رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدكتور محمد السيد الجليند فى حوار مع الوفد

الصهيونية العالمية..وراء أزمات المنطقة العربية

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 15 أكتوبر 2020 19:52
الصهيونية العالمية..وراء أزمات المنطقة العربية
كتب: صابر رمضان

مهاجمو السنة فئة تردد مقولات المستشرقين

تيار التشدد يكتفى بحفظ الألفاظ ولا يفهم روح النص

تجديد الخطاب الدينى واجب شرعى لحل المشكلات المعاصرة

الحضارة الإسلامية وازنت بين الجانبين المادى والروحى

 

 

ولد الدكتور محمد السيد الجليند بقرية «منشية الأمراء» بمركز المحلة الكبرى وحفظ القرآن فى كُتّاب القرية، ثم التحق بالمعهد الأزهرى فى مدينة سمنود، حتى حصل على الثانوية الأزهرية.

التحق بدار العلوم وتخرج فيها عام 1967م، ثم حصل على الماجستير عام 1971، وكان موضوع الأصالة هو «الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل»، ثم حصل على درجة الدكتوراه وكان عنوان الرسالة «قضية الخير والشر فى الفكر الإسلامى المعتزلة والأشاعرة نموذجا وضمت لجنة المناقشة وشيخ الأزهر وقتها الدكتور محمد بيصار عام 1975، ثم عمل «الجليند» مدرسًا مساعدًا ثم أستاذًا مساعدًا فأستاذًا، وتولى رئاسة قسم الفلسفة عام 1987، وتولى رئاسته مرة ثانية فى التسعينيات من أواخر القرن العشرين.

«الجليند» عضو الجمعية الفلسفية المصرية وأمين عام اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة فى الجامعة المصرية وعضو محكم فى الجوائز العالمية وعضو أمانة الجائزة الدولية لوزارة الأوقاف بقطر، وعضو لجنة المؤتمرات فى رابطة العالم الإسلامى.

قدم المفكر الكبير العديد من المؤلفات التى أثرت المكتبة الإسلامية ومن أهمها «سلسلة تصحيح المفاهيم» وأبرزها «مفهوم السياسة الشريعة بين الدولة الدينية والدولة المدنية» و«من قضايا التصوف فى ضوء الكتاب والسنة» و«من قضايا الفكر الإسلامى فى مواجهة التغريب واستلاب الهوية»، «خلل فى مسيرة الأمة»، «الوحى والإنسان.. قراءة معرفية».

«الوفد» التقت الدكتور محمد السيد الجليند، وهذا نص الحوار:

 

< بداية.. واقع الأمة الإسلامية يشغل عقول الكثيرين، إلى أى مدى تعانى من التخلف الحضارى عن مواكبة العصر.. ترى ما أسباب ذلك من وجهة نظركم؟

- لا شك أن هذه القضية شعلت عقول المفكرين المعنيين بهموم الأمة منذ وقت بعيد فلم يغب عن عقول أبنائها البحث والتساؤل عن الأسباب التى أدت بالمسلمين إلى هذا الواقع المرير، فشغل بها مفكرون كبار منذ القرن التاسع عشر وربما قبل ذلك بكثيرة وحاولوا طرح العديد من الأسئلة عن أسباب هذا الواقع المؤلم فكتب رشيد رضا وشكيب أرسلان مثلًا عن أسباب تخلف المسلمين وغيرهم، وحد كل فريق يتلمس الأسباب انطلاقًا من تشخيصه لنوع الأزمة التى تعانى منها الأمة، وهل أسباب هذه المعاناة هو تدهور الاقتصاد بسبب إحكام قبضة الاستعمار على مقاليد الحركة الاقتصادية فى وسائل الإنتاج وسوق الاستهلاك؟ أم سوء الوضع السياسى فى المجتمع العربى، أن تعود إلى الجهل وتفشى الأمية مما ترتب عليه ضياع حقوق المواطن وتغيب إرادة الأمة أم تتجسد هذه الأسباب فى وطأة الاستعمار وإحكام قبضته على المنطقة، خاصة بعد أن توطنت الصهيونية فى المنطقة وأخذت تمد خيوطها العنكبوتية إلى أصحاب القرار السياسى فى العالم الإسلامى بأسلوب الترغيب أحياناً وأسلوب الترهيب أحياناً أخرى؟ ولا يخفى على من يتابع ما يجرى فى المنطقة من الحرب العالمية الثانية أن هذا السبب قد يكون له الحظ الزور بين الأسباب السابقة فى تدهور الوضع فى المنطقة العربية إلى الحد الذى وصلت إليه.

