رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

الشاعر الكبير أحمد الشهاوى : الإسلاميون كفرونى مرتين!

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 21 يوليو 2021 19:24
الشاعر الكبير أحمد الشهاوى : الإسلاميون كفرونى مرتين!الشاعر الكبير أحمد الشهاوى
حوار: صابر رمضان - تصوير- مدحت ماهر

الغرب يمول السلفيين والتنظيمات المسلحة ولا يدفع مليماً للصوفيين


ثورات الربيع العربى كشفت مخططات الدول الغربية ضد المنطقة


شعر «ابن الفارض» وصل لملايين الناس بصوت ياسين التهامى

 

الشاعر عالم «غامض» ملىء بالأسرار، مفعم بالأسى والشجن والأحلام والوجد، يخوض دروباً لا تؤدى إلى نهايات بعينها، بل هى مسالك تفضى إلى لا سماوات ولا أراضين.. تلك هى أبرز سمات الشعراء التى تتجسد فى الشاعر الكبير أحمد الشهاوى.
ولد أحمد الشهاوى فى محافظة دمياط عام 1960، حصل على بكالوريوس الصحافة من كلية آداب سوهاج جامعة أسيوط والدبلوم الخاص فى الثقافة والعلوم، له العديد من الدواوين الشعرية والإصدارات المتعددة فى أدب العشق وفلسفة الدين، ومن مؤلفاته «سماء باسمى» و«نواب الله» و«لا أرانى» و«ما أنا فيه» و«كن عاشقًا» و«كتاب الموت» و«أنا خطأ النحاة».
حاز «الشهاوى» جائزة اليونيسكو فى الآداب عام 1995 وعلى جائزة كفافيس فى الشعر 1998، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة، منها الإنجليزية والهولندية والفرنسية والإسبانية والتركية وغيرها، حينما بدأت حديثى معه متسائلاً عن سر عشقه للتصوف قال: لن أتخلص من الحس الصوفى، فشخصيتى مطبوعة به ولا أقول مصبوغة به، وقد تربيت فى سرير نار التصوف ونوره، وقد قرأنى بعض الشعراء والنقاد خطأ، فهناك آراء عن كتاباتى ليست صحيحة، فأنا أعمل فى اتجاهات عديدة فضلاً عن العمل الصحفى وأشتغل فى الشعر والتصوف وأدب العشق وفلسلفة الدين والرواية، بالإضافة إلى حبى العميق للفن التشكيلى والموسيقى.
والخلاصة أن «الشهاوى» كوكتيل فنى متميز امتدت رحلته منذ طفولته إلى بلوغه سن الشباب ليبحر فى عالم الصوفية حتى انتمى للطريقة الشاذلية، وهى إحدى الطرق الصوفية التى تعود لمؤسسها أبى الحسن الشاذلى، «الشهاوى» الذى تم تكفيره مرتين بسبب كتبه فى «أدب العشق» حتى كتب «نواب الله» ليحذر فيه من خطورة الرقابة الدينية، نشأ فى بيئة قرآنية، وسار على نهج والده الأزهرى فى الطريق إلى الله يكشف أسراراً كثيرة فى هذا الحوار:

 


