رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

الدكتور أحمد الجزار عميد آداب المنيا الأسبق فى حوار لـ"الوفد":

"التصوف".. علاج ضد "التعصب"

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 03 مارس 2021 20:53
التصوف.. علاج ضد التعصب

حوار: صابر رمضان

«التكفير» آفة خطيرة.. والتشدد الدينى يقترن بالجهل

تحديث مناهج التعليم يحمى عقول أبنائنا من الغزو الثقافى

اتهام التراث بأنه سبب تخلفنا وضعفنا.. افتراء كاذب

يجب الجمع بين الأصالة والمعاصرة لتكوين هوية عربية إسلامية

الفلسفة تسهم فى علاج مشكلات الإلحاد والاغتراب والجمود الفكرى

الطرق الصوفية تستطيع تغيير الظواهر السلبية بين الناس ووأد الخلافات

وباء «كورونا» يدفع الحضارة المادية لاستعادة البعد الروحى

الدكتور أحمد محمود إسماعيل الجزار، أستاذ الفلسفة الإسلامية وعميد كلية الآداب الأسبق بجامعة المنيا، أحد القامات الفكرية التى ساهمت فى إثراء الفكر الفلسفى والإنسانى، من خلال نتاجه العلمى الغزير. عكست كتاباته اهتماما كبيرا بقضية التصوف الإسلامى، وشغلت حيزا كبيرا من مسيرته العلمية والفكرية. قدم دراسات مهمة فى هذا المضمار، لتكون النواة الأولى التى يستمد منها أساتذة الفلسفة أصول هذا المنهج، ولد الدكتور «الجزار» عام 1948 واستكمل دراساته بكلية الآداب ليصبح معيدا بها، وحصل على درجة الماجستير عن أطروحته العلمية بعنوان «منهج الكشف عند صوفية الإسلام» ثم نال الدكتوراه عن رسالة بعنوان: «الفناء والحب الإلهى عند محيى الدين ابن عربى».

نال عميد كلية الأداب الأسبق العديد من عضويات اللجان فهو عضو لجنة قطاع الآداب والعلوم الإنسانية وعضو اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين وعضو لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة 2015 وعضو لجنة فحص الإنتاج العلمى لوظائف المدرسين بجامعة أسيوط. كما حصل على العديد من الجوائز ومنها الجائزة التشجيعية فى العلوم الإنسانية عام 2002 وجائزة الأستاذ المثالى بجامعة المنيا 2004، كما قدم العديد من المؤلفات فى الدراسات الفلسفية والإسلامية التى أثرت المكتبة الثقافية والإسلامية ومن أهمها «الله والإنسان عند الأمير عبدالقادر الجزائرى» و«دراسات فى التصوف الإسلامى» و«الفكر العربى والإسلامى المعاصر.. قضايا وشخصيات»، و«التقدم فى مفهوم عاطف العراقى»، و«الفكر المصرى المعاصر والتصوف»، و«قضايا وشخصيات صوفية» و«الإمام المجدد ابن باديس والتصوف» و«فخر الدين الرازى والتصوف»، إضافة إلى العديد من المؤلفات المهمة التى لا غنى عنها للباحث فى الفكر الإسلامى المعاصر.

«الوفد» التقت عميد كلية آداب المنيا الأسبق الدكتور أحمد الجزار وهذا نص الحوار.

