عن الذنب الذي فعله، فحضرت الصلاة فصلي مع رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما قضيت الصلاة قام الرجل إليه فأعاد يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم علي كتاب الله فقال له سيدنا رسول الله أليس قد صليت معنا؟.. قال: نعم.. فقال حضرته: إن الله قد غفر لك ذنبك، ولم يوقع صلي الله عليه وسلم أية عقوبة، وهذا ما علّمه رسول الله لحلفائه، فها هو سيدنا عمر بن الخطاب عندما جاءه رجل يعترف بأنه أصاب فاحشة، فقال سيدنا عمر «أأخبرت بذلك أحداً قبلي؟.. قال الرجل: لا، فقال له سيدنا عمر: فاستتر بستر الله وتب إلي الله، ولا تخبر أحداً من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون والله يغير ولا يعير».. وذلك يفصح عن إدراك عميق من سيدنا عمر لحقيقة أن العبرة والهدف الأسمي الذي يجب أن يكون مقصدنا ومحور اهتمامنا بالنسبة لمن يقعون في المحظور هو بالتغيير والإصلاح والتوبة إلي الله تعالي، لا بإقامة العقوبة، حتي وإن كانت العقوبة غير مادية مثل المعايرة.
وقد أقر الفقهاء جميعاً أن الله تعالي جعل الحدود لأرباب الجرائم، ورفع العقوبة عن التائب شرعاً وقدراً، فليس من شرع الله وقدره عقوبة تائب البتة، وأن الحد مطهر وأن التوبة مطهرة، وقد اختاروا قصة الغامدية وماعز المشار إليهما آنفاً دليلاً علي ذلك لأنهما اختارا التطهير بالحد علي التطهير بمجرد التوبة، وأبيا إلا أن يتطهرا بالحد فأجابهما النبي صلي الله عليه وسلم إلي ذلك وأرشد إلي اختيار التطهير بالتوبة علي التطهر بالحد، كما أورد الفقهاء أيضاً أن التوبة تسقط الحد ولو بعد وصول الأمر إلي القضاء، بل ولو كانت بعد الحكم، كل ذلك يؤكد علي أن الستر وإعطاء الفرصة للتوبة أولي في الشريعة الإسلامية ومن توقيع العقوبة.
شروط الفقهاء لتطبيق الحدود:
ولقد أدرك أئمة الفقه الأربعة ذلك كله، ولهذا نراهم قد ضيّقوا الحالات التي تقام فيها الحدود وإلي درجة وصلت ببعضها إلي استحالة تطبيقها علي النحو التالي:
أ- عقوبة الزنا: يشترط الفقهاء لتطبيقها أن يتواجد أربعة شهود عدول تتوافر في كل منهم كافة شروط العدالة، وذلك في مكان واحد عن طريق الصدفة ليشاهدوا معاً واقعة الزنا كاملة بالشروط التي ذكرتها كتب الفقه يمارسها في علوها أمام أعينهم؟.. فإنهم إن تعمدوا الذهاب إلي مكان الزناة كانوا متجسسين، وإن تواجدوا مصادفة وتعمدوا الانتظار والنظر كانوا ديوثين، ولا شهادة للمتجسس ولا للديوت لانتفاء شروط العدالة عنهما.
