رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

د. شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق: الإخوان أسهموا فى تدهور الثقافة

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 17 فبراير 2021 21:11
د. شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق: الإخوان أسهموا فى تدهور الثقافةد. شاكر عبدالحميد

حوار: صابر رمضان - تصوير: مدحت ماهر

المصريون متدينون بالفطرة.. ويجب أن نحافظ على الأزهر

 

أتوقع تغييراً هائلاً فى الأدب والفن بسبب «كورونا»

 

مصر تعيش حالة «انفجار ثقافى» بعد ثورة يناير

 

لا توجد أعمال إبداعية بارزة.. ولم يظهر كاتب مثل نجيب محفوظ

 

مواقع التواصل الاجتماعى بدائل غير كافية للإبداع

 

الدكتور شاكر عبدالحميد أستاذ علم نفس الإبداع بأكاديمية الفنون وزير الثقافة الأسبق، أحد رموز التنوير فى مصر، تولى حقيبة الثقافة لمدة 150 يومًا بما يعادل 5 أشهر، عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وفى ظل أوضاع سياسية وثقافية واجتماعية مضطربة، إلا أنه عقب ترك الوزارة عاد إلى حياته الأولى مثقفًا تنويريًا يسعى لتحقيق حلمه حول دراسته الشخصية المصرية.

ولد الناقد الكبير عام 1952 بأسيوط فى قلب صعيد مصر، حصل على الليسانس فى علم النفس عام 1974 من جامعة القاهرة، ثم نال درجة الماجستير فى علم نفس الإبداع 1980، ثم حصل على الدكتوراه فى التخصص ذاته عام 1984 من جامعة القاهرة.

تخصص الدكتور شاكر عبدالحميد فى دراسات الإبداع والتذوق الفنى وله مساهمات فى النقد الأدبى والتشكيلى وعمل مديرًا لبرنامج تربية الموهوبين بكلية الدراسات العليا بحامعة الخليج العربى بالبحرين، ويعمل حاليًا أستاذًا لعلم نفس الإبداع بأكاديمية الفنون فى مصر، وشارك فى العديد من المؤتمرات والندوات، وتولى العديد من السلاسل الثقافية التى تصدرها وزارة الثقافة.

حصل الدكتور «شاكر» على جائزة «شومان» للعملاء العرب الشبان فى العلوم الإنسانية التى تقدمها مؤسسة عبدالحميد شومان بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1990م، وجائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية مصر 2003، وجائزة الشيخ زايد للكتاب فى مجال الفنون 2012 عن كتاب «الفن والعرابة».

أصدر وزير الثقافة الأسبق العديد من المؤلفات والدراسات ومنها: «اللغة وتطور الثقافة الإنسانية، الدخان واللهب، الأسطورة والمعنى، الأدب والجنون، العملية الإبداعية فى التصوير، الطفولة والإبداع، الحلم والرمز والأسطورة، التفسير النفسى للتطرف والإرهاب».

«الوفد» التقت الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة الأسبق وهذا نص الحوار:

 

 

< بداية.. باعتباركم متخصصًا فى علم النفس الإبداعى، ما تحليلك للحركة الثقافية وتوجهاتها بعد ثورتى 25 يناير و30 يونية وكيف نرتقى بسلوك المواطن المصرى ووعيه؟