< كيف بدأت تجربتك الشعرية وماذا يمثل لك الشعر؟
ـ هى تجربة، لا أريد أن أقول إنها طالت، أو هى تجربة طويلة ولكنها ممتدة ومتنوعة، فأحب بل أسعى أن يكون هناك تنوع واختلاف من كتاب لآخر، فالشاعر ما هو إلا سلسلة من التجارب، وأن أكتب هذه التجارب بعيداً عن التنظير للكتابة أو الشعر، لأننى أعول على كتابة الصامت داخلى والمسكوت عنه والمدفون والمخفى والمستتر، لأن الروح الأخرى فى باطنى هى التى أريد أن تخرج إلى الناس، لذلك فالكتابة كالحب نشاط فردى ذاتى لا يشاركك فيها أحد، والحب أنت وحدك فيه مع من تحب، وفى الشعر أنت وحدك مع الحرف، مع القصيدة، وهى مواجهة ما بين الشعر ونصه، وأظننى لم أرنى أبداً فى غير الشعر، وبقدر ما أعطيت للشعر أتصور أننى أخلصت فأعطانى الشعر، لأن الشعر أيضاً لا يحب الشراكة، فعندما تشرك معه شيئاً يهرب منك، يختفى ويضمحل ويتوارى وقد يموت، وقد رأينا تجارب عديدة فى العالم لشعراء مهمين بدأوا كباراً واستمروا كباراً ثم صمتوا مبكراً، لأنهم أخذوا من الدنيا أشياء أخرى، هذه الأشياء تقتل الوهج داخلهم عندما يغيب الوهج وعندما تصير النار رماداً «تترمد» فلا شعر فى الأفق، وبصراحة شديدة ما أنا إلا ساع فى هذا العالم الشعرى، لأن الشعر أكبر من الشراكة، والشعر على عدد أنفاس البشر وهناك جماليات فى الشعر وليس جمالاً واحداً.
< هل كان لأسرتك تأثير فى شعرك؟
ـ الأسرة هى الأساس، لأن بيتاً بلا مكتبة يعنى أن هناك جهلاً سيعمر هذا البيت، بالضبط كأن الشمس تغيب عن البيت، فللأسف المكتبة أصبحت أمراً غائباً عن الذهنية العربية بشكل عام، بالرغم من أن المكتبة هى المدخل الحقيقى لأن يخرج علماء وأطباء وفلاسفة وشعراء وكتاب، والأمر الأهم أن يكون فى البيت شخص مثل أبى، فقد سرت على نهج أبى الأزهرى فى الطريق إلى الله عبر القرآن والعبادات، حتى إخوتى وأحفاده لا يوجد منهم أحد لا يحفظ القرآن الكريم كاملاً، وربما هذه سمة تمتاز بها أسرتى. حتى صرت أبحث عن الله فى كل الذوات حولى، فى الكائنات والمخلوقات التى أحبها، وقد تعاملت مع القرآن على أنه ليس كتاب دين فقط ولكنه كتاب معرفة وأماكن ولغة وإيقاع وكتاب جامع شامل فيه ما أحب، ولهذا صارت لغتى لينة وطيعة وسلسلة، وفيها من المجازات الكثير، فلو تأملنا العناصر اللغوية فى النص القرآنى ستجد من الصور الجمالية أو الفنون الجمالية الحديثة التى نظّر لها علماء الغرب فى علوم اللغة، سنجدها موجودة فى القرآن.
< وماذا عن بداياتك مع عالم التصوف.. وما الذى تمثله الصوفية لك؟
ـ الصوفية عندى لها مكانان، قريتى «كفر المياسرة» فى الدلتا شمال مصر، وفى سوهاج، ففى القرية كان التصوف الطرقى، حيث الطريقة الشاذلية، التى كنت منتميًا لها وأخذت عهدًا، وقد كنت أجهل من هو أبو الحسن الشاذلى، لكننى أخذت عهدًا فى الطريقة الشاذلية أنا وأخى محمد الأكبر، وهو متخصص فى الكيمياء، ولأن ارتباطى بالطريق الصوفى قديم، فقد ساعد ذلك على ارتياد مناطق مجهولة من نفسى، لأستخرج مكنونها وزخمها، وكنت أشدو دوماً «أنا شاذلى إن حييت وإن أمت.. ونصيحتى للناس أن يتشذلوا» ويعرفوا أبا الحسن الشاذلى مؤسس الطريقة الشاذلية المنتشرة فى العديد من البلدان العربية والإسلامية فى تلك الفترة من عمرى ساد التعقل طريقى، بينما كنت فى فورة الشباب، وظللت أحفظ أوراد وأحزاب الطريقة وأترنم بها فى الحضرة وأرددها بمفردى، وكان لوقعها فى نفسى مذاق خاص حركنى وسما بى، بعد ذلك لسنوات دخلت الجامعة والتحقت بقسم الصحافة بكلية آداب سوهاج جامعة أسيوط فى عام 1980 وكانت مدينة أخميم إحدى مدن سوهاج تبوح لى آنذاك بالسر الذى أبحث عنه، لأتعرف على «السيد أبوضيف المدنى» وهو من المهتمين بـ«ذى النون المصرى» وخصص له كتاباً صدر عن دار الشروق، التى لم تعد طباعته مرة ثانية وبعدها قرأت كتاب الإمام عبدالحليم محمود- رحمه الله- عن «ذى النون» وكتاب «المكنون فى مناقب ذى النون» لجلال الدين السيوطى، ومن التصوف الطرقى بالقرية إلى التصوف الإشراقى، وهذه نقطة التحول الأساسية، فذو النون المصرى هو الذى فتح أمامى الطريق لـ«الإشراقيين» من المتصوفة أمثال الحلاج والجنيد وعمر بن الفارض والسهر وردى وأبوبكر الشبلى وأبومدين الغوث ومحيى الدين بن عربى وأبوزيد البسطامى وعبدالقادر الجيلانى وعبدالكريم الجيلى والنفرى وعفيف الدين التلمسانى ومن سواهم من متصوفة بلاد فارس وفى مقدمتهم «الرومى»، وللأسف دور النشر التى نشرت كتب التصوف سابقاً لا تعيد نشرها،