< بداية ما سر اهتمامك بالتصوف وهل تعتبره منهج حياة أم أسلوبًا عفويًا؟

<< جوابى على ذلك يرتد إلى مراحل حياتى، ففى البداية كنت وأسرتى نقيم فى مدينة الفيوم وفى منطقة فيها بعض المساجد التى تضم قبورًا لبعض مشايخ الصوفية، وكثيرًا ما كان يلفت انتباهى وأنا طفل فى سنواتى الأولى تكاثرهم فى مناسبات معينة وكنت أسأل والدى رحمة الله عليه ويجيبنى بإجابات قصيرة كنت أفهم بعضًا منها والبعض الآخر لا أفهمه، ولما تقدمت فى مراحل حياتى فى مرحلتى الإعدادية والثانوية، ولكن كنت وما زلت فى داخلى شغوفًا لأن أعرف الرأى القاطع فيما أسمعه من كلام وأفعال فى حضرات الصوفية وأذكارهم المختزنة فى عقلى وشعورى المبكر ولما التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم الفلسفة بالذات كانت رغبة منى أن أشبع نهمى فى معرفة كثيرٍ من الحقائق وخاصة أن مدرس الفلسفة الذى ما زلت أذكر اسمه إلى الآن مراد بطرس والذى كان يدفعنى دفعًا -وهذا من فضل الله- أن أكون لى شأن لو درست الفلسفة، فيما بعد عرفت أنه دفعة أستاذتى القديرة الدكتورة أميرة مطر، أعود إلى سر اهتمامى بالتصوف فلما درس لنا أ.د. أبوالوفا التفتازانى -رحمه الله- مقرر علم الكلام انبهرت بطريقة شرحه ولمحاته الذكية لكنها ظلت فى إطار قضية العقائد. ولما عرفت من خلال كتبه أنه أستاذ الفلسفة الإسلامية والتصوف كنت شغوفًا بأن أسمعه وهو يتكلم فى التصوف، ومن ثم أخذت على عاتقى مبكرًا أن أدرس التصوف بعد التخرج وأن يكون هو أستاذى الذى يشرف علىّ، لقد سافر الأستاذ مبكرًا فى إعارة تغير مسار التفكير فيمن يشرف على وتلك قضية تخرج عن مسار سؤالك الدقيق والمهم. أما عن جواب عن التصوف أهو منهج أم أسلوب عفوى، فجوابى عنه أن التصوف منهج فى السلوك الإيمانى الذى يوافق برأيى مشرب الإسلام الصحيح، وهذا السلوك يمثل وسطية الإسلام فيقدم على الحياة والأخذ بأسبابها وفى الوقت نفسه يعمل للآخرة، فالوسط العدل هو الذى يحدد منهجية التصوف كسلوك إيمانى كما أسلفت الإشارة، وأظن أن مراجعة كل ما قلته فيه الجواب الكافى الشافى.

< فى رأيك لماذا تهتم الجامعات الغربية خاصة أقسام الفلسفة بالتصوف؟

<< بحكم اشتغالى بالفلسفة والفلسفة الإسلامية والتصوف خاصة فإن اهتمام الجامعات الغربية بالفلسفة الإسلامية فى أقسام الفلسفة، هو امتداد وعناية منها واهتمام برؤى المسلمين فى مناحى الفكر الفلسفى. وهذا أمر ضرورى للدرس الفلسفى، فكل الحضارات مهما تباينت فى منازعها، إلا أن معرفة ما يدور عن أصحابها يظل أمرًا ضروريًا لغيرهم خاصة لمن يشتغلون بالفلسفة. وهذا الأمر ملحوظ فى الجامعات الغربية وفى قسم الفلسفة بصفة خاصة. أما لماذا يحظى التصوف فى الغرب وأقسام الفلسفة خاصة بعنايتهم، فلأن التصوف وصوفية الإسلام لديهم من الرؤى والمنازع الإنسانية ما يجعلهم مادة خصبة لاهتمامات الغربيين، فالقول بوحدة الأديان أو التعددية الدينية وما ينبنى عليها من التسامح وقبول الآخر، والحب الذى يشمل كل الناس أيا كانت معتقداتهم يمثل أمرًا جاذبًا للغربيين، وفكرة الإنسان الكامل التى قال بها بعض فلاسفة المتصوفة تحظى باهتمامات الغربيين، والكمال هنا ليس كمالًا – فى نظرهم – أخلاقيا بل هو فى المقام الأول كمال وجودى. لذلك فهذا الجانب يقرب بينهم وبين الفلسفات الوجودية ذات الطابع الإيمانى بصفة خاصة، ولعل هذا هو الذى استلفت الدكتور عبدالرحمن بدوى مبكرًا لما كتب كتابه البالغ الأهمية «الإنسانية والوجودية فى الفكر العربى» فوقف عند هذه الناحية بعمق شديد ووجدها عند ابن عربى (ت638هـ) بكل تفاصليها وقيمتها، وهناك من الأفكار الجاذبة للغرب عند الصوفية أو عند فلاسفة الصوفية بصفة خاصة وقد أشرت إليها فى دراساتى وعالجت بعضا منها.

< من هذا المنطلق هل يمكن اعتبار التصوف جسرا روحيا بين الشرق والغرب.. هل تكون هناك مساحة للتلاقى بين الأديان؟

<< هذا السؤال مهم من جانبكم فى ضوء ما قلته، إذ يمكن القول وبلا تردد إن التصوف يعد جسرًا روحيًا بين الشرق والغرب من المناحى التى أشرت من قبل، ومن ثم يمكن أن يكون نقطة تقارب وتلاقٍ بين الأديان، الأمر الذى يسهم فى قتل حدة التعصب بين كل المتعصبين فى الأديان وعلى هذا الأساس فإن الباحثين فى التصوف من الغربيين وفى عالمنا الإسلامى يتعين عليهم أن يتدارسوا هذا الجانب، ففيه ما يكشف عن قيمة التجارب الصوفية لدى كبار صوفية الإسلام. الأمر الذى يجعل ما قدموه نموذجًا طيبًا للتعايش السلمى ودافعًا لغرس قيم المحبة ووأد الحروب والمشاحنات التى هى ظاهرة جلية فى كثيرٍ من البلدان الغربية وغير الغربية.