ومن يستدعى تاريخ أمتنا سوف يعرف كيف اجتازت الأمة المنحنيات فى مسيرتها بروح قوية وعزيمة لا تعرف الكلل ابتداء من تاريخ الحروب الصليبية إلى حروب أكتوبر المجيدة، مرورًا بدورات ومنحنيات بعضها يمثل الانكسار والهزيمة والبعض الآخر يمثل الانطلاق والبطولة والانتصار وهذا هو شأن الأمم والحضارات فلا يخلو تاريخ أمة من فترات الانكسار والهزيمة ولكن الأمم الناهضة هى التى تعرف كيف يتحول الانكسار على يد أبنائها إلى زاد ومشاعل تضىء لها الطريق إلى النصر والنهوض فالعبرة التاريخية ينبغى أن تكون هى الدرس المستفاد من وقائع التاريخ بدلًا من الانكفاء على الذات واجترار الأحزان، وتبقى الركيزة الأساسية فى نهضة كل أمة وبناء مستقبلها هى إرادة الأمة، إرادة التحدى للواقع، إرادة النهوض وتحاوز هذه الأزمات وهذه الإرادة ينبغى ألا تتحمل مسئولية النهوض بها جهة واحدة ولا جهة ثقافية معينة ولا طرف معين من أطراف البناء الاجتماعى للأمة، إنها مسئولية الأمة كلها أفراد وجماعات، حكام ومحكومين، مثقفين وعوام، لأن الخطر الذى يواجه الأمة لا يعرف الاستثناء أو الاختيار، فلابد أن يسهم كل فرد فى البناء بما يستطيع.

< أيضاً من الأمور التى أصابت الأزمة أيضاً الخلل فى «فقه الاعتقاد» فكيف تقرأ هذه القضية؟

- نعم.. من الأمور التى كان لها دور كبير فى واقع الأمة الإسلامية هذا الخلل الخطير الذى أصاب الأمة فى فهم عقيدتها والوقوف بهذه العقيدة عند مجرد ترديد الشهادتين وإقامة الشعائر الدينية دون ترجمة لهذه العقيدة ولا لمفرداتها إلى واقع يعيشه المسلم فى صباحه ومسائه، يحيا به المسلم سحابة نهار وسواد ليلة، وكيف اقتصر حظ المسلم من دينه على هذه الأمور النظرية والمظهرية معًا، دون أن تملأ هذه العقيدة على الملم حياته كلها فتشغل قلبه وتحرك جوارحه تحت مظلة الاعتقاد الصحيح علمًا وعملًا، اعتقادًا وسلوكًا، على نحو ما كان عليه المسلمون يوم أن سادوا نصف المرة الأرضية فى أقل من قرنين من الزمان.. ولا يمكن أن تكون نهضة الأمم وحضاراتها- أية أمة- سادت أو قامت دون أن يكون الدافع والمحرك لها فى نفوس أبنائها وفى عقولهم عقيدة واعتقادًا، أن هذا الأمر لم تخل منه حضارة أى أمة على ظهر الأرض، مهما كان اعتقادها وعقيدتها صحيحة أو باطلة مقبولة فى العقل أو مرذولة فإن العقيدة ودورها فى نهضة الأمم سنة من سنن التاريخ، ومن ينظر فى الحضارة الإنسانية قديمها وحديثها لا يجد أمة نهضت وقامت لها حضارة إلا كان الدافع لذلك والمحرك له اعتقاد أبنائها.