وهناك فترة انعدمت فيها نشر كتب التصوف، ولذلك أرى أن هناك مؤامرة ضد التصوف ولو أن هناك تصوفاً «حركة صوفية حقيقية وكتباً تصدر» لاختفى التشدد ولن يوجد تطرف.
< إذن التصوف علاج للتشدد والتعصب؟
ـ نعم.. بالطبع.. وهذا ما ذكرته فى صحيفة كندية وقلت وقتها إن الغرب يمول السلفيين ويمول التنظيمات المسلحة ولا يدفع مليماً إلى الطرق الصوفية، وإذا دفع كان ذلك لمراكز أبحاث بضعة آلاف من الدولارات، وقلت إن كندا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا، تمول هذه الجماعات المتطرفة لتظهر الإسلام بمظهر آخر، ليس هذا هو الإسلام، لكن لمصلحتهم كسياسيين أن تكون صورة الإسلام هى التشدد والتطرف والقتل وسفك الدماء، وفى النهاية فإنه ما بين الإشراق والتصوف الطرقى هذه هى حياتى التى استمرت، فالتصوف كون رحب واسع ومتعدد، وطبقات فوق بعضها البعض، فلا يمكن أن تكرر فعندما نكرر نموت حتى لو كنا أحياء.
< هل صحيح أن تم تكفيرك مرتين، حتى صدرت فتوى من مجمع البحوث الإسلامية فى عام 2003 بتكفيرك، بسبب كتاباتك فى «أدب العشق» وتحذيرك من خطورة الرقابة الدينية على الإبداع؟
ـ لا.. ليس تحذيرى، فقد أصدرت كتاب «الوصايا فى عشق النساء2003» و«الوصايا فى عشق النساء 2006»، وهناك فتويان بالتكفير، فقد تم تكفيرى مرتين، وأتساءل: ماذا يفيد الشاة سلخها بعد ذبحها، ففى المرة الثانية أصروا، وحصلت بطرقى الصحفية على الفتوى الأولى، لكن حتى يومنا هذا لم أحصل على الفتوى الثانية، فشيخ الأزهر سيد طنطاوى- رحمه الله- هدد بفصل من يسربها من العمل لكن من حقى أن أعرف أسباب تكفيرى، وفى الكتاب الثانى من «الوصايا فى عشق النساء» نشرت جزءًا من الفتوى الأولى، ولذلك شدد الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوى- رحمه الله- على منع إظهار الفتوى الثانية، ودخلت فى معركة كبيرة معه، وللأسف عدد من الذين كفرونى فى مجمع البحوث الإسلامية هم أصدقاء لى، لكن طريقتهم لم تتغير إلى يومنا هذا، وأرجو أن تتغير وهى فكرة «التكفير بالتمرير» وهذا أمر لا علاقة له لا بالدين ولا بالسياسة ولا بحرية الحوار، أن يقرأ شخص واحد الكتاب ويكتب تقريره ثم يمر على الجمع فيوقعون عليه بالموافقة، ثم يوقع عليه فى النهاية شيخ الأزهر، وقد استفدت كثيراً من «قضية تكفيرى» فقد أخطأوا فى حقى حتى أننى استفدت من القرآن الكريم ومن التصوف وكتبت ما أراه وليس فيه شطط، وقد كتبت كتاب «وصايا عشق النساء» بالمصادفة، وهذا الكتاب ظلمنى، لأنه أصبح أشهر منى فقد بيع من الطبعة الأولى 80 ألف نسخة حتى أنه صودر وتدخل الرئيس مبارك وقتها والسيدة سوزان مبارك، وتدخل وزير خارجية الدنمارك بإيعاز من وزيرة الثقافة الدنماركية وكانت المسئولة عن الثقافة فى الاتحاد الأوروبى، لكن الإخوان المسلمين هم الذين أثاروا القضية فى البرلمان، وقدموا استجواباً بزعامة محمد مرسى وعصام العريان، وتضررت كثيراً من ذلك، والمحصلة النهائية أننى استفدت كثيراً من هذه المحنة، حيث عدت إلى التصوف من جديد وإلى القرآن الكريم والأحاديث القدسية والنبوية، وإلى تاريخ الأزهر لأقرأه من جديد، وما لم أكن قد قرآت عدت إليه، وأظن أن كتابى «نواب الله» الذى نشر وطبع ووزع بشكل جيد وهو كتاب عن فلسفة الدين «ثقيل» إنما بيع واحتفى به من كبار العقول المفكرة فى هذا البلد والعالم العربى وكتابى الذى لم ينشر بعد «عدماء الدين»، وهذان الكتابان هما نتاج الإفادة التى خرجت بها من المحنة التى مررت بها، وهذان الكتابان جعلانى أعود لمئات الكتب والمصادر، وقد عدت إلى الكتب السنية المعتمدة فقط حتى لا يقال إننى عدت إلى كتب إسرائيليات أو إلى كتب الشيعة أو المذاهب الأخرى.