ب- حد السرقة: اشترط الفقهاء ألا يكون للسارق شبهة الملكية في المال الذي سرقه مثل المال العام لأنه ملك لكل المسلمين بمن فيهم السارق، وأن تتم السرقة في الخفاء والاستتار، أما جرائم السرقة بالقوة والعنف فلا تعد سرقة ولا ينطبق عليها التعريف الفقهي ولا يمكن الحكم فيها بقطع اليد، وإنما تسمي هذه الجرائم انتهاباً واختلاساً، والانتهاب هو أخذ المال غصباً مع المجاهرة والاعتماد علي القوة، أما الاختلاس فهو خطف المال جهراً ثم الهروب به، وكل هذه الصور من السرقة التي لا تجري في الخفاء لا يمكن الحكم فيها بقطع يد السارق، ولكن تكون العقوبة فيها جميعاً هي «التعازير» التي قد تصل إلي الإعدام بموجب قوانين يضعها الحاكم بما يوفر أمن وأمان المجتمع ولا تسمي حدوداً هذا فضلاً عن شروط أخري وضعها الفقهاء لإقامة حد السرقة، منها أن يكون المتاع المسروق محرزاً وأن تزيد قيمة المسروق عن النصاب الذي يحدده الفقهاء ولا يقام الحد إذا حصلت السرقة بين الأصول والفروع أو بين الزوجين أو بين المحارم، وإذا كان مالك المال المسروق مجهولاً، ولا قطع لمن سرق من المنزل إذا كان قد دخله بإذن صاحبه، ولا قطع لمن سرق من المدين المماطل في السداد أو الجاحد للدين لأن ذلك استرداد لدينه، وحتي بعد توافر كل شروط إقامة حد السرقة علي القاضي أن يلقن السارق الأفكار - حتي بعد اعترافه بالسرقة - فيقول له القاضي: هل سرقت؟ قل لا، فإن قال «لم أسرق» أخلي سبيله، ولم يقم عليه الحد وذلك اعتمادا علي مانسب الي سيدنا أبي بكر من أنه قد جاءت إليه جارية سرقت فقال لها أسرقت؟ قولي لا فقالت لا فأخلي سبيلها، وكذلك ما نسب إلي سيدنا عمر بن الخطاب من أنه أوتي إليه برجل فسأله «أسرقت؟.. قل لا فقال لا فتركه، يتضح مما سبق وفي ضوء الشروط الفقهية الصعبة والعديدة أن تطبيق قطع اليد في جريمة السرقة إنما ينحصر عند تنفيذه في تلك الحالات التي يقف فيها السارق أمام القاضي معترفاً بجريمته، ثم يصر علي الاعتراض، رغم تكرار مراجعة القاضي له، وتلقينه الإنكار مرات متعددة، وليس معني ذلك أن نترك البلاد فوضي يرتع فيها اللصوص، ولكن علي الحاكم أن يسن من القوانين الوضعية التي توفر الأمن والأمان للمجتمع، وهو ما يطلق عليه الفقهاء «التعازير» وذلك في كل الحالات التي لا يتحقق فيها شرط أو أكثر من الشروط الفقهية، وتحدد العقوبة بحسب ظروف جريمة السرقة ومدي إضرارها بالأفراد والمجتمع ابتداء من اللوم أو الغرامة أو الحبس وانتهاء بالإعدام، ولكن علي الحاكم في سنة لهذه القوانين الوضعية ألا ينسبها لحكم الله ولكن إليه هو فإن أصاب كان بها وإن أخطأ ينسب الخطأ إليه وليس إلي شرع الله، هذا مع العلم بحقيقة مهمة وهي أن الأصل في محاربة جرائم الانحراف والاعتداء علي حقوق الآخرين وممتلكاتهم هو تربية النفس الإنسانية، وخلق الوازع والضمير في الإنسان ليردعه عن ارتكاب هذه الجرائم، كما يتضح لنا حقيقة أخري مهمة وهي أن الطريق الحقيقي لحماية المجتمع من جريمة السرقة يستلزم قطع كل السبل التي تؤدي إلي السرقة بما يحول بين الأفراد وبين اقتراف هذه الجريمة أبرزها توفير الحكام أسباب الرزق لأفراد الشعب، بما يعني القضاء علي البطالة، وإنزال العقوبات التي تردع أصحاب النفوس المريضة عن السرقة، وإبعاد من تحوم حولهم الشبهات عن الإشراف علي الأموال والخزائن العامة أو الخاصة، ووضع أصحاب هذه المناصب علي الدوام تحت المراقبة والإشراف حتي تكتشف أولاً بأول أي صورة من صور السرقة أو الاغتصاب أو التلاعب لحماية المجتمع.
