أحلام السلطان

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 28 نوفمبر 2013 10:18
أحلام السلطاناردوغان

على باب زويلة عُلِق جثمان طومان باى آخر سلاطين مصر لمدة ثلاثة أيام بعد إعدامه بأمر من سليم الأول سلطان العثمانيين، سقط طومان بخيانة من الأعراب، بعد أن قاتل العثمانيين ومعه المماليك والمصريون بشجاعة وبسالة.

معركة الريدانية وحروب الشوارع بالقاهرة أسفرت عن سقوط خمسين ألف قتيل، ومعها سقط استقلال مصر، فتحولت لولاية عثمانية تدفع الجزية.
مصر المتسامحة الكبيرة.. أطلقت اسم قاتلها «سليم» والمقتول دفاعاً عنها «طومان باى» على شارعين بمدينة القاهرة، لكن العثمانيين لم ينسوا جيوش مصر وهى تجتاح حامياتها فى الجزيرة والشام وتعبر جبال طوروس فى طريقها إلى الأستانة، لولا تدخل أوروبا.
على إيقاع الحلم التركى والدولة العثمانية تربى أردوغان وغيره محملين بذاكرة تاريخية ومشاهد وأحلام تجاوزها الواقع والتاريخ.
أردوغان تلميذ أربكان النجيب.. تخلى عن زعيمه ومثله الأعلى بعد أن أدرك المعادلة التركية فأسس حزب العدالة والتنمية مع عبدالله جول بعد رحلة طويلة فى أحزاب الخلاص والرفاة والفضيلة.
حينما تولى عمدة اسطنبول كان قد تعلم الدرس، أن إرادة الشعب هى الأساس.. فودع فى براجماتية شديدة، كل أفكاره جانباً، وانطلق ليحول اسطنبول التى كان خليجها مكباً للنفايات إلى معلم سياحى كبير، فحقق بإنجازاته الهائلة شعبية كبيرة، لكنها لم تشفع له حينما حوكم بالتحريض على الكراهية الدينية لإلقائه قصيدة شعر فى مؤتمر عام.
فى عام 2002 اكتسح حزب العدالة والتنمية الانتخابات، ولكن أردوغان لم يتول الوزارة بسبب الحكم السابق حتى أسقطه عنه الرئيس عبدالله جول فى مارس 2003.
على ما يبدو أن الدرس ربما للمرة العاشرة كان قاسياً، فهم أردوغان أن المساحة كبيرة بين الحلم والواقع، فعاد ليؤكد مخالفته لسياسة
زعيمه السابق أربكان، المعروف بمواقفه المتشددة، مؤكداً أن حزبه ليس حزباً دينياً بل حزب أوروبى محافظ، رافضاً ما سماه «استغلال الدين وتوظيفه فى السياسة»، ساعياً بكل قوة للانضمام للاتحاد الأوروبى وملتزماً بوجود تركيا فى حلف الأطلنطى.
التزم أردوغان باحترام قواعد اللعبة فى تركيا، فأكد التزامه بأسس النظام الجمهورى واحترامه لمبادئ أتاتورك فى إطار القيم الإسلامية، بل وأرسل ابنته المحجبة لأمريكا لتدرس هناك، لأن الجامعات التركية ترفض قبول طالبات محجبات!!
الأحلام تكبر.. أردوغان تحول إلى أيقونة شعبية بين العرب بسبب موقفه تجاه حرب غزة، وانسحابه من منتدى دافوس احتجاجاً على عدم منحه فرصة للرد على شيمون بيريز، واصفاً الجيش الإسرائيلى بأنه قاتل الأطفال فى غزة.
السعودية.. منحته جائزة الملك فيصل العالمية لخدمته للإسلام، وكرمته جامعة «أم القرى» بمكة المكرمة، بمنحه أيضاً الدكتوراه الفخرية فى مجال الإسلام.
أردوغان.. صيته يعلو كسلاطين دولته القدماء.. لا شك أن أحلام النفوذ والسيادة القديمة داعبته كثيراً، فقد توازنه ولم يدرك متغيرات الواقع إقليمياً ودولياً، ولكنه فى سبيل الحلم القديم ضل الطريق، فقبل جائزة القذافى العالمية لحقوق الإنسان!!، وهو ما أثار السخرية فى العالم ولدى الأتراك، ولكنه رفض الاستجابة لدعوات التنازل عنها.
أحلامه مازالت تسابقه، ولكن فرق الانكشارية لم تعد موجودة، فاستعان بدلاً منها بالقنوات الفضائية الناطقة بالعربية، فى افتتاح إحدى هذه القنوات أشار إلى أن العالم بدون العرب لا معنى له، وأن مصير ومستقبل اسطنبول لا يختلف عن مصير ومستقبل أى مدينة عربية، معتبراً أن القوة والإرادة قادرتان على تجاوز الحدود والفواصل والعقبات التى زرعها الاستعمار بين تركيا والعرب، اقتنع العرب بالرسالة وفتحوا القلوب والعقول والبلاد للشقيقة الكبرى تركيا، ولكن سرعان ما تبدلت الأحوال.
مصر.. قلب العرب وحامية الإسلام وعقدة الأتراك العسكرية، عصف الربيع العربى بنظامها الاستبدادى، ثورة 25 يناير أتت بالإخوان المسلمين للحكم، فتلاقت الأحلام العابرة للدول وتوافقت الحسابات والمواقف، تحالف جديد ينشأ بين أنقرة والقاهرة.. فهل كان الهدف مصلحة الشعبين؟
30 يونية أطاحت بالإخوان وسياسة الإقصاء، حليف الأتراك سقط فى القاهرة، فسقطت معه كل أوراق التوت وقواعد الدبلوماسية الدولية.
أردوغان يتحدى إرادة الشعب المصرى، تدخل وضغط فى شأن داخلى مصرى، نسى أن العلاقات تقوم بين الشعوب لا مع الحكام لم يتعلم من تجربة الشاه والأمريكان فى إيران، تجاهل أن العلاقات بين الدول لا تقوم على الأفراد أو الجماعات، وإنما على احترام إرادة الشعوب، وسيادة الدول.
أردوغان لم يعرف أن زمن الفرمانات ودسائس القصور فى الأستانة قد مضت إلى كتب التاريخ، كما خرجت الإمبراطورية العثمانية من الجغرافيا، لم يعرف أن القاهرة تولد من جديد فاتحة ذراعيها للجميع وللشقيقة تركيا، ولكن وفقاً للقواعد والأصول والاحترام واعتبارات السيادة الوطنية.
فى 2011 قدم أردوغان اعتذاراً باسم دولة تركيا إلى الأكراد العلويين تكفيراً عن الأحداث المأساوية التى ارتكبها الجيش التركى فى منطقة درسيم فى الثلاثينيات.. الرجل يملك الشجاعة والقدرة على المراجعة والاعتذار، فهل يدرك ما ارتكبه فى حق الشعب المصري؟
مازالت الفرص قائمة لم تتبدد، فقط على أردوغان أن يدرك أن ما يحدث فى القاهرة شأن داخلى، ليس الأتراك طرفاً فيه، وأن روابط الشعوب أقوى وأبقى من هزات وانقلابات السياسة المتغيرة.. أردوغان رجل يتعلم بسرعة حينما يريد، فهل يراجع نفسه سريعاً، بدلاً من عناد لإرادة أمة، وقبل أن يمضى القطار لمحطته الأخيرة، وحينها سوف يكون قد ارتكب أخطاء قد لا تغتفر.

أهم الاخبار