 


< كيف ترى الرواية فى مصر خاصة أن لديك روايتين هما «طبقات الكافر» و«حجاب الساحر».. ولماذا اتجهت إلى الرواية فى هذا التوقيت؟
ـ أولاً «طبقان الكافر» هى سيرة ذاتية للمكَفَّر وهو «أنا» ومشاهدها أو عوالمها ليست بعيدة عن الذين كُفِّروا فى التاريخ الإسلامى، أو عن الذى يحدث فى مصر وفى فترة الإخوان والذى كان سيحدث بعد ذلك، وفى السبعينيات أيضاً، لأننى عشت- عندما كنت طالبًا فى سوهاج- العنف الذى تمارسه الجماعات الإسلامية فى أسيوط وسوهاج، وكانت وقتذاك الجماعة الإسلامية مهيمنة ومسيطرة وتضرب جهارًا نهارًا أمام الجميع، فأنا شاهد عيان على ذلك، وهو أسطورى، فعندما يقرأ المتلقى نصًا هكذا يتصور أنه من خيال «أحمد الشهاوى» وهذا واقع رأيته وعشته، الأمر الثانى فى «حجاب الساحر» ففى قريتى تعلمت السحر مبكرًا على يد شيخى وهذا أمر أفادنى أيضًا، لأننى ذهبت إلى علوم السحر وهى موجودة سواء فى التاريخ المصرى القديم أو عند العرب أو عند المصريين المحدثين، و«حجاب الساحر» هى رواية نفسية فلسفية ومشاهدها عن الحياة الاجتماعية فى مصر فى الخمسين سنة الأخيرة، وقد ذهبت إلى الرواية لأننى أردت فى البداية أن أكتب سيرتى مع الأزهر والتهديدات التى أتتنى من خارج مصر من الجماعات الإسلامية ومن الإخوان المسلمين، والقصيدة تتسع لكل شىء، ولكن أردت أن أسرد وأقدم شهادتى، فلست «فارًا» من الشعر، لأن الشعر حياتى، ولكن ذهبت لأسرد، لأننى أظن أننى حكاء ولدى من التجارب خاصة أننى تجولت فى العالم إلى مائة دولة ومئات المدن حول العالم، وهناك دول سافرت إليها ربما أكثر من «50 مرة» وهذا مفيد، فهذه التجارب أكتبها باستمتاع وأريد أن أوصلها إلى المتلقى «القارئ» الذى هو شريكى فى الكتابة، ومصر بشكل عام متقدمة فى الشعر والرواية مثل البلدان الكبرى فى العالم، ولكن دائمًا اللغة التى تكتب من اليمين إلى اليسار «مسجونة» ومحاصرة، وفيها إبداع كبير ينبغى أن يصل إلى العالم لكن