- هناك بالطبع «تفجر» ثقافى بمعنى أن هناك كتابات كثيرة فى مجال الأدب والرواية والشعر، حتى الدراسات النقدية فهناك «فورة ثقافية» أى أن هناك كمًا إبداعيًا كثيرًا، لكن الكيف قليل، فى مرحلة حدثت بها تغييرات انتقالية كثيرة، وآخرها كانت تغييرات جائحة «كورونا» فتكون هناك حالة من عدم اليقين، أو حالة تبين الأمر، لكن فى الوقت نفسه هناك شباب كثيرون يكتبون وهناك كتابات جديدة وحفلات توقيع قبل «كورونا» وكثير من دور النشر الخاصة التى ظهرت، فكانت هناك حركة ثقافية أعتقد أنها إيجابية، بدرجة كبيرة لكن عندما ظهرت جائحة «كورونا» أوقفت هذا الأمر، وهناك اهتمام بالكتابات من خلال المتابعات النقدية، وليست الدراسات الأكاديمية، فالصحف المصرية والعربية والمواقع أيضاً عملت نوعًا من الرواج، لأن هناك مواقع ثقافية الآن تحتل مكانة بعض الصحف التى كانت تهتم بالثقافة بشكل أو بآخر، أى تساعدها، فالحالة الثقافية- كما قلت- بها نوع من الحركة أو «الفورة» والتدفق والكثرة لكن من حيث الكيف فليست هناك أعمال بارزة فلم يظهر كاتب كبير مثل أديب نوبل نجيب محفوظ، أو مثل الكتاب الموجودين حاليًا مثل إبراهيم عبدالمجيد، ووحيد الطويلة وأحمد عبداللطيف وطارق إمام، وهناك أسماء كثيرة يكتبون ويتواصلون لكن ليس لدينا قامات كبيرة، أما عن الارتقاء بسلوك المواطن المصرى ووعيه فيكون عن طريق ثلاثة أشياء أولها: أن نرى هل هذا السلوك كانت به جوانب إيجابية ثم تحولت إلى سلبية أم كانت هناك جوانب سلبية تحولت إلى إيجابية وماذا يريد المواطن ومتطلباته، فهناك نظرية «الإشباعات» أى لابد أن تحقق للمواطن إشباعاته، وأذكر مقولة «فرويد» عندما عرف السعادة فى كلمتين وهى «أن تعمل وأن تحب» فلدينا جزء كبير من الإشباعات أن يعمل الشباب، ثانيًا: أن يراجع الناس أنفسهم، فبعد ثورة 25 يناير كانت هناك أشياء غير طبيعية، من حيث الألفاظ والسلوكيات، فالثورة تعنى الارتقاء بالسلوك وفى الوقت نفسه يكون هناك هدف وأولويات وتراحم ومودة ومراعاة لقيم الأسرة المصرية، فنحن نحتاج إلى العودة مرة أخرى للأخلاق الحميدة، فالشارع المصرى أصبحت به مظاهر سيئة جدًا فنحن فى حاجة إلى بناء الشخصية المصرية من جديد، ليس عن طريق العودة للماضى فقط ولكن لابد من النظرة المستقبلية، من خلال الطموحات والآمال فى المستقبل وعمل دراسات عن الشخصية المصرية قبل وبعد الثورة أو عبر تاريخها، ولذلك دائمًا أؤكد أننا فى حاجة لمركز متخصص لدراسة الشخصية المصرية يكون تابعًا لرئاسة الجمهورية أو الوزراء، وأن يجمع كل الدراسات التى قدمت عن الشخصية المصرية بداية من الحملة الفرنسية، وقبلها مثل الرحالة ابن خلدون وغيره، والذين كتبوا عن الشخصية المصرية، وصولًا إلى جمال حمدان وما بعده، وحتى الآن هناك دراسات عن الشخصية المصرية داخل مصر وخارجها، فنحن فى حاجة لمثل هذا المركز حتى نرى نظرة الآخر لنا، وفى الوقت نفسه نستطيع الاستفادة فى عملية التربية والتعليم من خلال معرفة الجوانب الإيجابية والسلبية، وتنمية الجوانب الإيجابية ومعالجة الجوانب السلبية من خلال التربية والتعليم.

< فى تقديرك ما الأسباب الجوهرية التى أدت إلى تراجع دور المثقف وانكفائه على الأوساط الثقافية وتخليه عن الأوساط الشعبية.. وكيف تقرأ هذه المعضلة؟

