رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد فى حوار لـ«الوفد»: أعيش بالنسيان

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 09 يونيو 2021 21:01
الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد فى حوار لـ«الوفد»: أعيش بالنسيانالكاتب إبراهيم عبدالمجيد

حوار: صابر رمضان - تصوير: أحمد حمدى

ثورات الربيع العربى نجحت فى تغيير روح الكتابة عند الشباب

 

العالم يعتقد أن العرب كلهم إرهابيون

 

قصور الثقافة تحولت إلى مبانٍ تنعى من بناها

 

الجوائز الأدبية مثل الزواج «قسمة ونصيب»

 

طالبت بإلغاء وزارة الثقافة.. وترك المجال للمؤسسات الأهلية

 

المرأة عندنا «مكسورة الخاطر».. رغم أنها أيقونة الحياة

 

الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد أحد أكبر مبدعى الرواية المصرية، ولد فى حى كرموز بالإسكندرية فى الثانى من ديسمبر 1946، حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة من جامعة الإسكندرية، وبدأ عمله الوظيفى إخصائيًا ثقافيًا بالثقافة الجماهيرية بين عامى (1976-1982)، ثم عمل فى إدارة المسرح بالثقافة الجماهيرية من (1982-1985)، وتدرج فى المناصب ليتولى إدارة النشر بالهيئة العامة للكتاب حتى عام (1990)، ثم مدير إدارة الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية حتى عام 1999 فرئيس سلسلة «كتابات جديدة» بالهيئة العامة للكتاب من (1999-2000).

حصل على جائزة نجيب محفوظ عن روايته «البلدة الأخرى» 1996 من الجامعة الأمريكية وجائزة أحسن رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية» من معرض القاهرة للكتاب 1996 وجائزة الدولة للتفوق عام 2006، وجائزة الدولة التقديرية 2009.

قدم له التليفزيون المصرى مسلسل «لا أحد ينام فى الإسكندرية» وهى الرواية التى اختيرت فى إحدى قوائم أهم 100 رواية فى القرن العشرين، وحصل على جائزة «ساويرس» لكبار الكتاب عام 2011 عن روايته «فى كل أسبوع يوم جمعة»، وحصل على جائزة الشيخ زايد فى الرواية العربية عن رواية «إداجيو»، وله أكثر من أربعة وعشرين كتابًا ما بين الرواية والمجموعة القصصية، وترجمت أعماله للغات عديدة منها الإنجليزية والفرنسية.

فى هذا الحوار يحكى الروائى الكبير لـ«الوفد» مشواره وتفاصيل أخرى عن عطائه الإبداعى الفنى الممتد لأكثر من 40 عامًا:

 

 

< بداية ما رؤيتك للواقع الثقافى المصرى الراهن والمستقبلى، وكيف ترى دور وزارة الثقافة فى مواجهة التحديات الحالية، وهل لابد للثقافة أن تكون لها وزارة؟