ج- عقوبة شارب الخمر: يمتد التعريف الحقيقي للخمر ليشمل كل ما يغتال العقل فيجعل الإنسان يخامره الشك فيما يأتيه من قول أو فعل، فإذا كان المولي عز وجل قد أعطي الإنسان العقل كأعظم هبة يدرك بها الحق من الباطل وحصل بها علي طاعة الله، فإن أية محاولة لاغتيال هذا العقل تصبح اعتداء علي مناط تكليف الله للإنسان بعبادته تعالي، حيث تهوي الخمر بشاربها ليكون في مصاف الدواب حتي يفقد عقله، لذلك يعتبر شرب الخمر من الكبائر لأن شاربها - في غياب عقله - يمكن أن يرتكب كل الكبائر من قتل أو زنا أو اغتصاب لحقوق غيره أو أعراضهم، ومن هنا جاء التحريم القاطع لشرب الخمر والنهي الشديد عن اقترابها، ويدخل في حكم الخمر كل ما يغتال العقل مهما اختلفت أسماؤه أو تعددت وسائل تناوله، مصداقاً للحديث الشريف «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»، لذلك يجب حماية المجتمع من أضرار شارب الخمر بوضع بالقانون الذي تشدد فيه العقوبة علي شارب الخمر، ومن هنا فإن للقاضي أن يحكم من خلال التعازير، بما يراه حسب حجم الجرم الذي يرتكبه شارب الخمر في حق المجتمع، أما ما تتاجر به جماعة الإخوان وحلفاؤها بالدعوة إلي إقامة حدود الله فيما يتعلق بعقوبة شارب الخمر، فقد ثبت أنه ليس هناك اتفاق علي حد يعتمد يطبق علي شارب الخمر، حيث اختلفت الروايات في تحديد العقوبة، منها من قال بالجلد بالسوط وآخرون قالوا بالضرب بالجريد، وآخرون اكتفوا بالضرب بالنعال وبما يؤدي إلي الإذلال والتحقير أكثر منه إلي الإيلام والعقاب الجسدي.
أما مقدار الضرب فقد وردت فيه أيضاً أقوال عديدة تتراوح بين العشرين والأربعين والثمانين، كما اختلف الفقهاء أيضاً في إثبات الحد عن طريق الشهود، وطريقة تناول الخمر، هل عن طريق الفم فقط أم أيضاً عن طريق الحقن أو الشم بالأنف، ولكن اتفق الفقهاء علي الأخذ بإقرار شارب الخمر إذا جاء بنفسه معترفاً بجريمته ومقراً بها، وهو ما دعا الكثير من الفقهاء إلي اعتبار عقوبة شرب الخمر هي «التعازير» وذلك بتقدير القاضي للعقوبة التي يحددها طبقاً لظروف الجريمة بغير حد أو في أو حد أقصي للعقوبة.
د- الزعم بوجود حد للردة: وفي إطار استمرار متاجرة الإخوان وحلفائهم بشعار تطبيق الحدود والشريعة، دعوا إلي تطبيق ما أطلقوا عليه اسم «حد الردة» وذلك بالحكم بقتل المرتد عن الإسلام، ومن البداية لابد أن ندرك أنه ليس هناك علي الإطلاق أي دليل في القرآن أو السنة الصحيحة علي وجود مثل هذا الحد المزعوم، بل إن آيات القرآن العديدة تقطع ببطلان هذه المزاعم، وتترك المشيئة لأي إنسان في اختيار طريقه من الإيمان، أو الكفر وفي أن يدخل الإسلام أو أن يرتد عنه، ثم تبين أن الحساب في النهاية لكل إنسان علي إيمانه أو إعراضه عن الحق هو للمولي عز وجل وحده، فهو الأعلم بما تخفيه صدور عباده وبحقيقه ما في قلوبهم، ومن الأدلة القرآنية التي تقطع بكذب الادعاء بوجود ما يسمي بحد الردة الآيات الآتية:
(1) قوله تعالي «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه» حيث لم تحدد الآية أن حكم المرتد هو القتل بل استبدلوا بمن يحبهم الله ويحبونه.
