رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تداعيات أزمة قنا .. بقع في ثوب الثورة

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 20 أبريل 2011 08:37
تحليل : محمد جمال عرفة

مظاهرة أمام محافظة قنا - أرشيف أزعم أن أزمة تعيين ثان محافظ مسيحي لمحافظة قنا في أبريل الجاري 2011 هي أخطر تحد فعلي يواجه الثورة المصرية .. ليس لأنه تحد طائفي كما يختصره البعض ، ولكن لأنه أول رفض شعبي لقرارات القيادة السياسية التي أختارها الشعب بنفسه ، وأول سابقة لرفض تعيين مسئول قد تتكرر إحتجاجا علي اي محافظ أو حتي وزير أو رئيس وزراء مستقبلا ، فضلا عن أن الحلول التي كانت مطروحة للأزمة كانت تنوي علي خسائر في كل الأحوال .

وما زاد من خطر الأزمة – حسبما سمعت من أهالي في قنا – أن بعض القبائل والعائلات الكبيرة الغاضبة (التي قطعت شريط السكة الحديد بمزلقان سيدي عبد الرحيم القنائي والطرق السريعة مصر - أسوان وقفط - القصير وطريق قنا – سفاجا ومداخل ومخارج مدينه قنا ) حشدت ابناءها من النجوع والقري بأسلحتهم قرب مبني المحافظة مؤكدين رفضهم تسلم هذا المحافظ منصبه ولو علي جثثهم بسبب سيرته الأمنية السيئة (أيمن نور أتهمه بأنه عذبه في السجن) ، ورفضهم تعيين محافظة من الشرطة ، فضلا عن رفض استمرار (كوتة) مسيحية في محافظتهم ذات الغالبية المسلمة .

ولو قيل أن رئيس الوزراء عصام شرف – ومعه قيادة الجيش التي صدقت علي التعيينات – أخطأت بتعيين محافظ له سمعة أمنية سيئة أو لأنه قبطي في محافظة غالبيتها متدينة ومسلمة ، خصوصا بعد تجربة المحافظ المسيحي السابقة (مجدي أيوب) الذي وصل الأمر لإحتجاج الأقباط عليه قبل المسلمين ورفعهم دعاوي قضائية لعزله .. لو قيل أن "شرف" أخطأ ، فمن الصعب أن يتراجع عن قراره أمام غضبة الشارع وإلا أصبحت سابقة قد تتكرر مع تعيين أي مسئول أخر .

ولو قام رئيس الوزراء بالتشجع وإلغاء قراره السابقة بتعيين هذا المحافظ الشرطي القبطي ، فسوف يثير هذا تساؤلات حول طبيعة القرارات المتخذة بصورة عشوائية (خاصة بعد الاحتجاجات ايضا علي قراره بإلغاء محافظتي حلوان و6 أكتوبر) ، والأخطر أن هذا قد يثير تساؤلات قبطية حول (مدنية الدولة) وحقوق الاقباط في تولي المناصب الرسمية ، وكيف يجري الاعتراض علي تعيين محافظ واحد مسيحي ثم يقال أن من حق الأقباط تولي المناصب الكبري برغم تأكيد رموز إسلامية مثل شيخ الأزهر والعوا وغيرهم أن هذا حق للمسيحي مثل المسلم !؟.

ناهيك بالطبع عن تداعيات ما يجري في قنا علي الاستقرار ومحاولات الانتقال من (شرعية الثورة) الي (شرعية الدولة) بعد تظاهر أكثر من 10 آلاف من الأهالي، أمام ديوان عام محافظة قنا، احتجاجا على تعيين المحافظ القبطي الجديد (عماد ميخائيل) محافظا لقنا ، خلفا للمحافظ السابق مجدي أيوب، والتي كان من الواضح أن جانبا منها يتخذ منحي ديني يتعلق بغضب شعبي ومن تيارات إسلامية علي تعيين محافظ قبطي وإصرار الحكومة – للمرة الثانية – علي مبدأ تعيين قبطي هناك ما قد يعني تثبيت فكرة أن هناك ما يشبه (كوتة) للمسيحيين في قنا ، بحسب قول بعض الغاضبين .

