رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

بسبب تداعيات «كورونا» وحرب أوكرانيا

الطاقة والغذاء والتضخم.. 3 قنابل تهدد العالم

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 18 أغسطس 2022 10:43
الطاقة والغذاء والتضخم.. 3 قنابل تهدد العالمالطاقة والغذاء والتضخم
أعد الملف - حمدى أحمد:

يواجه العالم حاليا واحدة من أقوى الأزمات الاقتصادية عبر تاريخه، ففى السابق كان العالم يواجه أزمة مالية أو أزمة غذاء أو أزمة طاقة، لكنه الآن يواجه كل هذه الأزمات مجتمعة.

 

لم يكد العالم يفيق من تداعيات جائحة كورونا الصعبة، وما خلفته من مشكلات توقف سلاسل الإمداد العالمية ونقص المواد الخام، حتى دخل فى أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، التى تسببت فى أزمة غذاء وطاقة لم يشهدها العالم من قبل، وخاصة مع ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق فى مختلف الدول.

 

هذه الأزمة المركبة والمعقدة، حذرت منها المؤسسات الدولية، وتوقعت ظهور مجاعات فى الدول الفقيرة، نتيجة صعوبة توفير الغذاء، كما حذرت من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة الجنونى على الاقتصاد العالمى، داعية إلى ضرورة وقف الحرب الروسية الأوكرانية، بأى شكل حتى يعود الاستقرار للمجتمع الدولى.

 

ويمكن القول إن ثلاثية «الطاقة والغذاء والتضخم» أصبحت تهدد العالم بشكل كبير، ويجب العمل على وضع الحلول لها سريعا، حتى لا تغرق الدول فى أزمات طاحنة تأكل الأخضر واليابس.

 

«الوفد» فى هذا الملف ترصد أسباب هذه الأزمات الثلاث وتداعياتها على الدول، مع طرح الحلول لها، إضافة إلى موقف مصر من هذه الأزمة والإجراءات التى اتخذتها لمواجهتها.

 

الطاقة.. سر الأزمة الاقتصادية العالمية.

 

يكتوى العالم الآن بنيران ارتفاع أسعار الطاقة، التى توالى ارتفاع أسعارها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية فى فبراير الماضى.

 

بعد انهيار أسعار النفط خلال جائحة كورونا، وصل سعر خام برنت 22 دولار للبرميل فى مارس 2020، إلا أنه وصل إلى أعلى مستوى فى 14 عامًا فى مارس الماضى بعد اندلاع الحرب، مقتربًا من 140 دولارًا للبرميل، ثم تراجع لتدور الأسعار الآن ما بين 90 و100 دولار للبرميل.

 

الأمر لم يقتصر على النفط، فكان للغاز الطبيعى نصيب من الزيادة، وحققت العقود الأجلة للغاز الطبيعى معدلات مرتفعة وصلت إلى 9.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وهو أعلى مستوى منذ يوليو 2008، فضلًا عن تسجيله أفضل أداء شهرى منذ عام 1990، خلال شهر يوليو عندما ارتفع سعره بنسبة 77%.

 

وتتراوح أسعار الغاز الآن من 8.6 دولار إلى 8.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، بينما كانت تتراوح قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بين 3 و4 دولارات للمليون وحدة حرارية.

 

أما فى أوروبا، وهى القارة الأكثر تأثرًا بالحرب، بسبب اعتمادها الكبير على الغاز الروسى، بنسبة تصل إلى 40%، فوصل سعر الغاز فيها إلى أرقام قياسية، وسجلت أكثر من 56 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية ما يعادل 325 دولارًا للبرميل المكافئ للنفط، ومن المتوقع زيادة هذه الأسعار خلال الفترة المقبلة، مع تزايد التوتر بين روسيا وأوروبا نتيجة العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، ورد روسيا على هذه العقوبات، بتقليل كميات الغاز الموردة إلى أوروبا تدريجيا، مع إمكانية قطع الغاز نهائيًا.

 

ووسط هذه الأجواء، قالت وكالة الطاقة الدولية، على لسان مديرها التنفيذى، فاتح بيرول، إن العالم يمر بأزمة طاقة، قد تكون نقطة تحول فى صنع سياسات السنوات المقبلة.

