المسلمون والأقباط اعتبروها بديلاً‮ ‬للتعبير عن الأغلبية والأقلية في صناديق الانتخاب

عندما يصبح بناء الكنائس والمساجد إرضاء لله وإحراقا للوطن

رقية عنتر


عندما يصبح التسابق نحو إرضاء الرب إغضابًا للوطن وحرقًا لما تبقي منه علي قيد الحياة‮.. ‬يصبح التنافس في بناء دور العبادة وبيوت الصاة عملاً‮ ‬تخريبيا،‮ ‬وجرما يستحق المقاومة‮.. ‬وهذا ما يحدث في مصر الآن‮.‬

مسجد امام كنيسة‮.. ‬وهلال يجابه صليبًا‮.. ‬مشهد أصبح مألوفًا في الشارع المصري منذ السبعينيات تقريبًا‮.. ‬فلا تخلو منه محافظة ولا مركز ولا حتي قرية حاليا،‮ ‬فما إن يرفع المسيحيون أعمدة كنيسة بمكان ما،‮ ‬إلا وتجد المسلمين يعلنون تحويل قطعة الأرض المقابلة لها لمسجد،‮ ‬وكأن المنطقة بأكملها لم يعد بها مكان خال لاقامة الجامع سوي أمام الكنيسة أو بجوارها‮.‬

هذه الحالة ـ حرب بناء الكنائس والمساجد ـ وان كانت تحمل في ظاهرها معاني التسامح والتآخي والوحدة الوطنية،‮ ‬فإنها تخبئ في باطنها من العذاب كراهية متشددي المسلمين للمسيحيين والرغبة في التضييق عليهم والاحتكاك بهم والاعتداء عليهم باعتبارهم أقلية والعكس بالعكس يذكر،‮ ‬فسجل التاريخ مواقف كثيرة اثبتت محاولات اضطهاد متشددي المسلمين للمسيحيين والتضييق عليهم عند ممارستهم لشعائرهم الدينية،‮ ‬فإذا انشأ المسيحيون كنيسة،‮ ‬ينشأ أمامها المسلمون مسجدًا،‮ ‬وإذا زاد المسيحيون من ارتفاع مئذنة الكنيسة،‮ ‬أسرع المسلمون وزادوا مئذنة الجامع علوًا‮.‬

ولا تتوقف الحرب بين الطرفين عند هذا الحد،‮ ‬فقد امتدت لاسماء الشوارع،‮ ‬فحرصت الأقلية المتشددة من المسلمين علي تسمية الشوارع المجاورة أو المقابلة لشوارع مسيحية ـ المسمي أو القاطنين ـ،‮ ‬بأسماء ذات مرجعية دينية،‮ ‬بل وامتد الأمر لرفع أسماء المسيحيين عن بعض الشوارع والميادين الشهيرة واستبدالها بأسماء إسلامية كما حدث بميدان فيكتوريا بمنطقة شبرا والذي استبدل منذ عامان بميدان فجر الاسلام‮.‬

تعالت الأصوات المسيحية منذ تولي‮ »‬مبارك‮« ‬الحكم،‮ ‬بضرورة‮ ‬غل يد الأمن والتدخل بمنح موافقات أمنية في بناء وترميم الكنائس وخاصة،‮ ‬اصدار قانون بناء وترميم دور العبادة الموحد،‮ ‬باعتبار أن من أهم أسباب التوتر الطائفي في مصر صعوبات بناء وترميم المسيحيين للكنائس في مقابل سهولة نسبية في بناء وترميم المساجد‮. ‬إلا أن تسهيلات نظام مبارك القانونية اصطدمت بجبروت أمن الدولة والذي تعمد إيقاف البناء تحت مسمي‮ »‬دواع أمنية‮«‬،‮ ‬فاشتهر عهد‮ »‬مبارك‮« ‬بتعويق النظام بناء الكنائس وإيقاف مراسيم الشعائر الدينية،‮ ‬وتعنت ومراوغة الادارات المحلية في إجراءات ترميم الكنائس،‮ ‬وعدم تسهيل الأمن تسليم الأرض المخصصة لبناء الكنائس لأعذار مختلقة،‮ ‬واقامة دعاوي قضائية لتعطيل بنائها،‮ ‬ووجود جامع بجوار الكنيسة أو حتي مشروع بناء جامع‮.‬

والصراع بين المسيحيين والمسلمين امتد إلي اسماء الشوارع والميادين والتي حولها متشددو السلفيين إلي اسماء اسلامية،‮ ‬وأشهر الحوادث التي

