نهاية عزلة الأقباط

تحقيقات وحـوارات

الثلاثاء, 31 ديسمبر 2013 12:13
نهاية عزلة الأقباط
عبدالوهاب شعبان

في وداع عام 2013 يترقب الأقباط مسار الاستفتاء على الدستور باعتباره الحدث الأهم الذي يكفل تحقيق أهداف خارطة الطريق المنبثقة عن 30يونية، تلك التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان المسلمين، وتحمل الأقباط بعدها سلسلة اعتداءات طالت الكنائس في محافظات مصر المختلفة إلى جانب أحداث طائفية تتجدد بين الحين والآخر قياساً على ما حدث في الوراق ومؤخراً في المنيا.

استثنائيا كان عام 2013 على الأقباط، أوله ترقب لخطى البابا تواضروس الثاني القادم إلى الكرسي البابوي خلفا لنظيره الراحل «البابا شنودة الثالث»، ثم توجس من شكل العلاقة بين الكنيسة ومؤسسة الرئاسة إبان فترة الرئيس المعزول «محمد مرسي» –إخواني النشأة -، وأوسطه اندفاع باتجاه رفض حكم الإخوان والنزول للميادين في 30 يونية إزاء محاولات ما اعتبروه «أخونة الدولة» على حساب المواطنة ،ونهايته حضور للكنيسة ممثلة في «الأنبا بولا» بلجنة الخمسين لإعادة صياغة الدستور مع تجاهل تام للاعتداءات التي طالت الكنائس والأقباط في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة منتصف أغسطس الماضي.
تراوحت مشاعر الأقباط بين القلق البالغ في أوائل العام، والثقة المفرطة في آخره، وبقيت جماعة الإخوان المسلمين قاسماً مشتركاً في الانطباعين – «القلق» من إدارتها للبلاد في نصف العام الأول، و«الثقة المفرطة» إزاء رحيلها عن السلطة في 3 يوليو الماضي، وانتهت الحركات القبطية إلى تسمية العام بـ«عام الحرق والاختطاف» نظير ارتفاع معدل اختفاء الفتيات وحرق الكنائس.
في يناير 2013 كان البابا تواضروس الثاني بصدد شهره الثالث على كرسي البطريرك، وجاءت تصريحاته تجاه مؤسسة الرئاسة هادئة ثم أخذت في الصعود رويدا رويداً حتى بلغت ذروة الصدام في أعقاب الاعتداء على الكاتدرائية في مايو الماضي، بينما كان الشارع القبطي يموج في حالة الغضب إزاء تصريحات نائب المرشد خيرت الشاطر التي تحمل اتهامات للأقباط بتأجيج أحداث الاتحادية والمقطم، ثم تصريحات عصام الحداد مساعد الرئيس المعزول للشئون الخارجية التي حملت الأقباط مسئولية أحداث الكاتدرائية وضاعفت الاحتقان الذي تبلور في عبارة أخيرة لـ«مرسي» قبيل عزله تشير إلى فتور العلاقة بين الرئاسة والكنيسة.
حتى أول مايو – قبيل شهر واحد من عزل الرئيس مرسي – لم تشهد البلاد أحداثا طائفية على خطى ما جاء في سابقه 2012، لكن ثمة إرهاصات توتر طائفي جاءت من مدينة «الخصوص» شرق القاهرة –على خلفية رسم صليب «معكوف» على أحد المعاهد الأزهرية هناك وتطور الحادث إلى اشتباكات أمام الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في أعقاب تشييع جنازة ضحايا الخصوص البالغ عددهم حينئذ «أربعة أشخاص» ،وتم الاعتداء على الكاتدرائية لأول مرة في التاريخ في أول اختبار حقيقي لـ«الرئيس المعزول» للتعامل مع حدث طائفي بحجم الاعتداء على دار العبادة الأهم بالنسبة للأقباط.
في أفق الحدث الأبرز في ذاكرة 2013 القبطية لاحت بوادر ضعف الدولة ،وتراوحت البيانات المنددة بالأحداث إلى أن أعلن البابا تواضروس الثاني اعتكافه الأول منذ قدومه للمنصب البابوي لحين محاسبة المتورطين في الاعتداءات ،ودبت الخلافات بين الكنيسة والرئاسة على خلفية بيان عصام الحداد مستشار الرئيس «المعزول» للشئون الخارجية – حينئذ.
على الصعيدين السياسي والكنسي اعتبر الأقباط أن العام الذي قارب على الانتهاء «استثنائي» على كافة جوانبه، يأتي ذلك وفقا لتغيرات لاحت في أفق المشهد الكنسي بعد اكتمال العام الأول لـ«تواضروس الثاني»، وإعادة هيكلة بعض الهيئات الكنسية، وإصدار العديد من اللوائح التي يمكن معها منح فترته البابوية «طابعاً تنظيمياً خاصاً».
بينما على الصعيد السياسي تبدو – خارطة المستقبل المنبثقة عن حراك 30 يونيو - أكبر المكاسب السياسية للأقباط، نظير إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم وإعادة طرح مطالب «مدنية الدولة» و«المواطنة»، وعلى قائمة المكاسب يأتي دستور 2013 الذي منح الأقباط حرية الاعتقاد، وألزم البرلمان المقبل بتشريعات خاصة لبناء الكنائس، إلى جانب كسر شروط الخط الهمايوني لبناء الكنائس ،ثم الحفاظ على حق المسيحيين واليهود في الاحتكام لشرائعهم ، وانتهاء بـ«إلغاء المادة 219 من الدستور».
ليس أول هذا العام كآخره، كذلك تشير كافة التحليلات المعنية بالشأن القبطي، قياساً على العلاقة بين المؤسستين الكنسية والرئاسية التي بدأت بلقاءات هادئة وعلاقة لم تكن في مقام التوتر –حينئذ -، وانتهت حسبما قال الرئيس المعزول في خطابه 28 يونيو - أن العلاقة صارت فاترة بين الكنيسة والرئاسة.
قراءة وضع الأقباط في 2013 لا يمكن فصلها عن مشاهد الاعتداء على الكنائس الذي تزامن مع فض اعتصامي «رابعة والنهضة» وتوتر العلاقة بشكل غير مسبوق