ما أراه فى الجامعات- هو ليس كثيرًا- فى أوروبا توجد أقسام للغة العربية ولكن دائمًا الترجمات تتم بشكل عشوائى فيه ظلم للنص.
< إذن من الممكن أن تعتبر الترجمة خيانة للنص الأصلى؟
- الترجمة خيانة بشكل عام، لكن هى تشويه، فمثلاً هناك عمل لنجيب محفوظ اسمه «بداية ونهاية» عندما تمت ترجمته أصبح «the beginng and end» «البداية والنهاية» وهو مؤلف لابن كثير، فصار كتابًا دينيًا لم يعد كتابًا روائيًا، لأنه بداية ونهاية نكرة، فإذن هناك دراسة مطولة عن الأخطاء التى وقع فيها المترجمون، فأعمال نجيب محفوظ لا تباع كثيرًا فى الغرب بسبب أخطاء الترجمة، فالشعر العربى وهو مهم غير موجود بالشكل الكافى إلا فى الأكاديميات، الدروس بالجامعات، وهذه مقصورة على طلاب محدودين،، فهذا ظلم للنص أصلاً وللإرث الشعرى أو لإرث الرواية، فنحن مغيبون والحكومات العربية لا تهتم.
< أدنت كتّابًا عمالقة مثل «العقاد» و«يحيى حقى» و«نجيب محفوظ» بحجة عملهم فى الرقابة.. فما تفسير ذلك؟
- لو طلب من أحمد الشهاوى أن يعمل رقيبًا لرفض، لأننى فى النهاية سأكون صاحب سلطة على زملائى أو الكتب أو الشعر أو الرواية، وهذا أرفضه تمامًا، فأنا هنا سأنقسم إلى شخصين الشاعر والرقيب، فكون هؤلاء عملوا فى الرقابة فهم مدانون، فالعقاد كتب كثيرًا عن الحريات وكان ينادى دائمًا فى مقالاته وخطبه السياسية ويضطر للحذف والإلغاء والحجب، فمهنة الرقابة هى الإلغاء والإقصاء والطمس، فحين تقصى كتابًا أنت تقصى صاحبه، وقد خصصت جزءًا كبيرًا من كتاباتى ضد الرقابة خاصة الدينية لأن بقية أنواع الرقابة تحتاج إلى مبدع خلاق يخدع الرقيب بالحيل الفنية، ومن المستغرب أن تكون هناك رقابة ولدينا «الإنترنت» فما عرفناه نحن فى سن العشرينيات عرفه أبناء هذا الجيل فى المرحلة الإعدادية.
< البعض يرى أن جمهور الشعر أصبح نخبويًا مقتصرًا على فئة بعينها فما العناصر المهمة لزيادة انتشار الشعر وهل نعانى بالفعل أزمة لتسويقه؟
- نعانى أزمة بالطبع، والشعر نخبوى منذ الجاهلية حتى يومنا هذا، لأن الشعر يحتاج إلى تلق خاص لفك عناصره، الشعر مع أبى تمام، مع المتبنى مع أبى نواس، مع ابن الفارض، وبالمناسبة شعر ابن الفارض وصل إلى الملايين عبر صوت واحد اسمه «ياسين التهامى» فقد حضرت أغلب ليالى ياسين التهامى مع جمال الغيطانى وبشكل دائم كنا نحضر مولد سيدى «عمر ابن الفارض»، فالشعر يقرأ بالروح قبل العين، لكن وسائل الإعلام لا تنشر شعرًا، فإذا كان هناك فضل لإيصال الشعر للمتلقى فيعود ذلك إلي«عبدالوهاب» و«أم كلثوم»، فهل يوجد مطرب الآن يغنى بالفصحى، فالزمن اختلف والعقليات اندحرت، لكن على وسائل الإعلام أن تقدم للشعر، وكذلك قد أصدرت أربعة كتب فى مكتبة الأسرة بيعت منها مائة ألف نسخة، إذن هناك قارئ يشترى إذا كان السعر زهيدًا، لكن ارتفاع السعر يجعل هناك عزوفًا عن الإقبال على الشراء، أيضاً لابد من تدريس الشعر بأنواعه فى المدارس، والجامعات والأزهر، حيث إنه لا يتم تدريس إلا نوع واحد من الشعر.