وحذر «بيرول» من أن أزمة الطاقة العالمية قد تزداد سوءًا، مع تفاقم الطلب العالمى الذى أدى إلى نقص فى المعروض، وأسهم فى ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، مشيرًا إلى أن العالم لم يشهد قط مثل هذه الأزمة الكبيرة فى الطاقة من حيث عمقها وتعقيدها، وربما لم نشهد الأسوأ حتى الآن وهذا يؤثر على العالم كله.

 

وأوضح «بيرول» أن منظومة الطاقة العالمية واجهت حالة من الاضطراب بعد الأزمة الروسية الأوكرانية، خاصة أن موسكو كانت أكبر مصدر للنفط والغاز الطبيعى ولاعبًا رئيسيًا فى السوق.

 

وأدت الأسعار المرتفعة إلى زيادة تكلفة ملء خزانات الغاز الطبيعى، كما رفعت الأعباء على الأسر من أجل تدفئة المنازل، وتكاليف الإنتاج فى المصانع بجميع أنحاء العالم، وهو ما زاد الضغوط التضخمية وأدى إلى احتجاجات دامية فى بعض البلدان أبرزها سريلانكا.

 

ولفت مدير الوكالة إلى أن أزمة الطاقة الحالية قد تشجع العالم على اعتماد سياسات حكومية أسرع للانتقال إلى طاقة أنظف، على غرار أزمة النفط فى السبعينيات، والتى أدت إلى مكاسب هائلة فيما يتعلق بكفاءة استخدام الوقود وانتعاش الطاقة النووية، مؤكدًا أن أمن إمدادت النفط والغاز سيظل يشكل تحديًا لأوروبا، ومناطق أخرى حول العالم، قائلًا، «هذا الشتاء فى أوروبا سيكون شديد الصعوبة.. وهذا مصدر قلق كبير، وقد تكون لذلك تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمى».

 

وفى ظل هذه الأزمة، حددت وكالة الطاقة الدولية خمسة إجراءات فورية يتعين على القادة الأوروبيين اتخاذها من أجل نهج أكثر تنسيقًا على مستوى الكتلة للاستعداد لفصل الشتاء المقبل.

الطاقة.. سر الأزمة الاقتصادية العالمية.

وأوضحت الوكالة أن هذه الإجراءات تتمثل فى إطلاق منصة مزادات لتحفيز مستخدمى الغاز فى القطاع الصناعى بالاتحاد الأوروبى على تقليل الطلب، وتقليل استخدام الغاز فى قطاع الكهرباء، عن طريق زيادة التوليد بالفحم والنفط مؤقتًا، مع الإسراع بنشر المصادر منخفضة الكربون، بما فى ذلك الطاقة النووية، وتعزيز التنسيق بين مشغلى الغاز والكهرباء فى جميع أنحاء أوروبا، بما فى ذلك آليات الحد الأقصى للاستهلاك، فضلًا عن التعاون فى تشغيل محطات الطاقة الحرارية على المستويين الوطنى والأوروبى.

وأضافت: «يجب خفض الطلب على الكهرباء المنزلية من خلال وضع معايير التبريد والعمل على تغيير سلوك المستهلكين، والتخطيط المنسق لحالات الطوارئ على المستويين الوطنى والأوروبى».

 

من جانبه حذر صندوق النقد الدولى، من أن الوقف الكامل لصادرات الغاز الروسى إلى أوربا من شأنه أن يؤدى إلى زيادة التضخم فى جميع أنحاء العالم بقدر كبير من خلال ارتفاع أسعار الطاقة.

ماهر عزيز

ورجح الصندوق تباطؤ نمو التجارة العالمية خلال العامين الجارى والمقبل بأكثر مما كان متوقعًا فى السابق، نتيجة تراجع الطلب العالمى ومشكلات سلاسل التوريد، بالإضافة إلى ارتفاع قيمة الدولار بنسبة 5% فى 6 أشهر اعتبارًا من ديسمبر 2021.

 

من جهته، قال الدكتور ماهر عزيز، عضو مجلس الطاقة العالمى، إن الطاقة هى أكثر القضايا حيوية فى العالم الآن، لأنها مرتبطة بالأمن والعدالة والاستدامة، مشيرًا إلى أن الطاقة المستدامة ترتكز على 3 محاور جوهرية تتمثل فى إتاحية الطاقة، ونوالية الطاقة أى إيصالها، ومقبولية الطاقة أى أن تكون الطاقة مقبولة للجماهير.