< يواجه التصوف حالة من التشويه لصورته وبعض السلوكيات التى تنسب إليه من شعوذةٍ ودجلٍ وغير ذلك؟ كيف نتصدى لهذا كله ونقدم الصورة الحقيقية للتصوف؟

<< حقيقة الأمر أن سؤالك ينطبق على ما تفشى بين المسلمين فى القرون المتأخرة وتحديدا من بعض المنتسبين للطرق الصوفية خاصة فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالميل إلى بعض التواكل والسلبية والقعود عن العمل وعدم الاهتمام بالأخذ بالأسباب والسنن الكونية فى طلب المعاش فلجأوا إلى البطالة، بالإضافة إلى تقديسهم لشيوخهم فى حياتهم بطلب الحوائج منهم وتقديسهم بعد مماتهم. والمبالغة فى إظهار الكرامات التى كثيرًا ما يعولون عليها ويتداولونها جيلًا بعد جيلٍ، مع أن هذه الكرامات فى نظر شيوخهم الأقدمين ليست شيئًا مطلوبًا ولا لازمًا للصوفى المحقق، بل أن كثيرًا منهم يستعيذون منها ويرون أن أعظمها كرامة الاستقامة وأكملها كرامة المعرفة بل أن الأفضل عند أغلبهم هى سترها لا إظهارها، وفى نظرى فإن الوقوف عند هذه السلبيات يرتد إلى شيوخ الصوفية الكبار المعاصرين، إذ يتعين عليهم ضرورة تصويب أصحاب المبتدعين للمنتمين إلى الصوفية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الباحثين فى أمر التصوف من المسلمين يقع عليهم العبء الأكبر، إذ ينبغى الإبانة بشكل قاطع عن خطأ بعض الممارسات السلوكية الخاطئة فى كتابات الصوفية والتنبيه على خطرها والتصدى لكل من يقع فيها، لأن فى ذلك خيانة للصوفية الإسلامية الصحيحة، ودونما فخر فكتاباتى غطت كل هذه الجوانب منذ سنين طويلة وهى موجودة بين أيدى الباحثين والراغبين فى الوقوف على حقيقة الصوفية على سبيل المثال لا الحصر: الإمام المجدد ابن باديسو التصوف – الولاية بين الجيلانى وابن تيمية – فخر الدين الرازى، وغيرها مما لا أحب الإطالة فيه من دراستى.

< ما واجب العلماء تجاه تجاوزات بعض الطرق الصوفية؟ وكيف ترى من يعتبر الصوفية تخالف أصل الدين؟

<< ما يعد تجاوزًا أو تجاوزات أو ممارسات بعض أتباع الطرق الصوفية فى الحاضر أرى أن مسئوليته تقع

على عاتق المجلس الأعلى للطرق الصوفية، إذ يقتضى التنبيه بقوة ليبصروا أتباعهم على خطر هذه الممارسات والتجاوزات، بحيث يمكن تنقية التصوف من كل الجوانب التى تفسد نقاءه وصورته الصحيحة، إذا التصوف بالصورة التى كان عليها شيوخه المؤسسيين فى القرنين الثالث والرابع الهجريين وما قبلهما من تمهيدات لهذا الجانب، أقول لو تم ذلك لما أصبح التصوف بالتالى مخالفًا لأى أصل من أصول الدين فكل الذين أسسوا فى الفترات الأولى التى أشرت إليها كانوا حريصين على أن تكون العقيدة والشريعة هما أس التصوف وأن تكون الطريقة تطبيقا لهذين الأصلين من أجل كمال المعرفة بالله.

<< هل ترى أن الطرق الصوفية تؤدى دورًا فعالًا فى المجتمع الإسلامى المعاصر يمكن أن يغير من واقع المسلمين؟

<< برأيى أن بعض هذه السلبيات التى توجد لدى بعض الأتباع المنتمين للطرق الصوفية لا تقدح على الإطلاق فى قيمته، ولا فاعليته فى المجتمع الإسلامى المعاصر، اذ يستطيع شيوخ الصوفية وأتباعهم أن يقدموا نماذج فعالة للخلق الإسلامى فى أكمل صوره، فالصوفية الحقة تحرص على اتباع الهدى النبوى كما هو فى أصول الطريقة، أعنى التصوف منذ نشأته وهذا جانب مضىء لفاعلية الطرق الصوفية. ثم إن هذه الطرق الصوفية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا فى الجانب الاجتماعى والسعى إلى قضاء حوائج المحتاجين والفقراء والمساكين فى المناسبات الاجتماعية المختلفة، وتستطيع أيضاً الطرق الصوفية أن تكون داعية إلى تغيير الظواهر السلبية بين الناس ووأد المشاحنات، وتكثيف الدعوة إلى التآخى والمحبة بين كل أفراد المجتمع بشكل يؤكد وحدته ويشيع مناخًا للتنمية الشاملة فى كل مناحى المجتمع المصرى ومن ثم تقدمه.