< وماذا عن الحضارة الأوروبية وهل لديها هذا الاعتقاد بالرغم من أنها حضارة علمانية؟

- إياك أن تغتر بزخرف القول الذى يردده البعض عن الحضارة الأوروبية أنها حضارة علمانية لا دين لها ولا عقيدة، فإن ذلك من خلل الرأى الذى استقاه البعض من ظواهر شكلية تطفو على السطح أحياناً فى الكتابات والسلوك الأوروبى، والواقع أن هذه الحضارة مسكونة بعقيدة تحركها على محاور متعددة لتحقق بذلك مقاصد وغايات تبنتها الحضارة الأوروبية قديمًا ومازالت تحركها إلى الآن، ولعل من أبرز هذه العقائد الأوروبية هو التفوق والعنصرية الآرية الذى صرح به أفلاطون وأرسطو قديمًا وصرح به رينان ووزير خارجية إىطاليا حديثًا، أيضاً مركزية الحضارة الإنسانية التى طفحت بالتعبير عن كتابات المستشرقين، بالإضافة إلى نفى الآخر وعدم الاعتراف به، وهذه الركائز الثلاث تتبناها السياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية وجسدتها فى قالب العولمة الذى تروج له الآن، والحضارة الإسلامية ليست بدعًا فى ذلك، فإن المحرك الأساسى لبنائها ونهضتها كانت وستظل هى العقيدة الإسلامية باعتبارها العامل المحرك للمسلم ليعمل ويكد، وللعالم المسلم ليبحث ويكتشف، وللحاكم المسلم ليقيم العدل ويسوس الحق، وللغنى المسلم ليأخذ بيد الفقير والمسكين، لأن الكل يستظل بعقيدة تجعل منه خليفة لله فى أرضه، وأمينًا على كونه، يعبده العالم فى محراب العالم، كما

يعبده الساجد فى محراب الكعبة، ويوم أن فقه المسلمون عقيدتهم على هذا النحو سادوا الدنيا وعمروها بالعلم فهل لنا أن نفقه عقيدتنا على نحو عملى كما كان عليه الأولون دون الاكتفاء منها بالشكليات والمظهر.

< «من أخذ بأسباب النصر لابد أن ينتصر حتى لو كان غير مسلم»، مولة راسخة كيف تطبق ذلك على الخلل فى مسيرتنا الحضارية؟

- أن من عوامل الخلل فى مسيرتنا التاريخية أننا أغفلنا تماما عقيدة الأخذ بقانون السببية أو الاعتقاد بالسببية على أنها دين وعقيدة وسنة من سنن الله فى الكون، وأن القرآن الكريم قد نبه إلى أهميتها وضرورة الإيمان بها على أنها نظام ثابت فى الكون ونظام مطرد ولا يتخلف أبدا إلا لتحقيق مشيئة الخالق سبحانه وتعالى عند إظهار المعجزة على يد النبى صلى الله عليه وسلم، تصديقًا له وتأييدًا لرسالته ألا فليعلم المسلم أن عصر الرسالات قد انتهى وختم بإرسال نبينا ومعلمنا محمد صلى الله عليه وسلم، وليعلم المسلمون أيضاً أن عصر المعجزات قد انتهى بوفاته ومن دلائل الإيمان به والتصديق برسالته أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن سنن الله ماضية ومطردة لا تتخلف وإن من طلب النهضة بغير الأخذ بالأسباب فقط طلب المستحيل، قال تعالى: «قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» (آل عمران: 137)، وللأسف الشديد فإن المسلمين قد أهملوا تمامًا الإيمان بعقيدة السببية فلم يعتبروها فى مسيرتهم التاريخية ولم يعتبروا بسنن الأولين كيف قامت الحضارات ولماذا اندثرت وكيف قامت الممالك؟ ولماذا انهارت لغيابهم عن الاعتقاد بأن سنة الله جارية لا تتخلف أبدًا، فمن أخذ بأسباب النهضة لابد أن ينهض مهما كان دينه واعتقاده حقًا أو باطلًا صوابًا أو خطأ ومن أهمل هذه العقيدة فلم يأخذ بها لابد أن يجنى ثمرة هذا الإهمال تخلفًا وهزائم وهوانًا ومذلة ومن ينظر بطرفه فى الأمم الناهضة فى عصرنا يتعلم منها كيف أخذت بأسباب النهضة فنهضوا مع أن منهم من يعبد البقرة- حتى الآن- ومنهم من يعبد النار- حتى الآن- ومنهم من لا دين له لنعلم من ذلك أن عقيدة السببية دين والتزام نبهنا إليها القرآن وحذر من إهمالها، فإذا أردنا النهضة فعلينا أن نبحث عن أسبابها النفسية والروحية والمادية لتستقيم مسيرة النهوض.