بالطبع كان جانبا كبيرا من الاحتجاجات يدور حول رفض تعيين المحافظ الجديد لأسباب لا علاقة لها بالطائفية ، خصوصا الاحتجاج علي "ميخائيل" علي خلفية أنه لواء شرطة وله سجل أمني سلبي في ظل الحساسية من ممارسات الشرطة عقب ثورة 25 يناير ، ولكن لا يمكن إنكار أن جانبا من الاحتجاجات كان يتعلق برفض هذه (السنة) أو (الكوتة) التي سار عليها مجلس الوزراء بتعيين محافظ قبطي للمحافظة بعد تعيين ثان محافظ قبطي علي التوالي .

ولا يمكن مع هذا إغفال أنه كانت هناك حالة إحتقان من جانب كل أهالي قنا – مسيحيين قبل المسلمين – من المحافظ السابق (مجدي أيوب ) لما أثير حول فساده وتقديمه للمحاكمة وضعفه في مواجهة حل مشاكل قنا حتي أصبحت المحافظة محط أنظار المصريين كمحافظة للمشاكل في السنوات الأخيرة بعدما كانت أهدأ المحافظات

وأكثرها إنضباطا خصوصا في عهد المحافظ السابق اللواء عادل لبيب .

ولهذا عندما عين محافظ مسيحي جديد ثان ، راي فيه أهل قنا صورة مجدى ايوب المرفوض من الشارع ، ولم يكن رفضهم طائفيا بالكامل ، بدليل أن قنا هي التى انتخبت مكرم عبيد نائبا لها طوال حياته النيابة ولم تتعصب ضده وانتخبت فكرى مكرم عبيد ايام السادات .

الحل الصحيح للأزمة

ولهذا كان من الصعب تراجع رئيس الوزراء والجيش عن قرارهم بتعيين (ميخائيل) محافظا جديدا .. وبالمقابل من الصعب فض إعتصام وغضب أهالي قنا وإقناعهم بقبول المحافظ الجديد .. ما أوصل الأزمة لحائط صد خطير لم تفلح معه محاولات وفود وشخصيات إسلامية حتي في فتح الطرق المغلقة .. وكان الحل الوحيد المتاح هو من جانب المحافظ نفسه بالاعتذار عن توليه هذه المسئولية .

وما زاد الأزمة إشتعالا حالة التحدي التي أعلنها الدكتور يحي الجمل للمتظاهرين حينما أعلن أن المحافظ الجديد لن يستقيل وأنه بدأ ممارسة عمله من مقر المحافظة (يوم الثلاثاء) ، بعد ساعات من تسريب أنباء (غير صحيحة) عن أن المحافظ الجديد قدم استقالته بعدما فشل اللواء منصور العيسوي وزير الداخلية ومحسن النعمانى وزير التنمية المحلية في إقناع الأهالي بقبوله محافظا عليهم .

فالمحتجون رفضوا خلال الاجتماع مع العيسوي والنعماني، المفوضان من قبل الحكومة للتفاوض مع أهالي قنا، فض اعتصامهم وتسيير خطوط المواصلات إلا بعد إقصاء " شحاتة ميخائيل" عن منصبه ،وأكد الاهالى انه عانوا كثيرا في عهد المحافظ السابق مجدي أيوب، وأنهم يتطلعون لتولية محافظ يدفع بعجلة التنمية بقنا، رافضين تكريس "كوتة" للأقباط في منصب محافظ قنا.

وزاد غضبهم اعلان الجمل أن المحافظ باق ولن يستقيل ، وأنه سيمارس عمله الثلاثاء وهم يقفون أمام مبني المحافظة ، ولولا وجود وفد الوساطة السياسي الديني هناك الذي يقوده الشيخ حسان وحجازي وبكري وغيرهم لربما أشعل المتظاهرون النار في مبني المحافظة !.