بين المسلمين والأقباط في معظم المناطق – بالأخص مناطق الصعيد، وحسبما فسر الأنبا مكاريوس مطران المنيا وقتئذ - الاعتداءات على الكنائس بأنها رد فعل على اعتقاد أن الأقباط هم السبب الرئيسي في عزل الرئيس السابق.
تفاصيل متغيرات العام الذي يوشك على الرحيل مخلفا ذكريات متباينة المشاعر في ذاكرة الأقباط يقرأها عن قرب كمال زاخر منسق جبهة العلمانيين الأقباط قائلا:  «بكل المعايير سنة انتقالية على الصعيدين الكنسي والعام ،شهدت تغيرات لعل أبرزها إدارة البابا للكنيسة وظهور إجراءات إيجابية منها تشكيل مجلس للرهبنة، وضع معايير لاختيار الكهنة، وتشكيل مجالس الكنائس المحلية بالانتخاب،تمهيدا لمجالس الإيبارشيات، ومن ثم المجلس الملي العام»، ولا ينفصل ترتيبه للبيت الكنسي من الداخل عن علاقاته بالطوائف الأخرى التي ذهبت إلى  لقاءاته وحوارته، أبرزها حواره مع بابا روما ،بما يعني تطوراً إيجابياً على علاقة الكنيسة مع نظيرتها من الكنائس الأخرى.
وحسبما يشير «زاخر» فإن التحولات السياسية في 2013 التي يقع في مقدمتها   30 يونيو وخارطة الطريق جددت التأكيد على خروج شباب الأقباط من أسوار الكنيسة، وتحول المشهد لصالح مدنية الدولة حسبما كانت رغبة قطاع كبير من المصريين - على حد قوله.
واستطرد قائلا: استهداف الكنائس والمنشآت المسيحية الذي تراوح ما بين  - استهداف كلي وجزئي - وبلغ عددها 80 كنيسة، أعاد القلق مرة أخرى للأقباط وأفسد المشهد السياسي، لكن رغبة الأقباط في عبور المرحلة الانتقالية حالت بينهم وبين التصعيد حفاظا على المرحلة الانتقالية من تفخيخها».
وأضاف: إن إنجاز لجنة الخمسين للتعديلات الدستورية، ورغم بعض الملاحظات حول الديباجة وبعض المواد، كان محملا بمؤشرات للأقباط أبرزها تأسيس الدولة المدنية، يأتي ذلك في تضمينه النص صراحة  على «تجريم التهجير القسري بنص دستوري، تجريم التحريض على الكراهية والتمييز، وربما لأول مرة يأتي نص دستوري لإلزام البرلمان القادم في أول انعقاد له علي إنشاء وترميم الكنائس بما يحقق حرية ممارسة الأقباط لشعائرهم الدينية».
وأشار منسق جبهة العلمانيين الأقباط  إلى أن الشخصيات القبطية التي صعدت في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي لن تعبر عن مطالب الأقباط في الفترة المقبلة ،لكن ثمة تغييرات ستطرأ على المشهد وفقا لقاعدة لكل عصر رجاله ،لافتا إلى أن الحراك السياسي القبطي سيكون له تأثير في تركيبة المرحلة المقبلة.