- هذا سؤال مهم جدًا، فنحن فى حاجة ماسة لاستعادة دور الثقافة الجماهيرية، أى الهيئة العامة لقصور الثقافة، وليس المهم التسمية لكن الأهم أن تهتم بالناس، فلدينا أكثر من 500 قصر وبيت ثقافة ومركز ثقافى.. إلخ، نصفها على الأقل لا يعمل ولابد من إعادة عملها ويجب معالجة القصور والأسباب التى جعلتها تتراجع، على أن تعمل بفلسفة ورؤية جديدة، فعندما تم إنشاء هذه القصور أو المراكز الثقافية تم إنشاؤها فى ظل نظام اشتراكى فنحن الآن نعيش فى ظل نظام رأسمالى، والنظام الرأسمالى أساسه الربح أى العمل والكسب، وبالتأكيد هذا الكسب سيعود بالنفع على الفرد وأسرته وبلده ووطنه، ولذلك لابد من زيادة الدخل القومى من خلال الثقافة عن طريق أولًا: نحن نحتاج خريطة ثقافية لمصر، فهناك 27 محافظة كل منها لها خصوصيتها ضمن الوطن الكبير، فنحن فى حاجة إلى بيانات بل وإلى عمل خريطة شاملة إلكترونية «اون لاين» بحيث يتم الدخول على كل محافظة لمعرفة كل المعلومات وما يدور فيها من أحداث ثقافية، ثم تأتى الخطوة الثانية وهى الصناعات الثقافية فعلى سبيل المثال محافظة المنيا تتميز بالآثار وهى سياحة ثقافية، فنحن نريد ربط السائح بالمكان وعودته مرة أخرى، فكل محافظة تتميز بخصوصية لها ولابد من التركيز عليها ثقافيًا، وإبرازها على الخريطة الثقافية، ولابد من تشغيل الشباب فى الصناعات الثقافية، ويجب عمل مشروع ثقافى لمصر يعتمد على خريطة ثقافية، وصناعات ثقافية وتخطيط ثقافى ثم التنفيذ على أن تكون الخريطة الثقافية ماضية وحالية ومستقبلية ومن الممكن أن تتبنى الدولة مشروعًا وتدعمه وأن يقدم هذا الدعم من اليونسكو للمشروعات الثقافية للشباب وأتمنى أن يكون هناك معهد للتنشيط الثقافى وتطوير المواقع الثقافية الموجودة، فهيئة قصور الثقافة تعمل بشكل تقليدى، فلابد من تغيير التوجهات، التفكير، الفلسفة، والتدريب، وفى الوقت نفسه من الضرورى وجود صناعة ثقافية جديدة لمصر، ولابد للثقافة والفن أن يرتبطا بالاقتصاد وينبغى وجود مدن للسينما والفنون التشكيلية، ومدن لصناعة النشر يسهم فيها القطاع الخاص مع الدولة، ونحن نحتاج لهذه الأمور جميعًا، وغير ذلك فنحن نعمل بشكل تقليدى.

< خمسة أشهر كوزير للثقافة بما يعادل 150 يومًا ماذا استفدت من هذه التجربة، وهل تقبل المنصب إذا عرض عليك مرة أخرى؟

- لا أحد يرفض هذا المنصب، فهذا شرف كبير فى خدمة الوطن، وعلينا أن نتحمل مسئوليتنا جميعًا سواء كنا فى الوزارة أم خارجها، أما فترة عملى كوزير فقصر المدة لم يساعدنى على تنفيذ خططى وأهدافى، وأعتقد أن الأداء كان يمكن أن يكون أفضل لو كنا وقتها فى حالة استقرار، فقد تحملت المسئولية

فى فترة عصيبة شهدت أحداثًا ومظاهرات فى ظل أحداث الثورة التى خرجت عن أهدافها، فكان العمل غير مناسب لتنفيذ الخطط والبرامج، إلا أننا استطعنا فى هذه الفترة إعادة بعض الأنشطة المتوقفة مرة أخرى مثل معرض الكتاب، الذى استضفنا فيه عددًا من الوفود الأجنبية، وأقمنا أيضاً مهرجان فنون الطفل وهو دولى أيضاً، وعقدنا مؤتمرًا دوليًا بعنوان «الثورة والثقافة» خلال الخمسة أشهر وافتتحنا فى هذه الفترة عددًا من قصور الثقافة ومسرح بيرم التونسى بالإسكندرية ومسرح الهناجر، إلا أن أفكارى نفسها لم تنفذ بعد لقصر الفترة، فقد كانت فترة عملى عبارة عن حل للمشكلات فى كافة قطاعات الوزارة فى ظل وجود ائتلافات وثوار حتى تسير العجلة مرة أخرى.