- ليس من الضرورى أن تكون للثقافة وزارة، ومنذ زمن بعيد ناديت بحل وزارة الثقافة وإنهائها وترك المجال للمجتمع الأهلى «المدنى» ولدور النشر والمسارح الخاصة وللإنتاج السينمائى الخاص، لأن وزارة الثقافة فكرة نشأت فى مصر آخر الخمسينيات مع التوجه الاشتراكى لجمال عبدالناصر، وهى موجودة فى الاتحاد السوفيتى والصين والدول الاشتراكية أو الشيوعية إلخ، وعندما نرى حال الثقافة فى مصر قبل وزارة الثقافة من أول عصر الخديو إسماعيل حتى 1952، نجد صحفًا عظيمة جدًا أصحابها إما باشوات أو أصحاب مال أو كتاب، فالسينما بدأت بالمجتمع الأهلى والاستديوهات أسسها طلعت حرب وغيره، حتى المجلات نفسها مثل «الرسالة» كان مجلات خاصة، ودور الطبع والنشر كانت خاصة، فالحياة الثقافية كانت لا ينقصها شىء بل تزيد حضورًا، وعندما دخلت الثقافة فى مركزية الدولة وحدث التأميم تحسن الأمر وقتها لأن الذين كانوا مع «عبدالناصر» كان معظمهم من خريجى المدارس أيام الفترة الملكية، وليبراليين أكثر من كونهم اشتراكيين، مثل ثروت عكاشة الذى كان ضابطًا بالجيش، وعمل الأوبرا وأكاديمية الفنون، وسعدالدين وهبة كان ضابط بوليس وقدم مسرحًا عظيمًا جدًا، وعزالدين ذوالفقار كان ضابط جيش قدم إخراجًا سينمائيًا عظيمًا جدًا، وبجانب الدولة هناك من يعمل بها ويدرك قيمة الثقافة لدرجة أنه من التناقضات الغريبة فى الستينيات والسبعينيات ظهور المسرح العبثى الأوروبى «اليونسكو وغيره» وكانت مسرحياتهم تعرض فى المسرح المصرى وهى ممنوعة فى الاتحاد السوفيتى لأنها مسرحيات عبثية، والتى ترى أن هذا العالم ليس له معنى، فقد كان هناك أفق واسع جدًا برغم أى شىء وكان شعار هيئة الكتاب هو «كتاب كل ست ساعات» وظلت هى ودار المعارف وغيرها على الرغم من أنه حدث لها تأميم تقدم إنتاجًا عظيمًا جدًا وكان من يقومون على هذه الهيئات يدركون معنى الثقافة حتى قدموا معرض الكتاب عام 69 درة المعارض الثقافية فى مصر.

< وماذا عن الوضع الراهن؟

- الأمر تغير الآن، فالثقافة الجماهيرية- على سبيل المثال- التى بدأت مع مركزية الدولة أنشأت فى مصر أكثر من 200 قصر ثقافى وأكثر من 500 بيت، كانت تعمل بكثافة فى البداية، لكن الآن لا تعمل إلا القصور المركزية ولا تقدم أعمالًا إلا بموافقات بعضها أمنى على أى نشاط أو ندوة، فتمت تصفيتها من الداخل وأصبحت مبانى فى معظمها تنعى من بناها فى كثير من الأحيان.

ثانيًا: إن ميزانية النشر أصبحت قليلة فمكتبة الأسرة- على سبيل المثال- أسهمت كل الوزارات فيها فى زمن «مبارك»، أما بعد ذلك فلا يوجد من يسهم فيها، فبالرغم أنها تطبع الآن كتبًا جميلة لكن النسخ قليلة بالمقارنة بما سبق، فنحن نحتاج أن يتولى المجتمع الأهلى شأن الثقافة، ويقوم المجلس الأعلى للثقافة بدور الوزارة ويهتم بجوائز الدولة التقديرية والنيل، وتتبقى فقط ثلاثة أو أربعة أماكن تابعة للدولة مثل دار الكتب والأوبرا والمجلس الأعلى للثقافة تابعة للدولة.

 

 

< إذن أنت تؤكد فكرة إلغاء وزارة الثقافة؟

- ناديت بذلك منذ زمن بعيد، فالمجتمع أصبح الآن مجتمعًا مفتوحًا، وليس مجتمعًا مركزيًا وخصوصًا أننى لا أرى خيالًا، ولكن أرى عملًا روتينيًا، فهناك حفلات مسرحية أو موسيقية وهو إجراء روتينى عادى، فعلى سبيل المثال هناك دول كثيرة فى العالم العربى ومنها السعودية قامت بعمل مشاريع ترجمة لكتابها تحت اسم «مشروع ترجمة 100 كتاب» والترجمة للغات الأخرى، إلا أننا ليس لدينا مثل هذا المشروع، والجوائز فى الخارج تترتب عليها ترجمات لبعض الكتب، لكن الجوائز عندنا تتمثل فى مبالغ مالية تقدم وفقط، فإذا كانت وزارة الثقافة تريد أن تعيش العصر فعليها أن ترصد على الأقل مبلغ 5 ملايين جنيه سنويًا أى حوالى 300 ألف دولار أو 250 ألف دولار لترجمات الأدب العربى إلى اللغات الأجنبية، وتتفق مع دور النشر أن تدفع حق المترجم، أما المؤلف فسيأخذ نصيبه من عائد المبيعات، فالمترجم لن يأخذ أكثر من 10 أو 15 ألف دولار على حسب حجم الرواية أو ديوان الشعر، فتستمر ترجمة من 10 إلى 15 كتابًا فى السنة الواحدة للغات مختلفة، وبعد ذلك تزيد الترجمات المصرية فى العالم، ومن ثم فسيلجأون للمصريين من غير وزارة الثقافة ويأخذونها، وهذا مشروع غائب، وهناك أفكار كثيرة من الممكن أن تنفذ على أرض الواقع، فالعالم يرى أن العرب كلهم إرهابيون فعندما يغزو إنتاجنا الأدبى العالم سيغير هذه الرؤية السلبية عن العرب، فحينما زار بعض الأجانب مصر بعد أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وكانوا كثيرين جدًا تغير فكرهم عن مصر، فمن الممكن أن تفتح هذه الترجمات عيون العالم إلى حقيقة المصريين والحياة المصرية بعيدًا عن الحديث عن الإرهاب والسجون والمعتقلات المنتشرة فى العالم نتيجة غياب الروح الأدبية عن العالم.