< من بين الاتهامات التى توجه إلى الصوفية والمتصوفة السلبية والتواكل، فهل الصوفى بالفعل سلبى ومتواكل؟

<< فى الحقيقة أن التوكل على الله مطلب إيمانى بنصوص القرآن والسنة، ولابد فيه من الأخذ بالأسباب والسنن الكونية، وهى ضرورة يقتضيها دين الإسلام. لذا كان مقام التوكل عند الصوفية مقامًا رفيعًا من مقامات الصوفية منذ نشأته، ومتون كتب التصوف طافحة بإبراز أهميته وقيمته بالنسبة للمريد والسالك، لكن شيوخ الصوفية الأولين لم يفهموا هذا المعنى فركن بعضهم إلى القعود عن العمل وطلب الرزق والكسل، لكن هذا فى نظر مؤسسى التصوف ليس التوكل الحقيقى الذى يتعين أن يكون عليه الصوفى، إذ الصوفية الحقيقية لا تتعارض مع التوكل بمفهومه الإيمانى الذى أشرت إليه، لكنها بمعنى ترك طلب الرزق والكسل والركون إلى البطالة تصبح تواكلًا وهذا يخالف منطق الدين الصحيح ويكون وبالًا على هؤلاء الأتباع.

<< فى عصر العولمة والانفتاح الثقافى والمعلوماتى هل من سبيل لحماية أولادنا من الوقوع فريسة لطوفان الغزو الثقافى الغربى؟

<< اسمح لى أن أقول إنه إذا كان العصر الذى نعيش فيه عصر السموات المفتوحة والسرعة المذهلة فى نقل المعلومات بين الشعوب والدول فإن هذا يدفعنا إلى أن نقول إن مقولة الغزو الثقافى الغربى تحتاج إلى وقفة نقدية ذلك لأن ثقافة العولمة التى هى حصاد الغرب فى عصر ثورة المعلومات والسرعة المذهلة فى التكنولوجيا تجعلنا نقف موقف المذهول والضعيف والخوف من الوقوع فريسة لما يسمى بالغزو الثقافى المدمر كما تقول. إن ذلك يمكن الوقوف بإزائه إذا حدثنا مناهج التعليم فى كل مراحله وهو حصن لعقول أبنائنا فى مواجهة أى فكرٍ غريبٍ هذا إلى ضرورة الاهتمام بتنمية النقد الذاتى، وضرورة التركيز عليه فى بناء شخصية الإنسان المصرى العربى كى يكون محصنًا أمام كل فكر وثقافة لا تستقيم مع هويته، وبالإضافة إلى هذا وذاك فإنه من الضرورى فى هذا الصدد أيضاً أن ننقل من ثقافة العصر وحضارته كل القيم النافعة لنهضة علمية بصفةٍ خاصةٍ وذاك لا ضير فيه فعصرنا الحالى لابد لكل من يعيش فيه أن يكون قويًا فى مواجهة كل متغيراته وإلا تخلفنا تمامًا عن اللحاق بالغرب.

< كثير من مدارس التفكير ذات التوجه غير الإسلامى تتهم التراث بأنه سبب ضعفنا وتخلفنا، وإنه كثقافة لم يعد صالحًا للتفاعل مع علوم العصر وابتكاراته العلمية والفلسفية والأدبية؟

<< لا أوافق على ما تذهب إليه بعض الاتجاهات بإزاء مفهوم التراث والنظر إليه من جانبهم أنه سبب تخلفنا وضعفنا وأنه لم يعد صالحًا للتفاعل. إن هذا الفهم يقودنا إلى تعريف التراث بأنه كل ما يمثل علم وثقافة وفكر الأمة ويشكل هويتها. التراث بهذا المفهوم يحمل فى طياته إرث الماضى، وفيه أيضاً ما قد يكون صالحًا فى الحاضر وعليه يتحدد بالتالى مفهومه فى أساسين هما: الأصالة والمعاصرة، فالأصالة تعنى ألا نحط تمامًا من قيمة الماضى بحسبانه رافدًا من مكونات حضارتنا وفى الوقت نفسه ألا نقف متفرجين على ما فيه من نقاط ضعف ينبغى أن نتخطاها ونتأصلها، إذا لم تعد بالتالى صالحة فى عالمٍ يموج بثورات العلم وابتكاراته التكنولوجية، ومن ثم فاللحاق بهذا يلزمنا بالتالى أن تكون نظرتنا الحاضرة لتتلاءم تمامًا وتتوافق مع حضارتنا المعاصرة واكتشافات العلم واختراعات التكنولوجيا، الجمع بين الأصالة والمعاصرة يبقى أمرًا مهمًا فى تكوين هويةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ أصيلةٍ ومعاصرةٍ فى الآن نفسه، وهذا موضوع التفت إليه المفكرون الإسلاميون الذين يرون فيه دعمًا قويًا لتمكين الأمة فى مواجهة سطوة الغرب ورغبته فى القضاء على هوية حضارتنا بأبعادها التى ألمحت إليها من قبل.