 

وأضاف «عزيز» أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت بقوة عن هذه المحاور، لأن أمن الطاقة الآن تقوض بشكل كبير، كما تم ضرب عدالة التوزيع، وكذلك الاستدامة أصبحت فى خطر شديد، إضافة إلى أن الطاقة أصبحت غير متاحة ومن الممكن قطع وصولها إلى عدد من الدول، مع وجود مخاطر حول وصول الطاقة للجماهير.

 

وأوضح عضو مجلس الطاقة العالمى، أن الولايات المتحدة الأمريكية ورطت الدول الأوروبية فى الحرب الروسية الأوكرانية، وأصبحت أوروبا الآن تحت رحمة روسيا، لأنها تعتمد بنسبة 40% على الغاز الروسى بشكل عام، وبعض الدول تعتمد عليه بنسبة 60% مثل ألمانيا، لافتًا إلى أن العقوبات الأوروبية على روسيا كانت لها نتائج عكسية ومأساة فى الطاقة والغذاء، ليس لأوروبا فقط وإنما العالم كله.

 

وتابع: «الدول تعانى الآن بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، وبدأ العالم الآن يشعر بأن الطاقة مسألة ضخمة ومؤثرة فى الاقتصاد العالمى كله، وإذا حدث أى خلل فى موازينها يختل تكوين الاقتصاد العالمى كله».

 

وأشار «عزيز» إلى أن الرئيس الأمريكى جو بايدن يحاول حل مشكلة الطاقة، وجاء إلى الشرق الأوسط لإقناع الدول المنتجة للنفط والغاز بزيادة الإنتاج وتعويض الغاز الروسى فى أوروبا، لكن هناك توازنات فى إنتاج الغاز والنفط لا تستطيع الدول التغاضى عنها وتنفيذ مطالب أمريكا، لأن هناك ضوابط لعملية الإنتاج والتوزيع العالمى.

 

ملف الغذاء.. العالم على شفا مجاعة.

جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، لتسرع من وتيرة الجوع فى العالم، نتيجة التداعيات السلبية لها، عقب توقف تصدير السلع الغذائية الأوكرانية وخاصة الحبوب إلى دول العالم المختلفة، ما أدى إلى ارتفاعات كبيرة فى أسعار القمح والذرة والأرز وغيرها من السلع الرئيسية، مع نقص هذه السلع فى الأسواق، وتهديد العديد من الدول الفقيرة بخطر المجاعة.

 

يأتى ذلك فى ظل احتلال أوكرانيا وروسيا مرتبة متقدمة فى إمداد العالم بالحبوب والسلع الغذائية المختلفة، خاصة إذا علمنا أن أوكرانيا وروسيا يؤمنان 28% من القمح المتداول فى العالم، و29% من الشعير، و15% من الذرة، و75% من زيت دوار الشمس.

 

وتوقعت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» التابعة للأمم المتحدة، أن يواجه 181 مليون شخص فى 41 دولة، أزمة غذائية أو مستويات أسوأ من الجوع هذا العام، بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية.

 

وأشارت المنظمة، إلى أنه من المتوقع أن يبلغ الإنتاج العالمى من القمح والأرز والحبوب الأخرى 2.78 مليار طن فى 2022، بانخفاض 16 مليون طن عن العام السابق.

وارتفعت أسعار القمح بنسبة 53% منذ بداية العام، وقفزت بنسبة 6% أخرى فى مايو الماضى، بعدما أعلنت الهند تجميد صادراتها من هذه السلعة الحيوية نتيجة موجة حر.

وأوضحت منظمة الفاو، أن التكلفة المرتفعة للأغذية الأساسية أدت إلى زيادة عدد الأشخاص، الذين يفتقرون إلى الأمن الغذائى بمقدار 440 مليون شخص، إلى 1.6 مليار شخص، كما أن نحو 250 مليون على شفا مجاعة.

 

وأصدرت «الفاو»، وبرنامج الأغذية العالمى، تحذيرا شديدا بتوقع حدوث العديد من الأزمات الغذائية التى تلوح فى الأفق، ويؤججها النزاع والصدمات المناخية وتداعيات جائحة فيروس كورونا وأعباء الدين العام الهائلة، وقد تفاقمت هذه الأزمات بسبب الآثار المتتالية للحرب فى أوكرانيا.

 

ودعا تقرير «الفاو» الصادر بعنوان «بؤر الجوع الساخنة..الإنذار المبكر من منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمى بشأن انعدام الأمن الغذائى الحاد''، إلى اتخاذ إجراءات إنسانية عاجلة فى 20 بؤرة ساخنة للجوع، حيث من المتوقع أن يتفاقم الجوع الحاد خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2022، بهدف إنقاذ الأرواح وسبل كسب العيش والحيلولة دون وقوع المجاعة.