< كيف قرأت تأثير ثورات الربيع العربى على السرد الروائى وهل من الممكن أن يمتد تأثير هذه الثورات على الرواية مستقبلًا؟

- الأدب نسبى وليس هناك مطلق فيه، وقد قلت فى بداية الثورة إن الكتابة عن الأحداث الكبرى تكون بعدما تغيب لفترة وتصبح كالحلم، لذلك كتبت بعد خمس سنوات تقريبًا، رواية «قصة العالم الفائت» ورواية «قبل أن أنسى أنى كنت هنا» وهناك من كتبوا مبكرًا مثل عمّار على حسن بعد عام من الثورة وغيره، لكن حتى الآن الإنتاج عن الثورة ليس كثيرًا لأن الثورة أحبطت فحدثت حالة من الإحباط، حتى أن الكتب عن الثورة لا تباع بشكل جيد، فهناك حالة ملل فالثورة لم تحكم، وهذا عيب كبير فيها «فالثورة من غير حكم ملطشة»، فالإنتاج موجود لكن ليس كثيرًا، أما الحدث نفسه فسيغير فى طرق الكتابة، لأنه حدث كبير مهما كانت هناك محاولات لإخفائه أو التعتيم عليه أو غيره لكنه ترك روحًا فى الشباب ستغير من أساليب الكثير من الشعراء بالذات مثل مصطفى إبراهيم وغيرت من طريقة كتابتهم وسيكون هناك

جيل ما بعد يناير، وسيأتى يوم يؤسس النقاد لهذا الجيل، لأنه موجود لكن لا ينشر كثيرًا.

< كيف بدأت موهبة الحكى لديك خاصة أن أعمالك ورواياتك تظهر بها هذه الموهبة بشكل كبير؟

- جاءت بالمصادفة عندما التحقت بالمدرسة الابتدائية سبتمبر 1952 بعد ثورة يوليو وقبل ذلك فى الروضة «الحضانة» الآن بمدرسة القبارى الابتدائية، وكان نظام التعليم فيها مازال على نظام الطريقة الملكية، نعم غيروا المناهج لكن الحياة داخل المدرسة كانت مازالت ملكية تمثل ذلك بوجود عدة ملاعب وقسم للفلاحة أو الزراعة وقسم للأشغال «الفنون التشكيلية والنحت»، فالمدرسة كانت تقريبًا مركزًا ثقافيًا وليس مكانًا للتعليم فقط، وليس هناك امتحان بها وكان كل منا يحكى ما قرأ وكانت مفيدة لنا كثيرًا، وفى الإعدادية ظل نفس النظام فالمدرسة تنظم لنا رحلات واعتدنا الذهاب إلى السينما أسبوعيًا ولهذا أحببتها، فالمدارس كانت تعيش على النظام الملكى، إلا أن ذلك قد تم تدميره كله بدءًا من منتصف الستينيات، وعندما كنت فى مكتبة المدرسة الإعدادية وقعت يدى على رواية اسمها «الصياد التائه» لمحمد سعيد العريان، وكنت فى الصف الثانى الإعدادى، فبكيت حتى سألنى أمين المكتبة عن سبب بكائى، فقلت له لم يجدوا الصياد، فقال لى هذه قصة تأليف وليست حقيقية، والمؤلف هو الذى قام بكتابتها من وحى خياله، ومن هنا أحببت التأليف حتى أننى فى الصف الثالث الإعدادى ألفت روايات عديدة لكن لم تنشر وكانت هذه هى البدايات.