< وماذا عن كواليس فترة رئاستكم لوزارة الثقافة فى ظل وجود جماعة الإخوان داخل البرلمان، وكيف كان يتعامل أبناء «البنا» مع ملف الثقافة؟

- كانت هناك خطة لدى الإخوان عملوا على تنفيذها بطريقتين، الطريقة الأولى عن طريق إرباك الدولة بشكل عام، حتى أنهم كانوا يطالبون بإقالة الدكتور كمال الجنزورى رئيس الوزراء - آنذاك- وعندما ألقى بيان الحكومة سخطوا عليه وكانوا يتصيدون الأخطاء ويقدمون استجوابات فى البرلمان لأقل شىء، والتركيز على الجانب السلبى فقط، أما الطريقة الثانية فكانت الإرباك أيضاً من خلال لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب التى كان يحركها القيادى الإخوانى محمد البلتاجى، وكنا نحاول فض اشتباكات كثيرة، للمطالبة بتعيينات البعض، والمطالبة بتولى بعض رئاسة وعضوية اللجان، فكانوا يريدون مناصب خاصة بهم، وكنا نحاول أن نمسك العصا من المنتصف حتى نبتعد عن التصادم معهم، وحتى بعد أن تولوا سدة الحكم فى مصر أسهموا فى تدهور الثقافة إسهامًا كبيرًا، مما أدى لانكماش العقلية المعرفية للوطن، وهو ما يتفق مع طبيعتهم الاتباعية التى تقوم على السمع والطاعة وأسلوب القطيع الذى يتلقى التكليفات وينفذها حرفيًا دون تفكير أو دراسة.

< ما تبريرك لحالة العنف التى يشهدها المجتمع المصرى من فترة لفترة وهل للخطاب الدينى علاقة بذلك؟

- لا نستطيع أن نقول إن الخطاب الدينى وحده هو سبب حالة العنف، لكن البعض لديه حالة إحباط نتيجة الظروف الصعبة التى يحياها، فمن أهم دوافع العنف هو الإحباط.

< كيف يمكن فض الاشتباك بين الأزهر والمثقفين خاصة فى عقوبة ازدراء الأديان حتى لا يقع طرف فى شرك ذم الطرف الآخر؟

- الأزهر مؤسسة إيجابية لابد من الحفاظ عليها، لكن ينبغى أن يحافظ هو على نفسه، بمعنى أن يطور نفسه، فهناك بعض القضايا الهامشية مثل قضية موتى «كورونا» وهل هم شهداء أم لا؟ والسجال الدائر بين العلماء فى هذه القضية، فهناك حالة انشغال بقضايا فرعية، لكن لابد أن يناقش قضايا أخرى جادة مثل مساعدة الناس والشباب وإيجاد فرص عمل وخلق حالة تسامح ومودة ورحمة بين الناس، وحث القادرين على عمل مشروعات خيرية بدافع الإنسانية بعيدًا عن السياسة، فهناك أموال كثيرة فى الأزهر والأوقاف يجب استغلالها فى عمل مشروعات ولا يجوز أن يكون إنتاج هذه المؤسسات مجرد كلام، وفتاوى وصراعات، فأنا ضد أن يستضيف كل مقدم برامج أحد المشايخ فى برنامجه فقط، وتهميش المثقفين ورجال الاقتصاد والخبراء فى المجالات المختلفة، وكأن الناس فاسدون ومارقون ويحتاجون إلى الهداية من هؤلاء المشايخ، فالشعب متدين بفطرته ويعرف الصواب والخطأ والحلال والحرام.

< إذا كنا ننادى بتجديد الخطاب الدينى ومع ذلك يرى البعض فشل هذه الدعوة حتى الآن فما رأيك خاصة أنك صرحت من قبل بأن المؤسسات الدينية ترفض التجديد وأن المسلمين لم يقدموا شيئًا مفيدًا للإنسانية منذ 3 قرون؟