< تيار الإسلام السياسى وضع الأدباء والمثقفين فى القوائم السوداء.. فما دلالة ذلك فى نظرك؟
- بالنسبة لتيار الإسلام السياسى، فلو ذهبنا إلى الإخوان سنجدهم لم يصنفوا سيد قطب كشاعر أو كناقد رغم أن كتبه الأدبية فى الرواية كثيرة وله أعمال شعرية صدرت له، وحاول الإخوان أن يطمسوا هذا الكتاب مع أنه نتاج أدبى، فهم أرادوا أن يعلوا من الجانب الدينى فيه فقط أو التنظير الإسلامى له، مع أن الجانب الأدبى يطغى على الجانب الدينى، لأنه بدأ به واستمر فيه سنوات طويلة منذ أن كان طالبًا فى كلية دار العلوم، فإذا هم يغيبون واحدًا منهم سواء اختلفنا أو اتفقنا مع منتجه الأدبى، لأنه كان منتجًا تقليديًا كلاسيكيًا، وكان من أهم الذين قرأوا روايات نجيب محفوظ كناقد، وعندما ذهب إليه نجيب محفوظ وجد شخصًا آخر تغير وقال قولته «إنه لم يعد سيد قطب» فإذا كان الإخوان يغيبون سيد قطب وهو من هو بالنسبة لهم فى الإسلام السياسى فسيغيبون الآخر الذى ليس منهم، ولذلك تجد أنه لم يخرج من الإخوان روائى ولا شاعر حقيقى، فهذا غير موجود فى «عقيدتهم» السياسية أو الدينية، فمسألة التغييب أو التفكير أو الإقصاء، هذا أمر عادى لديهم، فهم يقصون الأدباء والشعراء، ويعتبرون أن هؤلاء مارقون وجاحدون وكفرة وخارجون على الملة، ففكرة الإقصاء- للأسف- هى جزء من العقلية المصرية ليس فقط مع تيار الإسلام السياسى.
< البعض يرى أن استخدام الدين فى السياسة تطرف وإرهاب.. فما رأيك فى هذا الطرح؟
- الدين سياسة والسياسة هى دين، لكن المهم هو الاستخدام، فالطريقة التى يستخدمها الإخوان هى استخدام الدين للوصول إلى الحكم، والقتل والنهب والحرق وإقصاء الغير، فهل هذا من الدين، فالدين يقول بالحرية، بالعدل، ولا يمكن أن نفرغ الدين من مسألة السياسة، ولكن أى سياسة، فهم يريدون أن يعملوا كأحزاب ولا يريدون أن يكونوا مصلحين، فنحن مع الإصلاح وأن يكونوا جزءًا من نسيج هذا المجتمع بشروط المجتمع وليس بشروطهم التى يضعونها سلفًا، لأن شروطهم تنبع من أنظمة دينية استبدادية، فلو تأملنا الدول التى حكمت الدين فى السياسة، فسنجد أنها كلها دول استبدادية، مثل السودان فى عهد البشير وكم الإعدامات وكم الديكتاتورية ومثله فى باكستان، وفى دول عديدة فى أفريقيا وفى آسيا وفى البلدان العربية، فالحكم بعباءة الدين، فلن تجد حكمًا ولن تجد دينًا.
< فى رأيك.. هل ترى أن ثورات الربيع العربى حققت أهدافها فى الوطن العربى خاصة أن البعض يؤمن بأنه «ربيع عبرى» بتخطيط صهيوأمريكى؟
- هى حققت بعض أهدافها، أولاً نبهت الحكومات العربية إلى بعض الأشياء فصارت أكثر صرامة فى الحكم وتشددًا، ثانيًا منحت بعض النور- ولاشك- أن هناك مخططات ولكن أيضًا لا شك أنه كانت هناك الملايين الحقيقية الذين انتفضوا بعفوية دون إنذار من أحد ودون قيادة من أحد إلى الميادين فى البلدان العربية، بالإضافة إلى أن هذه الثورات كشفت مخططات الغرب ضد العرب.