< كيف ترى العلاقة بين السينما والأدب خاصة بعد تحويل العديد من النصوص الأدبية إلى أعمال سينمائية ودرامية؟

- لا توجد علاقة بين السينما والأدب الآن، فلدينا فيلم واحد فى السنة يعتمد على رواية بينما السينما فى العالم كله قامت على الرواية، وفى مصر أيضاً، فازدهار السينما قائم على الرواية منذ نشأت وأول فيلم روائى طويل ناطق فى مصر كان «زينب» للدكتور محمد حسين هيكل، وفى الأربعينيات كانت هناك أفلام روائية كثيرة وغيرها، لكن الرواية كانت تأخذ مساحة كبيرة أيضاً فى الخمسينيات، هناك أعمال لإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى ومحمد عبدالحليم عبدالله، وفى الستينيات توفيق الحكيم وبعد ذلك كل روايات نجيب محفوظ قدمت للسينما، وعندما نرى الكتاب منذ الستينيات حتى اليوم ستجد أن كل واحد قدم له فيلم أو فيلمان على الأكثر، لأن السينما ابتعدت عن الرواية لأن الإنتاج قل، وأصبح التأليف يتم عن طريق ورش للكتاب، وهو يخضع فى أغلبه إلى رؤية نجم الفيلم أو منتجه إلا نادرًا، أى تحكمه السوق قبل أى شىء، فلا يوجد سيناريو قائم على الرواية، ولكن هناك طرق جيدة أخرى، فالسينما فى فرنسا كانت توجد كراسات فرنسية قدمت موجة جديدة فى السينما وكان المخرج هو المؤلف، لكن لم يمنع ذلك أن يتم تقديم روايات أيضاً، حتى انتشرت هذه الفكرة أو يكاد، فتظل الرواية منجم السينما ويتم فتح هذا المنجم عندما يكون هناك إنتاج، فالإنتاج فى مصر أصبح مضروبًا لأسباب كثيرة.

* إذن فى تقديرك كيف يمكن أن تلعب السينما دورًا فى تثقيف المجتمع؟

- لى رأى هنا، فالناس يعتقدون أن الأدب رسالة، لكننى لست مع هذه المقولة فالأدب حالة شعورية جميلة جدا عند الشخص تريحه ليس أكثر، فهناك حالة روحية فى الأدب تشعرك بالسعادة، وتجعلك إنسانًا نقيًا سويًا، فالفن يصنع إنسانًا سويًا ولا يغير فيه فى وقته لكن مع الزمن يغير فيه كثيرًا، ويجعله يحب السينما مثلًا، ثم الأشياء الجميلة الأخرى ويترك كل ما هو سيئ فى الحياة لأنه أصبح إنسانًا سويًا، فهناك روايات جبارة جدًا عن القتلة واللصوص، بحيث يحب أى إنسان القاتل، ويتعاطف معه، وهناك روايات بها أشخاص ملحدون، لكن لن تصبح ملحدًا لأنها شخصية فنية وليست حقيقية لكنك تشعر بسعادة القراءة والمتعة، وهذا رأيى فى الفن، أما مقولة «الفن رسالة»، فهذا كله كلام للتليفزيون لأن الرسالة تختلف.