<< هناك مستشرقون يرون أن المصدر الأول والأصل للتصوف موجود فى الإسلام ومن هؤلاء لويس ماسنيون وأنا مارى شيميل، فما رأيك؟

<< فى حقيقة الأمر فإن التصوف والبحث فى أصله وقضاياه يمثل موضوعًا فى غاية الأهمية فى فكرنا الإسلامى قديمه وحديثه، فالبحث فى مصدره وآصالته لا شك فيه فهو يعد تعبيرًا عن روحانية الإسلام من خلال مصدريه الكبيرين: القرآن والسنة. ومن نظر إليه من غير المسلمين ممن يمكن أن يطلق عليهم المستشرقون لم يقفوا موقفًا واحدًا بإزاء أصالته فتباينت وجهات نظرهم لتعدد أوطانهم، ومن ثم تعددت لدينا مدارس الاستشراق كالمدرسة الإنجليزية وعلى رأسها رينولد نيكلسون، وفى المدرسة الفرنسية وعلى رأسها لويس ماسينون، والمدرسة الألمانية وعلى رأسها أنا مارى شيميل، وإذا كان لويس ماسنيون وأنا مارى شيميل قد أكدا أصالة التصوف الإسلامى فإن التباين بينهما وغيرهما من المستشرقين لا يمكن تجاهله فرينولدنيكلسون يتخبط فى أصالة التصوف الإسلامى، وكذلك جولد تسيهر المجرى، وكذلك أسين لاسيوس الأسبانى وفون كريمر الفرنسى فكلهم ليسوا على رأى واحد بل إن بعضهم يتناقض مع نفسه فى كثيرٍ من مؤلفاته، أمام هذا التناقض والتخبط والذى قدر لى أن أقف مبكرًا عليهم فى دراساتى بفضل الله فإنى أتابع هذه المسألة فى بحوثى ووجهت واحدًا من أبرز تلاميذى لدراسة بعنوان «المستشرقون والتصوف دراسة تحليلية نقدية». وهى حصاد اهتمامى بتدريس هذا الموضوع لطلاب تمهيدى الماجستير بكلية الآداب بجامعة المنيا منذ سنوات حتى الآن.

< كيف ترى التصوف فى وجدان المصريين، وهل يمكن اعتبار الموالد الشعبية ضربا من ضروب التصوف؟

<< فى الحقيقة أن هذا السؤال من الأهمية بمكانٍ من حيث النظر إلى الشخصية المصرية، فالمصريون من حيث الوجدان يميلون بعاطفتهم صوب التصوف وكثيرٍ من الطرق الصوفية وجدت فى مصر وأهلها قبولًا يمكن أن نجده فى بعض الممارسات الشعبية من قبل بعض أتباع الطرق الصوفية، تحت اسم الموالد والتى تعد جانبًا من التراث الشعبى من حيث الاحتفال بالأولياء وإقامة حلقات الذكر وإحياء بعض الليالى والحضرات، وكما هو واضح وجلى فى مولد الإمام الحسين والسيدة زينب والسيد أحمد البدوى وأبوالحسن الشاذلى هذه الموالد إذا أحسن الترتيب لها من جانب المجلس الصوفى الأعلى من حيث الإبانة عن حقيقة التصوف وبيان فضل هؤلاء الأولياء

والصالحين، والكشف عن حقيقة أدوارهم فى مجتمعهم، وتأثيرهم فى تهذيب أخلاقيات أتباعهم، هنا تصبح الموالد ضربًا من ضروب التصوف التى ترمى إلى ضرورة بناء أخلاق المسلم.