 

وحذر التقرير من أن الحرب فى أوكرانيا قد زادت من تفاقم الارتفاع المطرد فى أسعار المواد الغذائية والطاقة فى جميع أنحاء العالم، ما يؤثر بالفعل على الاستقرار الاقتصادى فى جميع المناطق، ومن المتوقع أن تكون الآثار حادة بشكل خاص فى المناطق التى يتزامن فيها تزعزع الاستقرار الاقتصادى وارتفاع الأسعار مع انخفاض إنتاج الأغذية بسبب الصدمات المناخية مثل الموجات المتكررة من الجفاف أو الفيضانات.

 

وأضاف: «نحن نواجه عاصفة مكتملة الأركان لن يقتصر ضررها على أفقر الفئات فحسب، بل سيتسع نطاق ضررها ليصيب ملايين الأسر التى لا تزال حتى الآن تكافح للبقاء على قيد الحياة.. الظروف الآن أسوأ بكثير مما كانت عليه خلال فترة الربيع العربى فى 2011 وأزمة أسعار الغذاء خلال عامى 2007 و2008، عندما هزت الاضطرابات السياسية وأعمال الشغب والاحتجاجات 48 بلد.. لقد رأينا بالفعل ما يحدث فى إندونيسيا وباكستان وبيرو وسريلانكا، وهذا مجرد غيض من فيض، والحلول بأيدينا، وعلينا أن نتحرك ونتصرف بسرعة».

 

وأوضح التقرير، أن الموجات المتكررة من الجفاف والفيضانات والأعاصير بأنواعها تؤدى إلى تدمير الزراعة والقضاء على تربية الماشية، ما يؤدى إلى نزوح السكان والدفع بالملايين نحو حافة الهاوية فى جميع أنحاء العالم.

ملف الغذاء.. العالم على شفا مجاعة.

ووفقا للتقرير، لا تزال إثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان واليمن تعيش فى حالة التأهب القصوى باعتبارها بؤر ساخنة ذات ظروف كارثية، وقد دخلت أفغانستان والصومال لأول مرة ضمن هذه الفئة التى تدعو إلى القلق منذ آخر تقرير بشأن البؤر الساخنة الذى صدر فى يناير 2022، وتضم هذه البلدان الست شرائح من السكان تواجه المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى «الكارثة» أو معرضة لخطر التدهور باتجاه الظروف الكارثية، حيث يواجه ما يصل إلى 750000 شخص خطر المجاعة والوفاة، ويعيش 400000 شخص من هؤلاء فى منطقة تيجراى الإثيوبية وهو أعلى رقم مسجل فى بلد واحد منذ المجاعة التى حدثت فى الصومال عام 2011.

 

ولا تزال الكونغو الديمقراطية وهايتى والساحل الأفريقى والسودان وسوريا فى وضع مثير للقلق البالغ، مع انضمام كينيا إلى القائمة، وقد أُضيفت سريلانكا ودول غرب أفريقيا الساحلية (بنين وكابو فيردى وغينيا) وأوكرانيا وزيمبابوى إلى قائمة البلدان ذات البؤر الساخنة لتنضم إلى أنجولا ولبنان ومدغشقر وموزمبيق التى لا تزال بؤر ساخنة للجوع.

وفى خطوة يمكن أن تسهم فى إحداث انفراجة فى أزمة الغذاء العالمية، أعلنت الأمم المتحدة عن توقيع اتفاق لاستئناف صادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، وإعادة الشحنات إلى مستويات ما قبل الحرب والتى تبلغ خمسة ملايين طن شهريا.

 

وقال مسئولو الأمم المتحدة، أن الأطراف اتفقت على الخطوط العريضة للمبادرة بما يشمل تحديد الموانئ المعنية وإنشاء مركز مراقبة فى إسطنبول وطرق تفتيش السفن وغير ذلك.

 

من جانبه، قال أحمد بيومى، الباحث الاقتصادى بالمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن اتفاق روسيا وأوكرانيا على إعادة تصدير الحبوب من أوكرانيا خطوة جيدة فى مواجهة أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار.