< ما قيم المكان عند الروائى وهل يعد ركنًا أساسيًا فى الإبداع؟

- المكان هو أساس الكتابة أصلًا، فالمكان هو صانع الشخصيات، لأن كل الأحداث تقع فى مكان، وفى زمان، لكن مر بمراحل، ففى الروايات الكلاسيكية فى الماضى والواقعية كان وصف المكان يأخذ مساحة كبيرة جدًا منفصلة عن الشخصيات، وهناك روايات أخرى وهى الرومانتيكية جعلت المكان من الشخصيات، وهناك مدرسة ثالثة وهى الواقعية الجديدة ظهرت فى الستينيات بفرنسا نتيجة فلسفات خلفية وراءها، وهى أن الأشياء هى التى تبقى فى الحياة، فالإنسان زائل، وهى تركز على الأشياء ووصفها منفصلة وقائمة فى ذاتها ولها وجودها وهو مذهب ثالث، وعندما كتبت كان نتيجة دراسة الفلسفة من جانب والجانب الثانى نتيجة خبراتى فى الحياة، فقد رأيت الناس يأخذون روح المكان ويؤثر فيهم، فالمكان يؤثر على الناس، فأصبحت أرسم المكان وتأثيره على الناس، وأكون حريصًا عل ذلك، ففى رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية» المكان يؤثر جدًا على الناس، وهناك روايات يغلب عليها الزمان ويكون الأساس فيها.

< هل تتوحد مع الشخصيات رواياتك التى تكتبها أحياناً، وهل هذا له تأثير على حياتك؟

- نعم.. له تأثير أثناء الكتابة، فأنا أكتب الرواية عندما تطلب هى فلا أقرر أن أكتب رواية فأنا أعيش بالنسيان تأتى لى أفكار كثيرة أنساها أو أتعمد نسيانها، وتبقى فى اللاشعور، ولا أكتب رواية إلا إذا طلبت الرواية منى كتابتها وعندما أبدأ كتابة الرواية أشعر أن العالم كله ليس موجودًا وأن العالم الحقيقى هو ما أكتبه، وأن الوطن هو الذى أكتبه، وغير ذلك خيال بالنسبة لى، حتى إذا ذهبت للمقهى أكون «سرحان» وإذا جلست مع أحد أكون شاردًا، فعندما أكتب شخصيات مع الصدق الفنى تؤثر فى جدًا، لدرجة أنه إذا حدث لبعضها شىء أو مات أو قال جملة مؤلمة أتألم كثيرًا، ومن الممكن أن أبكى أحياناً، فكل شخصية أكتبها تحفر طريقها وتجعلنى أسير فيها ومنصاعًا لها، لدرجة أننى عندما أنتهى من كتابة الرواية أظل أبحث عن أبطالها فى الشوارع فلا أجدهم لأكتشف أنها من تأليفى.

< وهل تستمد بعض الشخصيات من الواقع؟

- تقريبًا معظمها من الحقيقة، لكن ليست كل أحداث الرواية تكون حقيقية، فالشخصيات تكون هى الأصل فى الحقيقة لكن الرواية تصنع الخيال، لأن هناك فرقًا بين أن تنقل الشىء كما هو والرواية، فالرواية خيال، وحتى من سيرتى وعلاقتى بالناس أخرج بروايات لكن السيرة تتغير، فعلى سبيل المثال فى الحياة من الممكن أن تعيش قصة حب وتفشل ويكون السبب هو الحبيبة، فتكون ناقمًا عليها جدًا فى الحياة لكن عند كتابة رواية تغفر لها، فالأدب لا يجب الانتقام، ولكن يحب الغفران، فليست كل أحداث الرواية وقعت بالفعل لكن 90٪ منها خيال، لكن أصلها موجود فى

الحياة.

< لك رواية بعنوان «السايكلوب» ماذا تقصد بهذا المسمى، وماذا عن أبرز شخصيات الرواية؟

- «السايكلوب» هو وحش أسطورى خرافى يونانى شهير جدًا، ذو عين واحدة يأكل البشر، وأول ما ظهر فى الكتابة ظهر فى ملحمة «الأوديسة»، خدعة «يوليسيس» وفقأ عينه الوحيدة وهرب من الجزيرة إلى السفينة مع بحارته وفق الأساطير اليونانية التى أنا واحد من المغمرين بها، وعامة أحب الأساطير ولا شىء غيرها فى رواياتى دائمًا، ولا أبحث عن معنى بل يسعدنى تعدد المعانى والتفاسير وهذا هو الأدب، أما شخصيات الرواية فهى 4 شخصيات فقط، الشخصية الرئيسية هى الراوى سعيد صابر وذكر فى رواية سابقة، وتقابله «سعدية» كشخصية رئيسية من الحياة الحقيقية حوله إلى جانب سامح عبدالخالق الذى هو أنا وهو يتصور أنه من يتحكم فى أفكار ورغبات سعيد صابر من بعيد، وصار شخصية ثانوية لأن سعيد صابر يمارس حياته دون اهتمام بذلك ويتقدم فيها، ويصنع عالمه الفنى كما يتصور.