شهدتها البلاد في هذا الصدد إصدار د‮. ‬عبدالعظيم وزير محافظ القاهرة قرارًا بتغيير اسم ميدان فيكتوريا بشبرا إلي ميدان نصر الإسلام،‮ ‬وتغيير اسم شارع طوسون بنفس الحي إلي اسم محمد ابن الفضل الله العامري عام‮ ‬2009،‮ ‬وهو ما أدي لنشوب خلافات بين المسيحيين والحكومة واتهامهم لها بمحاولة أسلمة أحياء القاهرة قسريا،‮ ‬وعدم الحفاظ علي الإرث التاريخي والحضاري لمصر واحترام التعددية‮.‬

وبدأ الكاتب الصحفي طلعت جاد الله حديثه قائلاً‮: ‬ملف بناء الكنائس مر بتجارب مريرة وصلت ذروتها إلي احداث امبابة التي تهدد بنشوب حرب أهلية بالبلاد إذا لم تكتمل الارادة السياسية وتعتزم حل الاشكالية‮«.‬

وأشار إلي أن أزمة بناء الكنائس استغلت طوال فترتي حكم السادات ومبارك كذريعة في احداث الفتن الطائفية،‮ ‬خاصة ما حدث بمنطقة الزاوية عام‮ ‬1981،‮ ‬ومحافظات اسيوط والمنيا وقنا،‮ ‬فكانت أجهزة الدولة تطالب الاقباط ببناء الكنائس بالمخالفة ـ فتصرح ضمنا لهم ببناء مبني يطلق عليه مبني خدمات،‮ ‬إلا أنه في الواقع كنيسة تحت سمع وبصر الدولة،‮ ‬والتي كانت‮ »‬تهيج‮« ‬المسلمين للاعتراض علي الكنيسة باعتبار انشائها جاء بشكل مخالف،‮ ‬لتنشب ـ في النهاية ـ الأحداث الطائفية‮.‬

واتهم‮ »‬جادالله‮« ‬الحكومة ـ وجهاز أمن الدولة السابق بالتحديد ـ باستخدام هذه الطريقة إذا كانت في مأزق مع الكنيسة،‮ ‬وكلما كانت الدولة علي وشك إجراء انتخابات،‮ ‬أو تمر بظرف سياسي مفاجئ يستدعي أن تلهي الشعب بحدث ما،‮ ‬وإذا تتبعنا مراحل ما قبل الانتخابات بشهور سنجد مشكلة بناء الكنائس واضحة كما حدث‮ ‬2010‮ ‬بكنيسة العياط ـ علي حد قوله ـ‮.‬

واعتبر‮ »‬جادالله‮« ‬رفض الحكومة تنفيذ طلبات المجالس الحقوقية بإقرار قانون دور العبادة الموحد،‮ ‬لما سبق،‮ ‬قائلاً‮: »‬لم تنفذ طلبات الحقوقيين ولن تنفذها،‮ ‬فهي تستخدم موضوع بناء الكنائس لتفجير المناوشات بين الأقباط والمسلمين وشغل الرأي العام كلما ارادت‮«.‬

وشدد علي أن بناء المساجد دائمًا ما يأتي كرد فعل لبناء كنيسة بمنطقة ما،‮ ‬قائلاً‮: ‬إذا مررنا بالطريق الدائري سنجد كنيسة بارتفاع معين وفي محور نصف دائرة حولها سنجد عدة مساجد أكبر مساحة وأعلي ارتفاعًا،‮ ‬وكأننا في حرب بين دور العبادة بعضها وبعض،‮ ‬وهذا النمط سيناريو رضيت عنه الحكومات

السابقة وطبقته،‮ ‬علي الرغم من قدرتها ترك مساحات مناسبة بين دور العبادة بعضها وبعض لمنع أي احتكاك قد يحدث بينهما‮«.‬

وضرب‮ »‬جادالله‮« ‬مثلا بمطرانية نجع حمادي التي قامت أجهزة أمن الدولة ببناء مسجد ملاصق لها بعد نشوب خلاف بينها وبين المطران،‮ ‬قائلاً‮: »‬أزال أمن الدولة المساكن والمحال التي كانت بجوارها وأقام المسجد،‮ ‬لتسهيل الاحتكاك وحدوث مشاكل دائمة بين طرفي المنطقة،‮ ‬وأثناء أحداث نجع حمادي التي وقعت العام الماضي،‮ ‬قامت إدارة المسجد بإيعاز من أمن الدولة بمد‮ »‬سجاجيد‮« ‬الصلاة من أمام المسجد وحتي آخر المطرانية لإعاقة دخول المسيحيين ولجان تقصي الحقائق لداخل المطرانية‮«.‬