(2) قوله تعالي «كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين»، وتخلوا هذه الآية أيضاً من أي حكم بقتل الذين كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم بأن الرسول حق بل تذكر أن الله قد حرم هؤلاء المرتدين من الهداية طالما استمروا علي كفرهم.
(3) يقول الله تعالي «إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً»، حيث تتحدث الآية عمن تردد بين الكفر والإيمان مرات عديدة، بل وازداد كفراً في المرة الأخيرة، ورغم ذلك فإن الآية لم تحكم عليه بالقتل لا في المرة الأولي ولا الثانية ولا الثالثة ولا حتي بعد أن ازداد كفراً، مما يدل علي استمرار حياته محروماً من المغفرة والهداية.
(4) ويقول الله تعالي «إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن يتقبل توبتهم وأولئك هم الضالون»، وليس في هذه الآية أيضاً أي حكم بقتل المرتدين، بل وتشير إلي امتداد أجلهم، بعد ارتدادهم حتي أنهم ازدادوا كفراً ولم تقبل توبتهم ومكثوا في الضلال ما عاشوا.
(5) ويقول الله تعالي «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي»، حيث تؤكد هذه الآية أن كل أمور الدين متروكة لمشيئة الإنسان ولا يجب أن تخضع لأي إكراه، وبالطبع فإن تهديد المرتد بالقتل إن لم يرجع إلي الإسلام ليس سوي صورة من صور الإكراه في الدين الذي تنهي عنه الآية الكريمة، هذه بعض الآيات القرآنية التي تقطع بكذب المزاعم حول ما يسمي بوجوب قتل المرتد، ويبقي سؤال مهم: هل التهديد بقتل المرتد عن الإسلام سيكفل إعادة الإسلام إلي قلبه عن قناعة، أم أنه تحت تهديد السيف سيقول بلسانه - وليس بقلبه - أنه أقلع عن ارتداده وعاد إلي الإسلام، بينما يضمر في قلبه الكفر بالإسلام، وهو ما يولد منافقين وليس مسلمين عن قناعة وتعقل، ويحدد القرآن مصير هؤلاء المنافقين في قوله تعالي «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار»، أما الرواية المدسوسة التي ينسبونها زوراً وكذباً وبطلاناً للرسول في الحديث الموضوع، «من بدل دينه فاقتلوه»، فإننا نقطع بأنه مدسوس علي حضرته لأنه يتعارض تعارضاً تاماً مع الآيات القرآنية المشار إليها آنفاً، وحاشا لله ورسوله أن يقول سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بحديث يتعارض تعارضاً واضحاً مع آيات القرآن الكريم.
استحالة تقنين الشريعة الإسلامية
وبسبب صعوبة تطبيق الحدود بالشروط التي حددتها كتب الفقه علي النحو السابق إيضاحه - إن لم يكن استحالة ذلك - فقد وقع كل من حاولوا صياغة قوانين للشريعة الإسلامية في مخالفات صارخة لسنة سيدنا رسول الله وما أمرنا به كما خرجوا علي كثير مما أجمع عليه أئمة الفقه الأربعة، علي حين أن كثيراً منها لا يمكن أن يسن به قانون للأساليب الآتية:
أ- فقد وقف مقننو الشريعة طويلاً أمام ما فعله رسول الله مع من أصاب حداً وأقر بجريمته ثم صلي وراء حضرته، إذ كيف يمكن أن تصاغ في مادة من مواد قانون للشريعة الإسلامية، تقول «إذا جاء من أصاب حداً مقراً بجريمته فصلي وراء الإمام فسقط عنه الحد»، ولأن الإجابة معروفة وواضحة، فقد خالفوا ما فعله سيدنا رسول الله ولم يأخذوا به.