< بعد انتشار فيروس «كورونا» ما رأيك فى تأثير هذه الأوبئة على عالم وأشكال الكتابة، خاصة أنك ذكرت من قبل أنك استشرفت هذه الوقائع فى رواية «السايكلوب»؟

- نعم.. توقعت فى إحدى رواياتى أن هناك أزمة بشرية ستحدث ولكن لم أقل «كورونا» بالتحديد، فالوباء ليس ضروريًا أن يكون فيروسًا، الوباء هو ما يحل بالعالم من تغيرات تقتل ساكنيه فى حروب لا معنى لها أو سجون أو معتقلات أو فوضى عشوائية فى السلوك والبنيان، لذلك تجد فى كثير من رواياتى رؤى أحزن لتحققها هى فى الأصل خوف مما يأتى، يعتبرها الكتاب نبوءات ويفرحون وأنا لن أحكى عما قلته فى أكثر من رواية حتى قبل «العابرة» و«السايكلوب» ودائمًا أقول إنه ابن الإحساس بالغموض القادم أو المحيط بالأبطال، هذه نقطة، الثانية أرى الكثيرين يتحدثون عن كتابات يكتبونها عن «كورونا» غير أننا لم نر موت الناس فى الشوارع بسبب الكوليرا أو الطاعون كما كان فى الماضى، ولم نر فى المستشفيات إلا المرضى، والحياة العامة لا تزال كما هى فالكتابة لا تكون بهذه السرعة ولم تصبح «كورونا» ظاهرة تميت الناس فى الشوارع، فالأوبئة فى مصر فى الماضى قتلت حوالى 10 ملايين فى العصور الوسطى بسبب الطاعون المتكرر، فلا نستطيع أن نكتب عن «كورونا» فى وقتنا الراهن، لكن من الممكن للمؤلف أن يكتب إذا رأى تجربة تخصه، فليس كل كاتب سيرى هذه التجربة وأتمنى ألا يراها أحد، والحمد لله أنها لم تصل فى بلادنا، إلى حد الوباء الذى يموت فيه الناس فى الطرقات مثل الكوليرا، فالمسألة نسبية لكن هناك شىء نتفق فيه جميعًا وهو العزلة، التى أجبرت الكثيرين على المكوث فى المنازل ودفعت الغالبية إلى الكتابة من وحى العزلة ليس عن «كورونا» فقط، مما يمكن للكاتب أن ينتج رواية أو اثنتين ويكون هذا هو التأثير الإيجابى لـ«كورونا»، فقد كتبت فى هذه السنة «ثلاثية» بسبب العزلة.

< الإسكندرية فى حياة الكاتب إبراهيم عبدالمجيد ماذا تمثل لك خاصة أنها استحوذت على معظم أعمالك؟