 

وأضاف بيومى، أن أوكرانيا تصدر نحو 20 مليون طن من القمح سنويا، والسماح لها بالتصدير مرة أخرى سيؤدى إلى المزيد من العرض فى الأسواق العالمية، خصوصا وأننا فى أزمة مناخية تؤثر على إنتاج المحاصيل فى بعض دول العالم، وعلى رأسها الهند ثانى أكبر منتج للقمح عالميا التى سمحت بتصدير القمح مؤخرا، ولكن بسبب التغيرات المناخية قررت وقف التصدير إلا لعدد قليل من الدول ما أثر على العرض فى الأسواق والأسعار.

 

وأوضح «بيومى» أن وجود اتفاق بين روسيا وأوكرانيا فى ملف الغذاء أحد المحاور الهامة التى تعمل عليها روسيا الآن، حتى لا تحصل على تصنيف عالمى بأنها «الدولة الشريرة» التى تحارب العالم وتتسبب فى أزمة الغذاء العالمية.

 

وأشار إلى أنه سيتم استخدام هذه الأزمة  ضد روسيا بشكل أوسع خلال الفترة المقبلة، خاصة مع الدول النامية عندما تبدأ المؤسسات العالمية النظر فى بيانات معدلات الفقر والصحة العامة والجوع وخاصة فى الدول الأفريقية، والتى ستظهر سوء الصحة العامة للسكان وارتفاع معدلات الفقر وسيتم توجيه تلك الاتهامات إلى روسيا، بحكم أنها الدولة التى منعت الغذاء أن يصل إلى العالم.

 

التضخم.. رعب يجتاح جميع الدول.

 

يشهد العالم حاليا موجة تضخم شديدة القسوة على مختلف الدول سواء المتقدمة أو النامية، ولا ترحم صغيرا أو كبيرا، نتيجة أسباب عديدة أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، واشتعال أسعار الغذاء والطاقة، واستمرار تداعيات جائحة كورونا، وتوقف سلاسل الإمداد مع نقص المواد الخام.

 

ومن أكبر الدلائل على هذه الموجة، وصول معدل التضخم السنوى فى الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته فى أكثر من 40 عاما خلال يونيو الماضى عند مستوى 9.1% مقابل 8.8% فى مايو، ووصوله فى أوروبا إلى 8.6% فى يونيو أيضاً، وهو أعلى مستوى فى تاريخ المنطقة التى تستخدم العملة الموحدة «اليورو»، فضلا عن ارتفاعه فى باقى دول العالم بنسب مختلفة.

 

ونتيجة لهذا التضخم ومحاولات كبح جماحه، رفع الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى أسعار الفائدة لأول مرة منذ 4 سنوات خلال مارس الماضى بنسبة 0.25%، وبنسبة 0.5% فى اجتماع مايو، ثم بنسبة 0.75% فى يونيو ومثلها فى يوليو وهى أعلى نسبة رفع منذ عام 1994.

 

كما رفع البنك المركزى الأوروبى معدل الفائدة لأول مرة منذ 11 عاما، بواقع 0.50 نقطة مئوية فى محاولة لمواجهة معدل التضخم القياسى، حيث تعود آخر مرة رفع فيها المركزى الأوروبى معدلات الفائدة إلى عام 2011، عندما أجبرت أزمة الديون الأوروبية البنك على تغيير مساره. وقالت كريستين لاجارد، محافظ البنك المركزى الأوروبى، إن البنك سيستمر فى رفع أسعار الفائدة حتى

يتراجع التضخم إلى مستهدفات البنك البالغة 2%، مشيرة إلى أن رفع أسعار الفائدة ليس سوى أحدث خطوة فى رحلة المركزى الأوروبى نحو التخلص من التضخم المرتفع.

 

وأوضحت أن تشديد السياسة بجانب الإجراءات الأخرى التى سيتخذها المركزى الأوروبى ستستمر على المدى المتوسط طالما كان ذلك ضروريا لخفض التضخم إلى نطاق مستهدفات المركزى الأوروبى.

التضخم.. رعب يجتاح جميع الدول.

وفى تقريره الصادر فى يونيو الماضى، قال صندوق النقد الدولى إن الزيادة الأخيرة فى معدلات التضخم حول العالم كانت مفاجأة للكثيرين.

وأضاف صندوق النقد أنه حتى منتصف 2022 تجاوز التضخم الكلى «سعر جميع السلع والخدمات» والتضخم الرئيسى «ما عدا أسعار الغذاء والطاقة» المستويات المستهدفة فى معظم البلدان، وتشير النظريات الاقتصادية المعتادة إلى أن التضخم سيخرج عن السيطرة فى حالة تطبيق مزيج محدد من السياسات النقدية والمالية لفترة مطولة، ولكن القول باستمرار التضخم من عدمه نتيجة لذلك يتطلب المزيد من الدراسة، وتعتمد الإجابة على توزيع الصدمات فى الاقتصاد وردود أفعال البنوك المركزية ووزارات المالية.