ب- ووقف مقننو الشريعة أمام قول الفقهاء من ضرورة تلقين السارق للإنكار «كما ورد عن سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر» فكيف يمكن أن يصاغ في مادة من مواد القانون مادة تقول «إن القاضي لابد أن يلقن السارق الإنكار قبل إقامة الحد عليه»، فيقول له «أسرقت قل لا فإن قال لا سقط عنه الحد»، ولأن الإجابة معروفة وواضحة، فقد خالفوا إجماع الفقهاء وسنة الخلفاء الراشدين في هذا الأمر ولم يأخذوا به، في حين أوصي سيدنا رسول الله «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
ج- كما وقف مقننو الشريعة أيضاً عند كيفية صياغة إحدي مواد قانون الشريعة لتلزم القاضي أن يراجع المتهم المعترف بجريمة الزنا في اعترافه ويرده بقوله «لعلك كذا ولعلك كذا، كما فعل رسول الله مع ماعز والغامدية، فإن رجع عن اعترافه سقط عنه الحد، كما لابد أن ينص القانون - إذا أردنا الأخذ بسنة رسول الله - علي أن الجاني إن حاول الفرار أثناء إقامة الحد عليه أن يترك وهو ما يستلزم ألا يحاط الجاني بما يعوقه عن الفرار إن أراد لقول الرسول «هلا تركتموه فيتوب ويتوب الله عليه» وإن كانت امرأة فلابد أن ينص القانون علي ضرورة أن يحاول القاضي معها ليراجعها في اعترافها، فإن أصرت علي اعترافها فعليه أن يتركها لتضع وليدها في حالة حملها، ثم يتركها حتي ترضعه، ويشب طفلاً بل ولابد أن ينص القانون علي ضرورة ألا يسعي أحد في طلبها، بل لابد أن يتركها لتأتي هي طواعية ليقيم عليها العقوبة.
د- وأيضاً وقف مقننو الشريعة أمام قول الفقهاء عمن يأتي للشهادة في جريمة كالزنا والسرقة أن الستر أولي من توقيع العقوبة، كذلك وقعوا في حرج شديد عندما أرادوا اتباع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وصياغتها في مواد قانون تقيد أن المبادرة للشهادة هي مخالفة لسنة حضرته، أم يخالفون سنة حضرته ويجعلون من التقدم للشهادة أمراً مرغوباً فيه.
والأمثلة في هذا الصدد أكثر من أن تحصي، فبدلاً من أن يضيق من يريدون تقنين الشريعة الحالات التي تطبق فيها الحدود عملاً بالحديث الشريف «اردءوا الحدود بالشبهات فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»، وكما سار علي سنته الخلفاء الراشدون والأئمة الأربعة، فإننا نجدهم يسلكون مسلكاً عكسياً ثم يزعمون بضرورة وضع قانون باسم الشريعة الإسلامية، مخالفين في ذلك صراحة ما فعله رسول الله وخلفاؤه الراشدون وأجمع عليه الأئمة الأربعة، مع العلم بأن كل ما صح عن الأئمة الأربعة مأخوذ من سيدنا رسول الله ومتفقاً مع القرآن والسنة، ولا يجوز حمل الأمة علي بعضه دون البعض، لذلك فإن أحكام الشريعة الإسلامية تتضمن كل ما صحت نسبته لأي من الأئمة الأربعة في المسألة الواحدة، ولا يمكن أن يؤخذ رأي واحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم، ثم يوضع في قانون ويقال إن هذا هو الشريعة الإسلامية، وتفرض هذه المادة علي المسلمين جميعاً، علي حين أن حكم باقي الأئمة قد أهمل هذه المسألة؟.. هذا مع مراعاة ضرورة توافر الإلمام بتفاصيل الأدلة التي استنبط فيها الإمام حكمه، وفي ذلك قال الإمام مالك «من لا يعلم دليلي لا يفتي بكلامي»، كما لابد أن يتوافر أيضاً لمن يفتي بفتوي الإمام الإلمام بالظروف الخاصة، بكل حالة علي حدة والملابسات التي أحاطت بها، حتي إنه من المعروف أن الإمام الشافعي قد عدل عن آراء فقهية أفتي بها في الحجاز، حينما ذهب إلي العراق مراعاة للأحداث الجديدة، وما ألفه الناس في بلاد العراق، وحينما قدم إلي مصر وأقام فيها وضع مذهبه الجديد والذي عدل فيه بعض الأحكام التي كانت في مذهبه القديم الذي أفتي به لأهل العراق، بما يتناسب مع أهل مصر، وحقيقة الأمر أن أياً من الفقهاء الأربعة كان يحكم بما يتبينه استنباطاً من القرآن والسنة بما يتلاءم مع أحوال الأمة عامة والظروف والتفاصيل الخاصة بكل حالة علي حدة والملابسات التي أحاطت بها وصولاً إلي غاية الشريعة ومقصدها من هداية الناس إلي الله تعالي ودرء المفاسد عن الأمة.