- طبيعى جدًا، فالمثل يقول: إن العلم فى الصغر كالنقش على الحجر والعلم فى الكبر كالنقش على الماء»، وقد عشت فى مدينة أتذكر العالم حولى قديمه وجديده فى كل خطوة فيها، فقد ولدت بها وعشت حتى كانت سنى 26 عامًا تقريبًا ثم جئت إلى القاهرة ولكننى عشت فى القاهرة كالغريب حتى بدأت أكتب عن القاهرة منذ عام 2007، «عتبات البهجة»، وبعد ذلك «هنا القاهرة»، لكن القاهرة الآن تختلف عن التى عشتها فى السبعينيات، بالإضافة إلى أن الإسكندرية بها ميزة أنها مدينة العالم لسبعة قرون من القرن الثالث قبل الميلاد، حتى الرابع بعد الميلاد، مدينة الدنيا كلها فى العصر الحديث منذ محمد على حتى عام 1952، مدينة تعطى أبناءها ثقة عظيمة فى النفس، هى أقدم من القاهرة بألف سنة وأكثر لكنها تعطيك إحساسًا بالحرية لا تعطيه لك القاهرة مثلًا، فكان بها عصر كامل اسمه عصر «الهللينى» أو العصر الشرقى الذى امتزجت فيه الحضارة الغربية بالشرقية اليونانية مع المصرية ويسمونه العصر السكندرى وكانت عاصمة العالم وبها مكتبة الإسكندرية وكل الفلاسفة والأدباء يخرجون من الإسكندرية ووجودها كمدينة عالم أعطى الناس نوعًا من الوضوح، فالإسكندرية الأصلاء لديهم وضوح وصراحة، فالإسكندرية تاريخ وتعطى إحساسًا بالحرية، وقد استخدمت هذه الحرية فى الكتابة عن القاهرة لأننى إسكندرانى الأصل، وسيظل تأثير الإسكندرية معى دائمًا.

< ماذا عن قيمة المرأة فى حياتك وما مدى تأثير الحب والفقد لديك؟

- المرأة شىء عظيم فى حياتى، لأننى ولدت فى كرموز وهو حى شعبى، فانتصارى للمرأة نتيجة حياتى وقراءاتى ومشاهداتى رأيت فى الأحياء الفقيرة التى عشت بها طفولتى فى الإسكندرية أى ظلم يقع على المرأة وكنت أرى وأنا طفل أن البنات مكسورة الخاطر، فقراءاتى عن المرأة جعلتنى أؤمن أنها الأرض التى نعيش عليها ومشاهداتى لأفلام الحب أثرت فىّ جدًا خاصة فيلم مثل «صانعة الدانتيللا» وهو لممثلة فرنسية اسمها «ايزابيل اوبيير» وفيلم «روعة على العشب»، لـ«ناتالى وود» وفيلم «قصة حب» وغيرها من الأفلام العظيمة مثل «ذهب مع الريح» ومئات الأفلام التى كونت رؤيتى للحياة وطبعًا أفلام عربية ورومانسية مثل «بين الأطلال» و«إنى راحلة» و«غصن الزيتون» و«أنا حرة» وأفلام نجيب محفوظ مثل «خان الخليلى» و«زقاق المدق» وطبعًا ودائمًا فى رواياتى المرأة أيقونة أو هدف جميل ونبيل.

< تنتمى لجيل السبعينيات ما سمات هذا الجيل، وما الفارق بينه وبين الجيل الحالى، وهل لديك اهتمام بظاهرة «المجايلة»؟

- لست مع «المجايلات» فالنقاد هم الذين صنعوا هذه الظاهرة والجيل ابن ظاهرة اجتماعية كبيرة وليس كل عشر سنوات كما يقال فى مصر، ربما قيل هذا لتسهيل الدراسات النقدية فمسألة جيل كل عشر سنوات هذه ليست مقنعة لى، فالستينيات كانت مرحلة فارقة لأنها جاءت بعد هزيمة يونية 1967، كما كانت ثورة 1919 علامة فارقة ومن قبلها الاحتلال الإنجليزى لمصر عام 1882 مثلًا، لكن كتاب الستينيات أقاموا سورًا حولهم لا يدخله غيرهم وليس كلهم بالمناسبة عمريًا لم يكن الفارق الزمنى بيننا وبينهم كبيرًا وعمليًا نحن جميعًا أبناء الهزيمة بشكل أو بآخر، وفنيًا نحن جميعًا غامرنا بالتجديد فى الشكل الأدبى، واعتبرنا الإنجاز الأكبر فى الكتابة، الشىء الثانى أن الأدب فى مصر موجود ويختلف عن الماضى، فالموضوعات واحدة لكن طريقة الكتابة مختلفة، فالفرق بين الأجيال هو طريقة الكتابة، فطريقة الكتابة اليوم عند الشباب اختلفت بسبب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعى، فالفرق الوحيد الذى حدث أنه أصبح هناك عدد كبير من الأدباء، وهذا ليس عيبًا، فهو طبيعى مع زيادة السكان، لكن النقد لن يستطيع أن يتابع ذلك، فالأدب موجود فى مصر والرواية والشعر، وهناك اتساع شديد لكن نحتاج إلى المتابعة النقدية.