والغريب أن هذا الحل – استقالة المحافظ – أحرقته الحكومة عبر تصريحات الجمل ، برغم أنه هو الحل المتاح ، ليبقي الان السعي للوصول لحل وسط ببقاء المحافظ شكلا – لحفظ ماء وجه الحكومة – وقيام نائبه – فعليا – بإدارة المحافظة لفترة من الوقت لحين تعيين محافظ جديد بعد هدوء العاصفة .

تداعيات الأزمة

بلا شك سيكون لهذه الأزمة تداعيات أخري مشابهة لتداعيات استفتاء تعديل الدستور وما سمي (غزوة الصناديق) سواء من الناحية الطائفية أو السياسية ، والأهم والاخطر تداعياتها علي سعي أطراف – بعلم أو جهل منهم - لإذكاء الثورة المضادة وتعويق مسيرة ثورة 25 يناير بتحميل الأزمة أكثر مما تحتمل .

فبعض العلمانيين واليساريين الذين يشتبكون مع الاسلاميين منذ بداية الثورة ويخشون هيمنتهم عليها ، وأخافهم تعبيرات مثل (غزوة الصناديق) و( جماهيرية إسلامية عظمي) ، ركبوا قطار قنا المندفع ، وأتخذوا من الأزمة فرصة للهجوم علي الاسلاميين والقول أنهم وراء رفض تعيين هذا المحافظ برغم أن ما وضح كان عكس ذلك وغالبية أهل قنا – بما فيه المسيحيون - اعترضوا علي المحافظ الجديد .

من هنا وجدنا هذا الفريق يقول أن إنتصار الاسلاميين في معركة منع تعيين محافظ قنا (القبطي) و(الشرطي) ستعتبر – مثل الانتصار في معركة الاستفتاء علي تعديلات الدستور – غزوة صناديق أخري ، ما سيقوي من شوكة الاسلاميين لأن تغيير المحافظ سيجعلهم يشعرون (الاخوان والسلفيين)

أنهم حققوا انتصارا وأنهم أجبروا الدولة على التراجع !.

فريق أخر من رافعي لواء الدولة المدنية أخذوا يصرخون وينعون هذه الدولة المدنية بعد أزمة قنا ويرون أن ما حدث يؤكد أننا ذاهبون للدولة الدينية لا المدنية برغم أن ما حدث ليس سوي بقعة صغيرة في ثوب هذه الثورة لن يؤثر كثيرا في مدنية الدولة ذات المرجعية الاسلامية في ظل تحديات الثورة الكثيرة ، خصوصا لو تم التعامل مع الواقعة بحجمها الحقيقي ودون تهويل فيها .

ومع هذا فلن ينسي بعض الاقباط ما حدث وسيعتبرونه دليل علي الطائفية ضدهم وانهيار الدولة المدنية ونفخ فيه أقباط المهجر ، برغم أن سبب رفض المحافظ الجديد ليس فقط كونه قبطي وإنما هو تراكم مشكلات كثيرة في المحافظة كان سببها المحافظ القبطي الأول ، ومخاوف من أن تصبح قنا هي حقل تجارب كوتة الاقباط ، أو أن يفعل المحافظ الجديد (لواء الشرطة) ما فعله سابقه وتتعطل مسيرة التنمية التي دفعها المحافظ اللواء لبيب قبل أن يعطلها خلفه (أيوب) .

فأهالي قنا لا يزالون يشتاقون لما قدمه محافظهم الأسبق (لبيب) الذي قام باكبر عملية نظافة وتجميل فى قنا وتقبله الشارع القنائى ولعب الاعلام دورا فى تضخيم انجازاته .

وقد أيد اقباط في قنا نفس هذه الفكرة وتخوفوا من قدوم محافظ (شرطي) جديد يدخل قنا في دوامة مشكلات جديدة ويعطل التنمية وترتعش يديه في التعامل مع قضاياهم ،بعدما عانوا من المحافظ القديم .

فقد وصل الأمر بعد احداث نجع حمادى لقيام اقباط برفع دعاوي أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، يطالبون فيها بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية فيما تضمنه من تعيين مجدي أيوب محافظا لقنا ، وكان مما قالوا أنه : "لم يقم بأي إصلاحات داخل المحافظة، ولم يقدم تقارير دورية الى الوزير المختص بالإدارة المحلية عن نتائج الأعمال في مختلف الأنشطة التي تزاولها المحافظة".