< هل يمكن أن نقول الآن إن العالم بعد جائحة كورورنا قد يصبح أكثر إنسانية وأكثر ميلًا للقيم الروحية؟

<< علينا أن ننظر إلى أن عالمنا المعاصر طبعته المادية الطاغية التى تتجلى بكل قسماتها فى اختراعاته وما نتج عنها من ضروب المدنية التى جذبت الإنسان إلى الانهماك فيها، حتى أفقدت الجانب الروحى فقد وصف بعضهم هذا بقوله إن حضارتنا المعاصرة تقدمها المادى أكبر بكثيرٍ من تقدمها الروحى إن تلك الهوة التى وسمت عالمنا المعاصر ربما تدفع إنسان هذا العصر بعد جائحة كورونا إلى ما ترمى إليه وجهة نظر البعض من حيث إنها قد تدفع الإنسان لأن يصبح أكثر انجذابًا إلى عالم الروح وأن يحرص على كمال وجوده الإنسانى أو بالأحرى إنسانيته من ناحية أخرى.

<< كيف ترى حاجتنا إلى الفلسفة فى واقعنا المعاصر؟ وما الدور الذى عليها أن تؤديه الفلسفة فى الإصلاح الفكرى المطلوب؟

<< لم تكن الفلسفة فى يوم من الأيام منذ نشأتها بعيدة عن مشكلات المجتمع، وهذا واضح وجلى إذا استعرضنا تاريخ الفلسفة فى مسارها الطويل، وعليه فإن حاجتنا إلى الفلسفة فى واقعنا المعاصر. لا يمكن التهوين منه أن مجتمعنا العربى والإسلامى المعاصر أو فى مصرنا على وجه التحديد، فللفلسفة دور مطلوب مهم ويمكن أن تؤديه، حيث يتم تشريح كل مشكلاتنا المعاصرة والنظر إليها بعين الاعتبار وفى مقدمة هذه المشكلات الإلحاد – الاغتراب – أزمة الأخلاق – التفكك الأسرى، هذه أمثلة لما يمكن أن تتصدى له الفلسفة ويمكن أيضاً أن تسهم فى بناء وعاء ثقافى يشكل رؤية لمجتمع يسهم فى البناء الحضارى للأمة العربية الإسلامية ولمصرنا المعاصرة على وجه التحديد كى ننتقل فيه من التخلف والجمود الفكرى إلى المشاركة بفاعلية فى التقدم المنشود.

<< ماذا عن دور الفلسفة الإسلامية فى تخفيف حدة التعصب الدينى الذى يؤدى بدوره إلى الإرهاب؟

<< هذا سؤال فى منتهى الأهمية فى نظرى لأنك حددت دور الفلسفة الإسلامية بصفة خاصة فى تخفيف حدة التعصب الدينى، وهو أمر جلى ولافت للنظر فى مصرنا وبلادنا الإسلامية والعربية، لأنه أدى للأسف الشديد إلى الإرهاب والقتل والتدمير، ومن ثم أساء كل الإساءة إلى الإسلام كدين سماوى لا يعرف الكراهية ولا التشدد على الإطلاق، ومن هنا فإنه على المشتغلين بالفلسفة الإسلامية أن تكون لهم وقفات منهجية علمية فى الكشف عن جذور التعصب وأسبابه دون خوف من خلال بعض المقررات التدريسية وهى تسمح بذلك كعلم الكلام بصفة خاصة وربما يقع هذا الدور على الأساتذة فى أقسام الفلسفة بكليات الآداب ويزداد الدور بفاعلية أكثر فى إطار المقررات التدريسية فى أقسام الفلسفة الإسلامية فى كليات دار العلوم، هذا فضلًا عن كليات أصول الدين والدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، وقد يكون هذا الدور موجودًا لكنه لم يزل فى نظرى ضئيل الفاعلية بالقياس إلى ما نشهده من خطر التعصب الدينى على أصحابه ومجتمعاتهم.

<< فى رأيك ما خطورة الفكر التكفيرى على المجتمعات الإسلامية؟

<< التكفير ظاهرة خطيرة تقضى على استقرار المجتمع ووحدته وسلامة أفراده، لأن حاصله كما هو مشاهد فى كثيرٍ من المجتمعات العربية والإسلامية القتل والتدمير والخراب، الأمر الذى يحول دون تقدم كثيرٍ من المجتمعات الإسلامية فى سلم التقدم والرفاهية الإنسانية لأصحابها، لذلك فإن هذا الخطر للفكر التكفيرى لا يقع على الأفراد أنفسهم بل على مجتمعاتهم أيضاً، وقد عانينا منه فى مصر سنوات طويلة منذ السبعينيات من هذا القرن.