< هل هناك علاقة بين أخلاقيات الأمم والشعوب ومنطلقاتها الحضارية، وما أهم خصائص الأخلاق الإسلامية فى رأيكم؟

- بكل تأكيد هناك علاقة وثيقة بين أخلاقيات الأمم والشعوب ومنطلقاتها الحضارية، حيث تتجسد فى مجموعة القيم الأخلاقية للأمم خصائص حضارتها التى تميزها عن حضارة غيرها من الأمم الأخرى فالحضارة الغربية، مثلًا يغلب عليها الطابع المادى الذى يتمثل فى إشباع حاجة الجسد وتحقيق رغباته، بينما تختفى منها- أو تكاد- مظاهر الاهتمام بالجانب الروحى والعمل على إشباع حاجاته الفطرية، مما ترتب على ذلك انفصام فى شخصية الفرد، حيث تتحقق للجسم المادى كل رغباته الحسية وأهل الجانب الروحى تمامًا، وفانتشرت بينهم ظواهر الانتحار والإحساس بافتقاد معنى الحياة، وضياع قيمة الوجود وغايته، أما الحضارة الإسلامية جاءت على النقيض من ذلك تمامًا، حيث اهتمت بالجانب الروحى والمادى معًا فلم تجعل لأحد الجانبين غلبة على الآخر، فعرفت للجسم حقوقه ولم تهمل الجانب الروحى بل اعترفت به وبأثره فى توجيه السلوك الإنسانى نحو غاية أخلاقية مطلوبة تتوازن فيها حاجات الجسم والروح معًا، ومن أهم الخصائص التى تتميز بها الأخلاق الإسلامية أنها تستمد قوة الالتزام بها من قوة الإيمان بالعقيدة الدينية التى جعلت المبادئ الأخلاقية جزءًا أساسيًا من شعائر الدين وأوامره، ثانيًا أن هذه الأخلاق تعتمد فى سلطتها على الرقابة الداخلية الذاتية للفرد، فليست هناك رقابة من خارج الفرد على سلوكه الشخصى وإنما هو رقيب بنفسه على نفسه، قال تعالى: «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» (الإسراء: 14).

ثالثًا: إنها أخلاق معيارية تهتم بالبحث فيما ينبغى أن يكون عليه سلوك الإنسان عكس الأخلاق الوضيعة التى تهتم بالبحث فيما هو واقع فى المجتمع من السلوك الإنسانى غايتها الارتقاء والنهوض بالسلوك الإنسانى فهى دائما تحث الإنسان على التحلى بما هو أفضل من القيم والمبادئ وتجعل من الإنسان كائنًا مسئولًا عن النهوض بنفسه وبمجتمعه سواء كان الفرد حاكمًا أو محكومًا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، رابعًا: إنها تجمع بين النسبية والإطلاق فإن المبادئ الأخلاقية التى تسعى إلى تحقيقها فى الواقع هى مبادئ عامة مطلقة كلية- العدل، الصدق، الوفاء، الأمانة، أما على مستوى التطبيق العملى فى واقع الحياة البشرية فإنها تستمد نسبيتها من الظروف المحيطة بالفرد ومن إمكانات الفرد وطاقاته التى تمتع بها، ومن هنا تتفاوت مواقف الأفراد والجماعات عند تطبيق المبدأ، حيث يكون نصيب الرد منه حسب استطاعته وإمكاناته كما قال تعالى: «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» (البقرة: 286).

خامسًا إنها تتصف بالواقعية لأنها تراعى الطبيعة البشرية وما يحيط بها من ظروف وملابسات قد يضطر المرء فيها إلى فعل ما هو غير أخلاقى تحت ضغط الظروف والضرورة وهذه الغاية تنفرد بها الأخلاق الإسلامية عن بقية المذاهب الفلسفية الأخرى، ولذلك كانت القاعدة الفقهية المعروفة «إن الضرورات تبيح المحظورات» وقال تعالى: «إلا ما اضطررتم إليه».