التعازير التي يضعها الحاكم من الشريعة
يتبين لنا مما سبق أن الشريعة ليست قانوناً للعقوبات، ولم يبعث رسل الله ليقيموا العقوبات علي المذنبين، وإنما بعثوا لهداية أقوامهم للطريق المستقيم ليفوزوا بدنياهم وآخرتهم، ومن ثم يبرز السؤال وهو كيف يمكن أن نضع قانوناً للعقوبات لا يخرج عن الشريعة الإسلامية؟.. وقد أجاب الفقهاء عن هذا السؤال بدقة بالغة فيما يسمي بالتعازير، فقالوا إن الشريعة قد أجازت للحاكم أن يسن من القوانين ويضع من العقوبات التي تمتد من اللوم وحتي الإعدام بما يحقق المصلحة للأزمة ويدرأ عنها المفاسد ويحفظ بها والأمن والأمان، وعلي سبيل المثال أورد كتاب «الفقه علي المذاهب الأربعة» الجزء الخامس ص 382 في باب التعزير «إن التعزير قد ثبت عن سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وأن كبار الصحابة كانوا يأخذون بالتعازير التي تتضمن الضرب والسجن والقتل»، وأضاف الكتاب «إن الحاكم يأخذ في التعزير بحسب ما يراه زاجراً للمجرمين، وأن يضع العقوبات المناسبة التي يترتب عليها تأديب الرعية وإصلاح حالهم لأن كل راع مسئول عن رعيته، فكل عقوبة من العقوبات التي يراها الحاكم زاجرة توصف بما توصف به الأحكام الشرعية».
فالأمة الإسلامية علي مدار القرون أجاز لها الشرع أن تضع من القوانين عن طريق التعازير ما تشاء حسب ظروف أهلها في كل وقت وطبيعة المجتمع في كل مكان فهذا من الشريعة الإسلامية ولا يتعارض معها ولا يخالف ما أنزل الله بحال من الأحوال ويرتبط اتفاق قوانين التعازير مع الشريعة الإسلامية بمقدار مراعاتها لصالح الأمة، وبدرئها للمفاسد عنها، كما يمكن النظر فيها دائماً مع تغيير ظروف الأمة ومقتضيات مصالحها، فيتم تغيير قوانين التعازير أو استكمالها أو معالجة ثغراتها لتلائم ظروف الأمة دون أدني حرج، ذلك أن واضعي قوانين التعازير لا يدعون أنها حكم الله، ولكنهم يقرون أنه حكمهم الذي يرون أنه متفق مع الشريعة ومحقق لمصالح الأمة، أما فرض بعض القوانين التي تحوي آراء واضعيها باسم الدين، وتحت دعوي أن هذه هي قوانين الشريعة وأن ذلك هو حكم الله، فهذا هو الخروج عن الشريعة مهما كانت الشعارات وأياً كان واضعوها، فشرع الله تعالي لا يتعرض للأهواء والأغراض، والمولي عز وجل يحذرنا من ذلك في قوله تعالي «ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن».

أهم الاخبار