<< لماذا يؤثر الخطاب الدينى المتشدد فى فئاتٍ مختلفةٍ فيما لا نرى تاثيرًا مثيلًا للخطاب الوسطى المعتدل؟

<< المتلقى للخطاب الدينى فى المجتمع تتعدد بالتأكيد ثقافاته واتجاهاته وتكوينه وتنشئته الأسرية ومهنته وسياقه الاجتماعى الذى يعيش فيه، لذا يمكن القول بأن التشدد الدينى يقترن بالجهل والفقر وقلة الوعى، لذا نرى التشدد بين من ورثوا ضحالة التفكير وفقرًا فى التعليم وفى التربية والتنشئة الإيمانية الصحيحة، ومن ثم فإن هذا التشدد من جانبهم لا يؤثر فيه الخطاب الدينى بالقدر الذى يحدثه الخطاب الوسطى المعتدل، لكن هذا لا يعنى أن التشدد والغلو والتعصب لا يوجد لدى بعض المتعلمين وفى أرقى المستويات أحياناً، فهذا التشدد ليس غريبًا أن نجده لدى بعض الشباب فى الكليات ذات الطبيعة العلمية أو العملية بالمعنى الدقيق كالهندسة والصيدلة والطب وما قد يماثلها.

<< هناك اتهامات للفلاسفة بأنهم يهتمون بقضايا أكاديمية جدلية تنفصل عن الواقع وأنهم لا يتفاعلون مع قضايا المجتمع مثل قضايا الفقر والبطالة والإرهاب والحرية.. فبماذا ترد؟

<< الجواب عن هذا السؤال يقتضى منا أن ننظر إلى المشتغلين بالفلسفة وما يتم تدريسه فى أقسامها من مقررات تدريسية تتكامل جميعها فى إعداد خريج الفلسفة وعليه، فإن الدرس الفلسفى فى تلك الأقسام الذى يشكل منطلقًا لتخريج كوادر فلسفية ينبغى أن يتجه إلى النظر فى القضايا المجتمعية المعاصرة كالفقر والبطالة والحرية واحترام حقوق الغير فى التعبير عن الرأى وتنمية النقد الذاتى وزيادة الوعى الجمالى والبيئى، والتأكيد على أهمية التفكير الناقد، مثل هذه القضايا التركيز عليها فى الفلسفة التطبيقية سار ملحوظًا على مستوى الفكر الفلسفى المعاصر وفى مجتمعنا المصرى من جانب المشتغلين بالفلسفة ممن صارت لهم مشاركة فاعلة فى كثيرٍ من المؤسسات الثقافية الاجتماعية وغيرها، لكن هذه الفاعلية لا تزال فى نظرى تحتاج إلى مزيدٍ من جانب المشتغلين بالفلسفة فى سنواتنا الأخيرة. لكن التصدى لبعض هذه القضايا كان لصفوة من أساتذة الفلسفة الكبار دور فى مواجهتها والإبانة عن حلول لها ولنا أسوة فيما أشار إليه الدكتور زكى نجيب محمود والدكتور فؤاد زكريا والدكتور عاطف العراقى والدكتور محمود حمدى رحمهم الله والدكتور حسن حنفى وغيرهم من المفكرين والفلاسفة المصريين.

<< يرى البعض حتمية المنهج السلفى لقيام النهضة الإسلامية فى حين يروج الآخرون أنه عودة إلى الوراء وسير فى اتجاه معاكس؟

<< فى نظرى حقيقة الأمر ترتبط بمفهوم التقدم الذى تحتاجه أمتنا الإسلامية العربية، ومن ثم أرى أن الموضوع يتعلق بكيف السبيل إلى تحقيق هذا وأراه فى الأخذ بأسباب التقدم المادى وهو العلم وآليات العصر والانفتاح عليه، وبما يستقيم مع أصول الإسلام الصحيح ووسطيته، ففى عصر العلم وثورة المعلومات لا سبيل إلى التهوين منه، وفى الآن نفسه لا يمكن أن نسقط على الإطلاق كل القيم الدينية الإيمانية تنهى ضرورة لابد منها لنحقق هذا التقدم الذى ننشده وهما مما فى الآن نفسه يحقق هويتنا وفى كلمتين الأصالة والمعاصرة هما الذى يبتغيه أو الذى يتعين أن نبتغيه فى تحقيق النهضة الإسلامية وهويتنا المفقودة فى الوقت ذاته.

< كيف السبيل فى رأيكم إلى استعادة الأمة الإسلامية هويتها؟ وهل ثمة تعارض بين حفاظ الأمة على هويتها وبين مسايرتها للنهضة العصرية كما يزعم التنويريون؟