- فى رأيى أن تجديد الخطاب الدينى يحتاج إلى جهد كبير من المجتمع بالكامل وليس الأزهر وحده وعلينا أن ندرك أن المؤسسات الدينية بطبيعتها وبحكم تكوينها مؤسسات محافظة، تقاوم التجديد لأن لديها ثوابت ترفض الخروج عليها لأن فى ذلك هدمًا للدين ونزعًا لسلطاتها، لذلك الخطوات بطيئة فى هذا الاتجاه، لأنها ترتكز على الماضى ولا ترغب فى الخروج عنه، وفى رأيى فإن التغيير لن يحدث إلا إذا بدأنا على مستوى الأسرة والمدرسة أولًا. كما أننا عزلنا الخطاب الدينى عن الثقافى، رغم أن الدين جزء من الثقافة، وأرى أنه لا يمكن تجديد الخطاب الثقافى أيضاً وتحقيق نهضة فى ظل تعليم «متخلف» يستند إلى التلقين والحفظ والدرجات النهائية والتسميع والدروس الخصوصية، فإذا كنا نعمل على بناء شخص نمطى تقليدى لا مبدع فمن المؤكد أنه سيقاوم التجديد ويرفضه، وبالفعل المسلمون لم يقدموا شيئًا مفيدًا للإنسانية منذ أكثر من 12 قرنًا وليس 3 قرون، فعلى سبيل المثال كاميرا التصوير إذا علمنا أنها ظهرت فى فرنسا عام 1839، وأنها قامت فى البداية على تجارب واختبارات على الضوء، وهذه التجارب بدأت عندنا فى بلادنا العربية والإسلامية على يد الحسن بن الهيثم سنة 1100م، أو قبل ذلك، فقد مكثنا ثمانية قرون حتى ظهرت الكاميرا، فماذا قدمنا خلال هذه القرون الثمانية، لم نقدم إنتاجًا، وعندما ظهرت كاميرا فن التصوير فى فرنسا على يد شخص اسمه «داجير» وأعلن أنه اكتشف التصوير الفوتوغرافى تغيرت الدنيا فظهر فن الإعلانات، أيضاً دخلت كاميرا التصوير فى الطب والقانون والدراسات الثقافية، ثم بدأ التفكير فى كاميرا الفيديو، حتى وصلنا للسينما عام 1895 فى فرنسا ثم التليفزيون، كل هذه الاختراعات بدأت من التصوير الفوتوغرافى البسيط، فهذا اختراع بسيط غير شكل الحياة وخلق مهنًا كثيرة، وفى مصر عندما دخل التصوير الفوتوغرافى بعد فرنسا بفترة بسيطة، وفى أوائل القرن العشرين بدأت كاميرات التصوير تباع فى الصيدليات فقد كانت الأحماض الخاصة بها تباع معها، فالتصوير الفوتوغرافى أدى إلى تطوير الكيمياء أيضاً، وإذا نظرنا وجدنا أن التصير الفوتوغرافى ظهر فى فرنسا، والكمبيوتر فى إنجلترا، والتليفزيون ظهر فى أمريكا، فماذا قدمنا نحن؟ فنحن نتحدث عن التكنولوجيا التى غيرت الحياة وخلقت وظائف وأدرت أمولًا، فالمطلوب منا أن نفكر بطريقة إبداعية جدية مفيدة حتى نسهم فى تقديم مثل هذه الاختراعات.

< فى رأيك ما الذى سيتغير فى إبداع ما بعد جائحة «كورونا» وهل تتوقع انتهاء الجائحة وهل ستخلد فى تاريخ الأعمال الفنية والأدبية؟

- بالتأكيد سوف تنتهى الجائحة مثلما مرت جائحات كثيرة على العالم من قبل، ففى القرن الرابع أو الخامس مرت جائحة فى إيطاليا على جزيرة «سردينيا» وكان بها 350 ألف نسمة ماتوا جميعًا، كما أن تاريخ العالم ملىء بالجوائح ولكن ليس بهذه الشدة والقسوة، فقد كانت الجوائح السابقة معروفًا أسبابها مثل الفئران أو الطاعون، لكن جائحة «كورونا» لم يعرف حتى الآن السبب، فـ«كورونا» جائحة غامضة لا ترى ولكنها تؤثر على العالم أجمع، وسببت رعبًا كبيرًا، ومن الممكن أن نطلق عليها «كورونا ما بعد حداثية» فالحداثة شىء محدد، فهناك تغير حتى أن الفيروس يتحور مع نفسه، والثقافة دورها أن ترصد الحالة الإنسانية، فالفن والثقافة يرصدان الحالة الإنسانية أو الشعور الإنسانى، مشاعر الناس بين

بعضهم البعض، وأفكارهم وإحساس الخوف، كل هذا يحتاج إلى أعمال أدبية تسجل هذا الخوف وترصده، لكن الأحداث الكبيرة تحتاج إلى وقت حتى يتم تأملها، فلا يوجد مثلًا عمل أدبى عظيم تمت كتابته عن 25 يناير رغم مرور 10 سنوات، على هذه الأحداث، بل الأكثر من ذلك هل هناك عمل عظيم تمت كتابته عن حرب أكتوبر، لا يوجد، فكل هذه الأحداث تحتاج إلى تأمل وتفكير وحماس، وواقعية، أما عن تأثير هذه الجائحة فى شكل الأدب والفن، فبالتأكيد سوف تؤثر، فسيكون هناك اهتمام أكثر- من وجهة نظرى- بحالة الخوف وعدم اليقين وحالة الشك والرعب، فحالة الغموض الحالية تحتاج إلى أعمال عظيمة ولذلك أتوقع تغيرًا هائلًا فى الأدب والفن والثقافة بشكل عام بسبب هذه الجائحة.