علاقة صداقة بالشاعر الراحل محمود درويش
الكثيرون عرفوا محمود درويش، لكن هناك أعمال يجب أن نتوقف أمامها بكل اعتزاز وإجلال، لأنها تتميز بالمصداقية مثل ما قدمه صديقى الشاعر المغربى حسن نجمى فهو له حوارات مع محمود درويش ورغم أنهما لم يصدرا فى كتاب لكنهما يعتبران مصدرًا رئيسيًا لقراءة تجربة «درويش» ولكل من يريد أن يتعرف على شعره فقد كان يثق فى «نجمى» كثيرًا، وهناك أعمال مهمة مثل أعمال الشاعر اللبنانى عبده وازن وما كتبه الأكاديمى الشاعر والكاتب شربل داغر، الذى كان قريبًا من «درويش» فى فترة تواجده فى باريس، وهذه الأسماء الثلاثة قدمت الكثير لفهم تجربة «درويش» وكنت أتعامل مع «درويش» كصديق حتى أننى كنت آخر مصرى رآه وأحتفظ فى ذاكرتى بمعظم نقاشاتنا اليومية وأعود لكتابتها ليلاً.

7 مقالات ضدى لـ«فاروق شوشة»
علاقتى بفاروق شوشة كانت جيدة ومستمرة، نعم نحن مختلفان فى الشعر والتوجه والثقافة والتكوين الثقافى لكن كانت تجمعنا المودة وسافرنا معًا إلى بلدان كثيرة، ولم أظهر معه فى برنامجه أمسية ثقافية، وهذا أمر عادى بالرغم من أنه دعانى إلى هذا البرنامج، فهذا اعتراف منه بشاعريتى، ومن المفترض أن أى شاعر لا ينتظر اعترافًا من أحد، الاعتراف هو كتابتك، فقصيدتك خير مدافع عنك، ولا أدرى فقد فوجئت بفاروق شوشة يكتب «7» مقالات ضدى فى «الأهرام» دون اسم ونشرها أيضًا فى أحد كتبه، وشاءت الصدف أن نكون معًا فى عام 2013 فى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، وكلانا صدرت أعماله عن الدراما المصرية اللبنانية، وكان «شوشة» ينفى عنى أننى شاعر ومع ذلك كنت أنافسه فى الجائزة وقد وجه سبابًا للدكتور محمد عبدالمطلب الناقد الكبير لأنه كتب عنى كثيرًا، وفى الحقيقة أنا أطلق على نفسى لقب «المشتوم بالله» على نمط الدولة العباسية لأننى أكثر من «شتم» فى هذا البلد، لكن لم أعد أهتم، فلى نص مكتوب ويحقق الشروط الجمالية التى يبحث عنها أى متلقٍ قديمًا كان أم حديثًا، وعندما مات «شوشة» كنت أول من رثاه ونعاه وأول من كتب تفاصيل كاملة عنه كإنسان، فقد تصالحنا معًا قبل وفاته.
 

أهم الاخبار