وشدد‮ »‬جادالله‮« ‬علي أن طريقة الصراع بين طرفي الوطن والتي بدأها السادات لم تتغير ولم تستغن عنها أجهزة الدولة حتي الآن،‮ ‬فتغيرت الاشكال والشخصيات والمسئولون،‮ ‬والطريقة واحدة بما في ذلك طريقة القبض علي المتهمين بأحداث الفتن الطائفية‮.‬

وأكد‮ »‬جادالله‮« ‬تبعية السلفيين للدولة،‮ ‬مشيرًا إلي أنهم أول المؤيدين لجمال مبارك،‮ ‬وأكثر المؤيدين لمبارك نفسه،‮ ‬كما أن جزءًا منهم يأتمر بأوامر الدولة،‮ ‬والمتابع لمشكلة السلفيين وكاميليا سيدرك أنهم لا يخرجون في مظاهرات إلا عندما تسوء العلاقة بين الكنيسة والدولة‮.‬

وفيما يتعلق بتغيير أسماء الشوارع من الاسماء المسيحية إلي الاسلامية،‮ ‬قال‮: »‬إن أكثر المناطق التي تلاحظ بها هذه السياسة بكثافة محافظة الاسكندرية،‮ ‬فقديمًا كانت تحمل توليفة‮ ‬غير مسبوقة في تعدد الحضارات في مدن البحر الأبيض المتوسط،‮ ‬لذا وجدت أسماء شخصيات مسيحية وأجنبية بها،‮ ‬أما الآن فتم تغير أسماء هذه الشوارع لأسماء من العصرين الفاطمي والأموي،‮ ‬لتتغير هوية الاسكندرية من مدينة متعددة الحضارات إلي مدينة متشددة،‮ ‬والغريب في الأمر أن الأسماء التي تطلق علي هذه الشوارع والميادين ليست لرجال علم أو قيادات ثورات التحرير أو رجال قوات مسلحة‮«.‬

وأضاف‮: »‬أخشي ان تتحول الهوية المصرية متعددة الحضارات والاعراف والديانات،‮ ‬شيئا فشيئا إلي دولة دينية ربما تكون متطرفة أو منغلقة،‮ ‬وفي هذا الاطار قد يأتي اليوم الذي يطالب فيه السلفيون برحيل الأقباط من مصر أو رفض الاعتراف بالنوبيين كمصريين‮«.‬

ووصف الدكتور علي خضر،‮ ‬أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية جامعة حلوان الأزمة بالتاريخية،‮ ‬منتقدا تخاذل الحكومة اقرار قانون دور العبادة الموحد،‮ ‬والذي كان يحدد شروط بناء دور العبادة ليبعد شبح الفتن الطائفية،‮ ‬مشددا علي أن الأزمة أعمق من موضوع بناء كنيسة ومسجد بكثير‮.‬

وأكد‮ »‬خضر‮« ‬ان الأزمة في الثقافة المصرية لدي طرفي الأمة،‮ ‬فكلاهما يتعامل من منطلق ان ديانته الأصح وأن الآخر سيدخل النار،‮ ‬علي الرغم من ان الطرفين ليسا آلهة لتحكم من يدخل الجنة والنار،‮ ‬مرجعا ما تشهده البلاد للجهل المطلق المستشري بربوع البلاد قائلا‮: »‬اللي بيحصل في البلد كلام فارغ‮«.‬

ووصف فضيلة الشيخ محمود عاشور،‮ ‬وكيل جامعة الأزهر السابق التنافس الذي يحدث بين المسلمين والمسيحيين من بناء المساجد والكنائس بغير المحمود والطيب والذي يولد الاحتقان،‮ ‬نتيجة للاحتكاك بين شخصيات ليست علي مستوي واحد من الحكمة والذكاء والفطنة،‮ ‬مما يفتح الباب لارتكاب أخطاء تجاه الآخر‮.‬

وأضاف‮: »‬لا نضمن تصرفات المصلين،‮ ‬ولا ينبغي اقامة مسجد بجوار كنيسة أنشئت في منطقة ما حتي لا يحتك الذين يتعبدون ببعضهم البعض،‮ ‬ولا نحقق الاصطدام والصراع‮«.‬

أهم الاخبار