وأرجع الصندوق أسباب موجة التضخم الحالية إلى 5 دوافع أساسية، الأول يتمثل فى اختناقات سلاسل الإمداد بسبب جائحة كورونا، والذى أدى إلى نقص المواد الخام والسلع المصنعة الوسيطة ونقل البضائع، والثانى تحول الطلب من الخدمات إلى السلع، حيث أدت الجائحة فى البداية إلى تحول حاد فى طبيعة المشتريات الاستهلاكية، وسجل الإنفاق على السلع ارتفاعا هائلا، بينما سجل تضخم الخدمات ارتفاعا طفيفا.

 

وأوضح التقرير أن الدافع الثالث هو حزمة التدابير التنشيطية الكلية والتعافى فى مرحلة ما بعد الجائحة، حيث تم الإعلان عالميا عن تدابير مالية بقيمة 16,9 تريليون دولار لمكافحة الجائحة، ما أدى إلى زيادة مفاجئة فى الطلب الكلى وتعافى اقتصادى أقوى من المتوقع.

 

والدافع الرابع وفقا للصندوق، كان صدمة حجم العمالة، حيث لا تزال الانقطاعات فى أسواق العمل نتيجة الجائحة مستمرة حتى بعد مرور عامين على بدايتها، ولا تزال نسب المشاركة فى القوة العاملة دون مستويات ما قبل الجائحة فى عدد من البلدان، مشيرا إلى أن عجز العمالة سيكون له دور كبير فى الضغوط التضخمية لفترة قادمة.

 

أما الدافع الخامس فكان صدمات إمدادات الطاقة والغذاء الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ما ساهم فى زيادة معدلات التضخم عالميا، لأن روسيا وأوكرانيا يعدان من مصدرى السلع الأولية الرئيسية، وقد أدت الانقطاعات الناتجة عن الحرب والعقوبات إلى ارتفاع حاد فى الأسعار العالمية، ولا سيما النفط والغاز الطبيعى، وسجلت أسعار الغذاء ارتفاعا مفاجئا أيضاً.

 

وقد تؤدى هذه التداعيات، وفقا لتقرير صندوق النقد، إلى استمرار التضخم لفترة أطول من المتوقع، وسيكون التأثير أكبر على الأرجح فى البلدان منخفضة الدخل واقتصادات الأسواق الصاعدة، حيث تمثل الأغذية والطاقة النسبة الأكبر من الاستهلاك وتصل إلى 50% فى أفريقيا.

 

وأوضح الصندوق أن مدة الموجة التضخمية الحالية ستتوقف على عاملين، أولهما التفاعل بين استمرار ضيق الأوضاع فى أسواق العمل واختناقات سلاسل الإمداد واستجابة البنوك المركزية، وثانيهما، مدة الحرب فى أوكرانيا وتداعياتها على أسعار الطاقة والغذاء والنمو العالمى، مشيرا إلى أنه حسب التجارب التاريخية السابقة، لن تستمر هذه الطفرة التضخمية الخارجة عن السيطرة لأكثر من عامين.

 

من جانبه، قال هانى جنينة، الخبير الاقتصادى والمحاضر فى الجامعة الأمريكية، إن الطاقة من أهم العناصر المسببة للتضخم لاعتماد الاقتصاد عليها بشكل كبير.

وأضاف «جنينة» أن العالم كله يمر حاليا بأزمة طاقة، وخاصة بعد العقوبات المفروضة على روسيا وتصدير الغاز والنفط الروسى، مشيرا إلى أن سعر النفط العام الماضى كان نحو 60 دولار وهذا العام لامس 120 دولارا، وحاليا نحو 100 دولار، كما ارتفع سعر الغاز من 2 و3 دولار للمليون وحدة حرارية خلال العامين الماضيين، إلى 20 و30 دولارا حاليا فى أوروبا، أى أننا نتحدث عن مضاعفات كبيرة فى الأسعار وغير طبيعية.