<< لا سبيل للحفاظ على هويتنا العربية الإسلامية من الوقوع فى براثن الاستيلاب الحضارى إلا بالحفاظ على الثوابت التى تحفظ لها هويتها وهو الذى يمكنها من الوقوف فى مواجهة كل التيارات والنزعات التى تحاول أن تبعدها عن مسارها الصحيح، فالثوابت الدينية والوسطية الإسلامية ركيزة لا يمكن التفريط فيها بأى حالٍ من الأحوال إذا أردنا أن تظل أمتنا العربية والإسلامية قوية صلبة فى مواجهة كل ما يحاك بها سواء أكان هذا دأب التنويريين أو غيرهم من أصحاب أيديولوجيات أو مذاهب مختلفة. أن الانفتاح على تيارات العصر والأخذ بأسباب التقدم والحضارة المعاصرة جنبًا إلى جنب التمسك بكل قيمنا الدينية وهى ركيزة أو ضرورة من الضرورات لاستعادة الهوية الإسلامية، ومن ثم فأهم مهمة لنا جميعًا من المشتغلين بالفكر من علماء الأمة هو الحرص على تحقيق هذا المفهوم بعيدًا عن الأساليب الوعظية والتى تعطى الفرصة للبعض للتقليل من شأن المهمة الأساسية لنا فى تحقيق مطلبنا فى حضارة إسلامية معاصرة، تجرى مع الحضارة العالمية وتسايرها دون الوقوع فى تخبط فكرى وضياع لما تمتلكه من قيم هى حصنها الحصين، أعنى الهوية التى تعنى الأصالة فى المقام الأول ولا تنفك كما أسلفت الإشارة عن تيار العصر والذى يلفه تقدم العلم وإنجازاته التكنولوجية والتى لا يمكن إغفالها بشكل من الأشكال.

< فى ظل الأوضاع هناك اتهامات للإسلام والمسلمين من الخارج وصراعات وخلافات فى الداخل، ما الذى يستطيع أن يفعله المتصوفة لتخفيف معاناة المسلمين؟

<< فى حقيقة الأمر الجواب عن هذا السؤال يشترك فيه كل علماء المسلمين أيًا كانت مشاربهم سواء كان الأمر يتعلق بما يكيل للمسلمين والإسلام من اتهامات من قبل المتربصين وأغلبها معاداة للإسلام وخوف من قوته وانتشاره كما هو مشاهد فى عالمنا المعاصر، وفى الوقت نفسه فإن هذه الصراعات والخلافات فى الداخل يقع أمر مواجهتها أيضاً على كثيرٍ من مؤسسات الدولة من ناحية والعاملين فى حقل الدعوة الإسلامية ودور الأزهر الشريف فى وأد كل الخلافات التى تشتعل من حين إلى آخر فى بلداننا الإسلامية والعربية من ناحية أخرى، إذ لا يصح على الإطلاق أن نظل بهذه الفرقة فى مشكلات عقدية بين كثيرٍ من أصحاب الاتجاهات المختلفة سلفية أو إخوانية أو غيرها. هناك الإسلام وفقط فى رأيى شريطة أن نفهمه فى كل أصوله الواضحة البينة الوسطية الداعية إلى التقدم واحترام الإنسان وكل أفراد الإنسانية ذلك هو الإسلام كما أفهمه وعليه فإن دور العلماء والمتصوفة هو التوكيد على هذه المفاهيم التى أشرت إليها من ثم يمكن تخفيف منابع الخلافات والتفرق والتشرذم الحاصل بين المسلمين فى العالمين العربى والإسلامى، ويستطيع كبار الصوفية المعاصرين والمجلس الأعلى للصوفية أن يكون له دوره الرائد الإيجابى فى التفاعل مع الذى أشرت إليه آنفًا، ودونما فخر فإن هذا المفهوم والمسئولية التى أشرت إليها جلية فى أغلب ما قدمته من دراسات فى فكرنا الإسلامى المعاصر وفى التصوف فى الآن نفسه.

< ما تقييمكم لجدوى الحوار الدينى وهل هو مجرد محاولة لتجديد المسلمين؟

<< فى الحقيقة علينا أن نأخذ بكل ما يمكننا فى الدعوة الإسلامية إلى غرضها المنشود بالرد على كل دعاوى المغرضين والمتطرفين وكل من يناصب المسلمين العداء، وعلى هذا الأساس أنه لا ضرورة على الإطلاق من إهمال والتقليل من جدوى الحوار الدينى، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالدعوة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هى أحسن. فإذا فهمنا الجدال بمعنى أوسع فهمناه أنه النقاش وتبادل وجهات النظر وأنه الحوار بالنظر العقلى الذى يأبى عدم الجمود والتسلط فى الرأى لقد قلتها وما زلت أقولها إن التعصب المقيت فى الدين والفكر والسياسة أو غير هذا كله لا يرتد على المتعصب أو المتعصبين بل يرتد إلى شعوب أصحابه فى كل زمان ومكان، إذا فأنا مع الحوار بهذا المفهوم وذلك دور العلماء وكبار علماء الدين وكبار المفكرين المسلمين من لديهم القدرة على إدارة دفة الحوار بغير عصبية ممجوجة.

أهم الاخبار