كما أن المحافظ السابق (ايوب) – بحسب الدعاوي - لم يدع أعضاء مجلسي الشعب والشوري بالمحافظة لمناقشة أسلوب تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمحافظة، وتنفيذ الخطط والبرامج المتعلقة بهذا الشأن ، وأنه منذ توليه مهام منصبه ازدادت حوادث الفتنة الطائفية الى درجة كبيرة كما أنه قام بعرقلة القرارات الجمهورية الصادرة ببناء الكنائس الجديدة " !.

بل ووصل الأمر باقباط في قنا لتدشين مجموعة علي الانترنت أسموها (اقيلوا محافظ قنا القبطي اسما "مجدي ايوب") ، ضمن غضبهم عليه ، بيد أن مجلس الدولة رفض دعوي إقالة هذا المحافظ .

فلم يستطع المحافظ السابق القبطي (مجدى ايوب) ان يحرك عجلة التنمية كما صنع اللواء عادل لبيب وخاف ان يقال عنه مسيحى فكان حساسا – كما يقول أقباط في قنا - لكل مطلب مسيحى ما أحبط مسيحى قنا الذين قالوا أنه اضطهدهم بقراراته المرتجفة وخاف ان يحقق مطالب المسيحيين – حتي ولو كانت شرعية - فيقال انه حابى المسيحيين على حساب المسلمين! .

وانعكس هذا التردد وعدم الكفاءة على كل ممارساته حتى كرهه المسلمون ايضا وصار مرفوضا من مسلمى قنا ومسيحييها على حد سواء ، خصوصا انه لم يكن من طائفة الاغلبية الارثوزكسية في الكنيسة المصرية .

تداعيات الأزمة بلا شك ستظل تحوم حول الساحة السياسية في مصر فترة ليست بالهينة ، ولكن الخوف الحقيقي هو أن تنعكس نتائجها علي انتشار وباء الرفض لكل شئ .. رفض قرارات الحكومة والمجلس العسكري ورفض أي حلول وسط .. أما الأخطر الذي يخشي الكثيرون منه ولا يعون له جيدا ، فهو أن أي أزمة مثل هذه تكون فرصة لأنصار الثورة المضادة وأصحاب المصالح الضيقة للقفز في السفينة ومحاولة تسييرها لصالحهم .

نعم من حق أبناء قنا الاعتراض بعد الثورة علي محافظهم ورفضه .. ولكن ليس من حق كل معترض علي قرار رسمي أن يقطع طرق المواصلات ويشل الحركة ويعطل حال البلاد أكثر مما هو معطل .. فالتظاهر السلمي هو من أنجح الثورة الأم (25 يناير) وليس قطع طرق المواصلات أو رفع السلاح !.

ولو كان من حسنة لهذه الأزمة فهي أنها بلا شك أرسلت رسالة واضحة للدكتور عصام شرف والمجلس العسكري أن يراعوا في الفترة الانتقالية استشارة العديد من أصحاب الشأن قبل إصدار اي قرار وعدم التسرع فيه قبل دراسته ، والأهم والأفضل تأجيل القرارات المصيرية الي ما بعد انتخاب رئيس جديد وبرلمان جديد .

أما ما يجب أن يتنبه له الجميع فهو أن هذه الازمة وغيرها تترك بقعا صغيرة علي ثوب الثورة الأبيض (ولا تدسنه) ، ومن ثم فلا يجب تضخيم تداعياتها أو استغلالها في معارك طواحين الهواء بما يلطخ ثوب الثورة بالكامل .. فهكذا تضيع الثورات النبيلة عندما يأكل أبناءها بعضهم البعض !

يكفينا ما حدث .. اقلبوا الصفحة .. وتفرغوا للتنمية فنحن مقدمون علي الإفلاس بسبب توقف الانتاج ورهان رقبة ثورتنا لصندوق النقد والبنك الدولي !.

أهم الاخبار