 

وأوضح الخبير الاقتصادى أن هذا الارتفاع فى الأسعار يؤثر على العالم كله ومصر بالطبع، كما أن له مميزات وعيوب بالنسبة لنا، أما المميزات فتتمثل فى زيادة قيمة الصادرات المصرية من الغاز والبترول، والعيوب تتمثل فى أننا نستورد هذا التضخم فى شكل ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة سواء سولار أو سلع غذائية أو أى واردات أخرى، كما أدى إلى رفع الحكومة أسعار الوقود المختلفة فى الأسواق المحلية مؤخرا، وسوف يؤثر ذلك على معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة.

هانى جنينة

ولفت «جنينة» إلى أن التضخم الذى نخاف منه فى مصر ليس تضخم الصدمة الأولى بارتفاع أسعار سلعة معينة خلال شهر أو اثنين، وهى غالبا صدمات مؤقتة، وإنما التضخم الذى نخاف منه هو أن الصدمات المؤقتة تتحول إلى صدمات دائمة وتضخم مستمر، لكن ذلك لا يحدث فى مصر، لأن البنك المركزى دائما ما يستتبع هذه الصدمات بسياسة نقدية تحاول أن تخفف من وطأة التضخم على المواطن فى الأمد المتوسط.

 

وتابع: «أوروبا وأمريكا يعانيان أيضاً من التضخم الكبير، ولذلك جاءت زيارة الرئيس الأمريكى جو بايدن إلى الشرق الأوسط مؤخرا، لإقناع الدول بزيادة إنتاج النفط والغاز لتخفيض الأسعار».

 

وتوقع الخبير الاقتصادى، استمرار البنك الفيدرالى الأمريكى فى سياسة رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة حتى تصل إلى 3.5% قبل نهاية العام الجارى لمواجهة التضخم، وسيتبع ذلك رفع البنك المركزى المصرى الفائدة، لامتصاص هذه الصدمة التضخمية الجديدة حتى تعود معدلات التضخم العام المقبل إلى مستويات مقبولة.

 

الحماية الاجتماعية ومبادرات التكافل.. سلاح مصر للنجاة.

 

مصر ليست فى معزل عن الأزمة الاقتصادية العالمية، وتأثرت بشدة بسببها، وخاصة أنها تعتمد بنسبة كبيرة فى غذائها على الاستيراد من الخارج، وتعتبر أكبر مستورد للقمح عالميًا.

 

ومع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًا لمستويات غير مسبوقة، عقب الحرب الروسية الأوكرانية، بدأت الدولة فى التحرك لمواجهة التضخم المستورد من الخارج، وأدى إلى زيادة الأسعار داخليًا بصورة كبيرة.

 

ولمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، وجه الرئيس عبدالفتاح السيسى مؤخرًا، بالتوسع فى إجراءات الحماية الاجتماعية.

 

ووجه السيسى بزيادة عدد الأسر المستفيدة من برنامج «تكافل وكرامة» بضم مليون أسرة إضافية للبرنامج، ليصبح حجم المستفيدين أكثر من 20 مليون مواطن على مستوى الجمهورية، وصرف مساعدات استثنائية لـ9 ملايين أسرة لمدة 6 أشهر قادمة، بتكلفة إجمالية مليار جنيه شهريًا للأسر الأكثر احتياجًا، ومن أصحاب المعاشات الذين يحصلون على معاش شهرى أقل من 2500 جنيه، والعاملين بالجهاز الإدارى للدولة الذين يحصلون على راتب أقل من 2700 جنيه شهريًا.

على الإدريسى

وطالب الرئيس بتعزيز الأمن الغذائى للأسر الفقيرة والأمهات والأطفال، من خلال التوسع فى طرح كراتين السلع الغذائية المدعمة بنصف التكلفة، وبواقع 2 مليون كرتونة شهريًا، بحيث يتم توزيعها من خلال منافذ القوات المسلحة، إضافة إلى قيام وزارة الأوقاف بالشراكة مع وزارة التضامن الاجتماعى بتوزيع لحوم الأضاحى على مدار العام، وقيام وزارة المالية بتوفير الموارد المالية اللازمة فى هذا الصدد، والبالغ إجماليها حوالى 11 مليار جنيه.

 

من جهته، قال الدكتور على المصيلحى وزير التموين، إن البطاقة التموينية التى تضم أسرة واحدة ستتم إضافة 100 جنيه على البطاقة، والتى تضم أسرتين 200 جنيه، والتى تضم 3 أسر سيتم إضافة 300 جنيه.