سيودع العام 2013 تاركاً للأقباط «الكوتة» التي رفضها الأجداد في العام 1923 حرصا على المواطنة، تلك المحاصصة التي وصفها – منسق جبهة العلمانيين الأقباط بأنها متغير طارئ في المشهد القبطي، لافتاً إلى  أنها لن تزيد من اندماج الأقباط في المشهد السياسي ،لكن عندما تستقر الأمور سيكون هناك رؤية أخرى للتمثيل القبطي.
على صعيد مختلف تبدو رؤية شباب الحركات القبطية مختلفة لـ«عام 2013»، ويندرج توصيف شباب الأقباط للعام باعتباره «عام الحرق والاختطاف» باعتباره الأعلى في نسبة اختطاف موثقة وموزعة على محافظات المنيا وأسيوط وقنا وسوهاج بالترتيب.
وحسبما أفاد رامي كامل – رئيس مؤسسة شباب ماسبيرو لحقوق الإنسان - فإن محافظة المنيا تحتل المرتبة الأولى في حوادث اختطاف الفتيات والأطفال بعدد «15 طفلا»، بينما تتصدر قائمة المحافظات التي تعرضت كنائسها للاعتداء بما يتجاوز 65%من الكنائس والمنشآت المسيحية التي تعرضت للحرق .
وقال «كامل» لـ«الوفد»: إن 2013 يعد الأقسى فيما اعتبره -الأحكام الجائرة –التي جاءت في أحكام إزدراء الأديان مثل «دميانة عبيد» وغيرها و«أحكام جنائية» مثلما حدث في أقباط الخصوص.
ولفت رئيس مؤسسة شباب ماسبيرو إلى أن المؤسسة تعد تقريرا وافيا عن أحداث الفتنة الطائفية التي تعرض لها الأقباط ابتداء بالخصوص «القاهرة» وانتهاء بالبدرمان «المنيا»، ورصد غياب ملاحقة الجناة في بعض أحداث الفتنة بما يشير إلى تكرارها في العام المقبل.
يطوي العام 2013 صفحته ولا تزال مطالب رابطة ضحايا الاختطاف القسري حاضرة في ضرورة عودة جلسات النصح والإرشاد أحد أبرز متغيرات قضايا «التحول الديني»، في الوقت الذي تبرز فيه قضية اختفاء فتاة «الواسطى» رنا الشاذلي التي سافرت للخارج بصحبة شاب مسيحي حسبما يصرح والدها ،ورغم محاولات إنهاء الأزمة التي كادت أن تعصف بمدينة الواسطى غير أن أسرة الشاب المسيحي لاتزال في موضع الاتهام بينما والد «رنا» يطرق كافة الأبواب لإنهاء الأزمة.
في الذاكرة يبقى مطلب إلغاء جلسات الصلح العرفية قائماً إزاء حلول الأحداث الطائفية التي تتعاقب خاصة في محافظات الجنوب ،باعتبار أن تطبيق القانون هو الضمانة الرئيسية لاقتلاع جذور العنف الطائفي عبر تطبيق القانون على الجناة والمحرضين.


 

أهم الاخبار