< هل فكرت فى كتابة عمل أدبى عن هذه الجائحة؟

- كتبت دراسات ثقافية وفكرية، ولم أكتب إبداعًا مثل الروايات، فقد كتبت ما يقرب من خمس مقالات، واقترحت مصطلحًا اسمه «ما بعد الكورونيالية» لأن هناك مصطلحًا يسمى «ما بعد الكولونيالية» أى ما بعد الاستعمار، والمقصود بمصطلح «ما بعد الكورونيالية» ليس فقط ما بعد انتهاء «كورونا»، لكن منذ أن ظهرت «كورونا» إلى ما بعدها فقد أثرت على العالم، بالإضافة إلى أنها عندما تنتهى ستترك أثرًا كبيرًا، فصناعة النشر تأثرت، وتوقفت غالبية المعارض وأوقفت معظم الفعاليات الثقافية، بالرغم من أن هناك بدائل فى الـ«اون لاين» لكن هذا لا يغنى عن التفاعل الحقيقى، فـ«السوشيال ميديا» ستبقى بدائل غير كافية فى الإبداع، ففى انجلترا- كمثال- هناك أربعة ملايين فرد كانوا يعملون بالثقافة والفن تأثروا ماديًا بسبب جائحة «كورونا»، وقدرت الخسائر بأكثر من مائة مليار دولار، معظمها من السياحة الثقافية، فالدنيا تغيرت بالفعل، فقد أغلقت المتاحف ودور العرض والمصانع وتوقفت حركة الطيران حتى دور العبادة أغلقت فماذا يفعل الناس فى هذه الحالة وما إحساسهم ومشاعرهم؟، فلابد أن تكون لدينا أفكار وأولويات، ولابد أن يكون لدينا بنك أفكار إبداعية لمواجهة الكوارث بالابتكارات، فهناك بعض الدول منحت دعمًا للمشروعات الصغيرة والإبداعية للشباب بمعنى أنه لو كانت هناك مشروعات لصنع سجاد أو منسوجات أو سيراميك أو غيرها من الصناعات لكان ذلك أفضل، كان من الممكن أن نمنحهم دعمًا ويتم عرض منتجهم ونسوق له، وأن يكون هناك أيضاً دعم للشباب لتجهيز مسرحيات وأفلام، أيضاً لابد أن يكون هناك صندوق لدعم الثقافة والفن فى هذه الفترة.

< الإلحاد توغل فى قلب بعض الشباب فهل ترى أنهم ضحايا أم جناة وما دوافع ذلك؟

- هناك دوافع للإلحاد، فهناك شباب ألحدوا نتيجة التأثر بمواقع التواصل الاجتماعى، فقد أثرت على السلوك الإنسانى بشكل عام بما فيه السلوك الدينى، لأنه يرى نماذج خارج الواقع الذى يعيش فيه ويرى أنها تعيش حرية كبيرة، ومن الممكن أن تحقق إشباعات له، فيحاول الاقتداء بهم، وبعضهم يكون لديه نوع من السخط على الواقع الذى يعيشه ولديه نوع من اليأس والإحباط، وأعتقد أن هناك تقصيرًا ثقافيًا ودينيًا وإعلاميًا مما أدى لحدوث نوع من اللامبالاة عند هؤلاء الشباب، وهذه الحالة تجعل سلوكه يتحول إلى حالة من العدمية التى تقوده للإلحاد، فضلًا عن غياب دور الأسرة واهتزاز الثقة فى الوالدين، وعدم وجود قدوة، لكن من وجهة نظرى فإن الإلحاد مرحلة ليست دائمة، فكثير من الناس كانوا ملحدين فى فترة من فترات حياتهم، لكنهم أصبحوا متدينين جدًا، فالإلحاد نوع من التفكير الفردى وليس ظاهرة اجتماعية، فهو ليس ظاهرة فى المجتمع المصرى، بل على العكس هو ظاهرة مرفوضة ومنتقدة، فالإيمان جزء من العقيدة أو التكوين المصرى، فهى ظاهرة تحتاج إلى دراسات من مراكز البحوث الاجتماعية والجنائية ومراكز الجامعات لبحث أسبابها، فهناك أسباب ودافع كثيرة لها، وفى أى المراحل السنية تأتى أكثر، وهل تكون أكثر فى الذكور أم الإناث، ولماذا زادت فى هذه المرحلة أكثر من ذى قبل أم أنها كانت موجودة لكنها غير معلومة.