< كيف ترى مستقبل الرواية العربية وسط الأجناس الأدبية الأخرى؟

- ستبقى الرواية موجودة فى العالم ولن تنتهى، لأن الحكى مطلوب خاصة أننا نعيش فى عالم صعب جدًا كله آلام، فالمنظر العام للعالم العربى اليوم أحد أسباب انفجار الرواية لأنه لا يوجد استقرار، فهناك دول كاملة ضاعت، دول ذات حضارة مثل العراق وسوريا واليمن، ودول يحاولون إضاعتها ولكنها عصية على الضياع، وهجرات وسفر، فالكتابة موجودة والشعر موجود، بالإضافة إلى أن الحكى موجود مع هذا الخراب ويزيد، فستبقى الرواية وحتى بعد أن تتحسن الأمور فى البلاد لأن الرواية عن المظلوم وغير الموجود وعندما يتحقق العدل فى الأرض فلن تكون هناك رواية فالعدل عمره ما تحقق فى الأرض.

< ماذا تمثل لك الجوائز وهل ترى أن قيمة العمل الأدبى تكون كبيرة بمدى حصوله على كم كبير من الجوائز؟

- بصراحة الجوائز بالنسبة لى فى هذا العمر تعنى بعض الأموال التى يتم توزيعها على الأولاد، بالإضافة إلى أنها تعمل رواجًا للكتاب، لكن تأثيرها يكون أفضل على الشاب الصغير عندما يحصل على مبلغ كبير فى بداية حياته، فعلى سبيل المثال فرحت بأول جائرة وكان عمرى 23 سنة، كانت الجائزة الأولى على مستوى الجمهورية فى القصة القصيرة، فى نادى القصة بالإسكندرية وتم نشرها فى «أخبار اليوم» على صفحة كاملة ومعها مقدمة لمحمود تيمور أربعة سطور بعنوان «هذا قصاص موهوب»، ويومها اشتريت صحفًا بكل ما كان معى من نقود لتوزيعها على الناس، فكانت فرحة كبيرة لنشر صفحة كاملة وكانت قيمة الجائزة 3 جنيهات، لكنها أفضل 3 جنيهات، بالإضافة إلى كأس حديد أبيض، ودائمًا أقول إن الجوائز مثل الجواز قسمة ونصيب.

< متى يعرف البكاء طريقه إلى قلبك؟

- عندما أرى ظلمًا أو أحدًا متعبًا أو عندما أنفرد بنفسى بالليل وأستمع إلى موسيقى كلاسيك، فالبكاء يأتى فى لحظات بعينها ويرتبط عندى بواقعة معينة.

< ما نصيحتك للجيل الجديد من الكتاب حتى تتميز أعمالهم الروائية أو القصصية؟

- النصيحة لا تصلح فى الأدب والفن إلا الإخلاص لما تكتب والاستغناء به عن كل مكاسب الدنيا، وبالطبع القراءة فى العلوم والفلسفة والتاريخ والسياسة وعلم النفس والنقد الأدبى وتاريخ الأدب ليعرف الكاتب أن يقف وكيف وهناك نصيحة واحدة عابرة الأزمان أنه لابد لمن يكتب فى جنس أدبى من قراءة تاريخ هذا الجنس الأدبى، فهناك من يكتبون الرواية الآن دون أن يقرأوا تاريخها وكيفية كتابتها وأنواع الرواية والفرق بين المزايا الأدبية وبعضها البعض، حتى أصبح كل من يمشى فى الطريق يكتب رواية، لكن من يريد التميز فلابد من القراءة فى الجنس الأدبى ليضع قدمه حيث انتهى الناس، فالرواية ليست مجرد حكاية ولكنها بناء فنى.

< أخيرًا.. ما مشروعك الأدبى الحالى؟

- انتهيت من رواية ثلاثة أجزاء وأراجعها حاليًا وهى تدور عن غير المتوافقين مع المجتمع بشكل أو بآخر.

أهم الاخبار