 

وأضاف «المصيلحى»، أن إجمالى ما سيتم إضافته على البطاقات التموينية سيكلف الحكومة 5.5 مليار جنيه لمدة 6 أشهر فقط وهى الفترة المحددة للمساعدات الاستثنائية، مشيرًا إلى أن المبالغ التى ستتم إضافتها على البطاقات التموينية سيتم شراء سلع تموينية لمدة 6 أشهر وليس سحب المبالغ.

الحماية الاجتماعية ومبادرات التكافل.. سلاح مصر للنجاة.

وأوضح الوزير، أن عدد الأسر فى تكافل وكرامة التى تم ضمها هى فئات مهمة مثل المرأة المعيلة والذين ليس لديهم دخل بعدد 500 ألف أسرة، بمتوسط 500 جنيه شهريًا طوال السنة، لافتًا إلى أن هناك 36 مليون مستفيد يمثلون حوالى 7.8 مليون أسرة وذلك بخلاف الـ500 ألف أسرة.

 

وتابع: «هناك انفراجة متوقعة بعد انخفاض أسعار القمح والزيت، واقتراحات الممرات الآمنة، لإعادة تصدير الحبوب الأوكرانية»، مشيرًا إلى أن جميع شحنات القمح التى تعاقدنا عليها قبل حرب روسيا وأوكرانيا وصلت، باستثناء مركب واحد، سيتحرك من أوكرانيا عقب فتح الممرات الآمنة».

وأضاف: «لولا المشروع القومى للصوامع، ما استطعنا التحدث عن الاحتياطى الآمن الذى يصل لـ7 أشهر، فضلًا عن وجود 7 أشهر من السكر، إضافة إلى وجود 3 أشهر من احتياطى الأرز».

 

ونفى وزير التموين ما تردد حول ارتفاع أسعار الأرز قائلًا، «بالعكس الأسعار هتقل الفترة الجاية لإننا داخلين على موسم فى شهر سبتمبر»، إضافة إلى وجود عقود لحوم مع السودان تغطى 14 شهرًا، فضلًا عن عقود بـ7 أشهر مع البرازيل للحوم المجمدة.

 

وأوضح أن احتياطى الدواجن المجمدة يصل إلى 7 أشهر، كما استطعنا الحصول على 660 ألف طن قمح بأرقام جيدة، من ألمانيا ورمانيا وفرنسا، فضلًا عن شحنتين من روسيا، مشيرًا إلى وجود ما يقرب من 4 ملايين طن قمح حاليًا فى الصوامع.

 

ولفت إلى أن الدولة استلمت 4 ملايين طن قمح من المزارعين بتكلفة 23 مليار جنيه، ومازال العمل جاريًا حتى الآن، موجهًا الشكر إلى كافة الفلاحين.

 

من جهته، وصف الدكتور على الإدريسى، أستاذ الاقتصاد ونائب المدير التنفيذى لمركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الفترة المقبلة بالصعبة على الجميع.

 

وأضاف الإدريسى، أنه لمواجهة التضخم وارتفاع الأسعار، رفع مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى أسعار الفائدة بمقدار 0.75 نقطة مئوية، وهو ارتفاعه الثانى بهذا الحجم منذ يونيو.

 

وأوضح أستاذ الاقتصاد، أن حل مشكلة التضخم محليا يتمثل فى الوصول لمستويات أعلى من الاكتفاء الذاتى وزيادة الإنتاج الصناعى والزراعى، ومنح حوافز للاستثمار، مشيدًا بقرارات الرئيس السيسى بالتوسع فى إجراءات الحماية الاجتماعية للأسر المصرية.

 

وأشار «الإدريسى»، إلى أن توفير السلع الغذائية للمواطنين وإتاحتها دون هامش ربح، وبيعها بسعر التكلفة فقط يسهم فى دعم محدودى الدخل والأسر الفقيرة، ومساعدتهم على تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية وموجة الغلاء التى نشهدها حاليًا.

 

وطالب نائب المدير التنفيذى لمركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، بأهمية النظر إلى الطبقة الوسطى، مثلما يتم النظر لمحدودى الدخل، لأن الطبقة الوسطى أصبحت فى وضع حرج، وفى طريقها للانزلاق لطبقة محدودى الدخل، وهى عدد كبير يتوجب على الدولة التدخل وإنقاذه من خلال تخفيف الأعباء عليها، وضمها لبرامج الحماية الاجتماعية وإن كان بامتيازات أقل من المقدمة لطبقة محدودى الدخل والأكثر احتياجًا.