< هناك لغط حول الهوية المصرية وهل هى إسلامية أم فرعونية قديمة أم خليط من الجانبين؟

- هى مركب من كل هذا، فيها جانب فرعونى وآخر قبطى وثالث إسلامى وبها جانب معاصر، وفيه جانب مرتبط بأفريقيا، وآخر مرتبط بالثقافة العربية، فيها جانب يرتبط بثقافة البحر المتوسط، ومن وجهة نظرى هذه التركيبة هى التى تمثل الهوية المصرية، تركيبة خليط أو مزيج مركب من مصادر ومنابع كثيرة، لكن فيها تكوين خالص ليس موجودًا فى أى شىء من هذا كله، فالهوية المصرية لا نستطيع القول إنها فرعونية أو قبطية أو إسلامية فقط فهى خليط «جشتالطى» فهناك مدرسة فى علم النفس تسمى مدرسة «جشتالط» وهى كلمة ألمانية تعنى الصيغة الكلية، وهى أكبر من العناصر الفرعية، فالشخصية المصرية هى صيغة كلية أكبر من هذه المكونات، وهذه الصيغة الكلية هى التى تمنحها تميزها.

< كيف ترى حركة الترجمة فى مصر وهل ترجمة الأدب العبرى تعد تطبيعًا؟

- هناك رواج فى الترجمة فى مصر، مصدره ثلاثة أشياء، الشىء الأول.. لدينا المركز القومى للترجمة وقد كانت هناك مشروعات للترجمة فى السابق مثل «الألف كتاب» وبالتأكيد فإن مركز الترجمة- الذى أسسه الدكتور جابر عصفور قدم جهدًا مميزًا، ثانيًا أن هناك مشروعات للترجمة فى الوطن العربى مهمة مثل مشروع «كلمة» فى الإمارات، وهناك مشروع الشيخ محمد بن راشد فى دبى، وهناك مشروعات كثيرة فى المملكة العربية السعودية، وهناك دور نشر، وهناك مشروع للترجمة فى قطر، ومشروعات فى المغرب والجامعة العربية وهناك جوائز للترجمة، وكل هذا أحدث رواجًا بنسبة كبيرة، أيضاً فإن أكبر عدد من المترجمين فى الوطن العربى من مصر، فالترجمة مهمة جدًا لأنها تعطينا معلومات عما يحدث فى العالم حولنا والثقافات الأخرى، وأحدث الأفكار الموجودة فى العالم.. إلخ.

أما بالنسبة لترجمة الأدب العبرى، والتطبيع، فهناك أمران، أنهم يأخذون الأعمال ويترجمونها ولم نعرض عليهم أعمالنا، فإذا حدث ذلك فهذا تطبيع، وبالعكس نحن لا نعلم عنهم شيئًا، وبناء على ذلك نحن فى حاجة لترجمة أدبهم حتى نتعرف على أفكارهم، ونحن ضد التطبيع حتى تعود حقوق الشعب الفلسطينى كاملة، أما ترجمة الأدب والسياسة والاقتصاد فتأتى من باب المحاولات لمعرفة الآخر.

< يرى البعض أن السينما المصرية تراجعت فى الفترة الأخيرة فما السبب؟ وهل يعود هذا إلى عدم وجود نصوص أم الدعم المادى؟

- أعتقد أن الدعم المادى هو السبب، فهناك نصوص كثيرة ولدينا روائيون كبار كثيرون من الممكن أن تؤخذ أعمالهم سواء من الكتاب الحالين أم القدامى، فتاريخ الرواية فى مصر مهم جدًا ومزدهر، وهناك كتاب للسيناريو، فالكتابة أو النصوص ليست المشكلة، لكن المشكلة هى التمويل لأن الأفلام تتكلف- ولابد من وجهة نظرى- أن تعود الدولة لدعم السينما، فأنا أرى أنه من الضرورى تحويل الثقافة إلى صناعة ثقافية إبداعية، فحين كنت وزيرًا كنا نبذل جهدًا كبيرًا مع الدكتور فايزة أبوالنجا وزيرة الاستثمار والتعاون الدولى وقتها، وكانت متحمسة جدًا لدعم السينما المصرية من الخارج والداخل من خلال القروض دون فوائد، وفى الوقت نفسه كانت الدولة تقدم 20 مليون جنيه للمركز القومى للسينما لتشجيع الأفلام القصيرة والطويلة والروائية، وكان هناك تنوع، فالثقافة تزدهر بالتنوع من خلال السينما أو غيرها والمسرح والغناء والموسيقى.

< فى ظل الأخطار التى تتعرض لها الأمة العربية ألا ترى أننا فى حاجة ماسة إلى مشروع ثقافى موحد كبداية للوحدة الشاملة بين كل أقطابها أم أن هذا أمل لن يتحقق؟

- بالعكس.. هذا أمل مهم جدًا، وأعتقد أنه ينبغى أن نبدأ به لإعادة الوحدة- ليست بالمعنى السياسى- بل بإعادة الوحدة الثقافية العربية، ولذلك أرى أن الثقافة هى الأمل فى توحيد الشعوب، فعندنا ثقافة مؤتمرات عن الرواية والموسيقى والشعر أو معارض الفن التشكيلى أو أسبوع ثقافى، كل هذا يصب فى توحيد الشعوب ويحدث تقاربًا بينها، فنحن الآن نعيش حالة تباعد لأسباب ربما تكون سياسية أو اقتصادية أو خليطًا منهما، لكن الثقافة هى التى توحد الشعوب، فنحن فى حاجة إلى مشروع ثقافى عربى ضرورى وأرى أن يبدأ من مصر.

< أخيرًا.. ماذا عن مشروعك الفكرى الذى تحلم به وكتاباتك المقبلة؟

- كان لدى مشروع ثقافى مصرى متكامل، يتعلق بالصناعات الثقافية الإبداعية والهدف منه أن تخرج الثقافة من دائرة الترف والتسلية إلى أن تكون جزءًا حيويًا من الاقتصاد المصرى لرفع مستوى المواطن بالثقافة، فكنت أحلم أن تتحول كالصين وأمريكا وإندونيسيا، فالثقافة فى هذه البلاد ليس أدابًا وفنونًا وفرق مسرحيات، بل إنها تمثل دخلاً حقيقيًا كبيرًا، وتقدم من خلال نحو 16 صناعة تشكل الصناعات الإبداعية الثقافية وتتداخل فيها الآثار وصناعة الكتب والنشر والفنون التشكيلية والمسرح والسياحة، ولذلك أرى أننا فى حاجة لمنظومة حكومية متكاملة بالتعاون مع القطاع الخاص لخلق مشروع ثقافى حقيقى بهوية مصرية لم نر مثل هذا المشروع منذ عهد الراحل الدكتور ثروت أباظة وزير الثقافة الأسبق.

أما عن مؤلفاتى مؤخرًا فقد انتهيت من ترجمة كتابين أحدهما عن الثقافات الصناعية والإبداعية سيصدر فى سلسلة «عالم المعرفة» بالكويت، وثانيًا كتاب «الثروة الإبداعية للأمم» مثل كتاب آدم سميث «ثروة الأمم» وأركز فيه على الثقافة والصناعات الثقافية وكيف أن الدولة تستفيد من الملكية الفكرية أو الموسيقى والمسرح والسينما وفنون الأداء وكيف تفيد فى التعافى ما بعد الأزمات، فمثلاً مدينة «ووهان» بالصين بها صناعات ثقافية كبيرة جدًا، فأكبر شركة للصناعات الثقافية فى الصين مركزها فى «ووهان» وهى المدينة التى ظهر فيها فيروس الكورونا وأدى إلى مقتل 200 فرد فى يناير، والآن أصيب أكثر من 87 مليوناً جراء هذا الفيروس، ثانيًا كتاب ترجمته عن «العلاج بالفن للأطفال» مرضى التوحد أو الفصام أو الاضطرابات وكيف يتم علاجهم بالفن وهو كتاب لمؤلفة أمريكية ظلت 40 سنة تعالج الأطفال بالفن وهذه أعمال انتهت، أما الأعمال التى أعمل فيها الآن فهناك كتاب عن «الكورونا والثقافة»، والمشروع الذى أتحدث فيه دائمًا كتاب عن «الشخصية المصرية».

أهم الاخبار