< كيف قرأت قضية تجديد الخطاب الدينى، وما شغلته من مساحات كبيرة فى الكتابات الصحفية والأحاديث اليومية فى أجهزة الإعلام وتعدد المؤتمرات بشأنها؟

- من يتابع ما كتب وما أذيع خلال العقد الأخير، خاصة بعد أحداث سبتمبر يتبين له أن هناك أقلامًا وعقولًا كانت جاهزة ومعدة سلفًا للانقضاض على الخطاب الدينى وأحياناً على خطاب الدين نفسه، كما لو كانت القضية عبارة عن معركة قد تم الإعداد لها بمفردات وبمصطلحات أشبه بالقنابل أو المقذوفات النارية التى حملت فى لهيبها كل أسباب تأخر المسلمين وأسباب أزماتها الراهنة «اقتصاديا وعسكريًا وثقافيًا وربطتها بالخطأ الدينى وحملته أوزار الأمة وأوزار واقعها المؤلم، فوجدنا من يطالب بتجديد الخطاب الدينى ووجدنا من يطالب بتجديد الخطاب الدينى فيما يتصل بقضايا الجاد وثقافة السلام و.... و... وما

أكثر المعطوفات من الأزمات الراهنة إلى تسبب فيها الخطاب الدينى عند هؤلاء وهؤلاء، وبلغت خطورة الأزمات التى ترتبت على الخطاب الدينى أن عقدت له ندوات بفرنسا لترسم للمسلمين منهج التغيير والتجديد للخطاب الدينى.

< وهل فضيلتكم توافق التجديد ولماذا التجديد؟

- لسنا ضد التجديد فى الخطاب الدينى أسلوبًا ومنهجًا وموضوعًا على مستوى مفردات المناهج الدراسية- وهو الأهم من وجهة نظرنا- وعلى مستوى الخطاب الدعوى والإعلامى فهذا أمر ينبه إلى أهميته كمطلب دينى وأمر شرعى نادينا به ودعونا إليه ومازلنا، وننادى بأهميته تجسيدا لروح الدين نفسه وتحقيقا لمقاصد الشريعة التى تدور مع المصلحة المعتبرة شرعًا وجودًا وعدمًا، ومن هنا كان من الآثار التراثية المحفوظة أنه حيثما وجدت مصلحة المسلمين فثمة شرع الله، ومن يطالع أبجديات علم أصول الفقه يتيقن تمامًا من أهمية التجديد والاجتهاد حسب النوازل ومستحدثات العصور، لكن الذى قرأناه ونقرأه وسمعناه ونسمعه لا يتصل بالخطاب الدينى فقط، بل يتصل بعضه بخطاب الدين نفسه وفرق كبير بين تجديد الخطاب الدينى الذى ندعو إليه ونطالب به والقول بتجديد خطاب الدين نفسه الذى يدعو إليه هؤلاء بوعى منهم بخطورة هذه القضية أو لا وعى. ولقد كثرت الكتابات والأحاديث عن تجديد الخطاب الدينى حتى أًصبح الحديث عنه ممجوجًا وأصبحت كلمة «تجديد» كلمة هلامية لا مضمون لها ولا تحمل معنى محددًا فما هو المطلوب تحديدًا تحت هذا العنوان وهل الغاية المطلوبة هو تجديد الخطاب الدينى أم المقصود تجديد خطاب الدين نفسه؟

ويقينى أن الخروج من الأزمات التى يعانى منها المجتمع لا يحتاج إلى تجديد الخطاب الدينى بقدر حاجته إلى تفعيل الدين وربط حركة المجتمع بأوامره ونواهيه، لأن تغيب الدين عن حركة المجتمع قد أسلم الأزمة كلها إلى نوازع شيطانية تتحكم فيها أهواء النفوس المريضة فاستباحت الحرمات وداست المقدسات لأنه لم يعد هناك ما يصون الحرمات ولا يحمى المقدسات بسبب تغييب الدين عن حركة المجتمع، فالأولى لانتشال الأمة من هذا السقوط أن يطالبوا بتفعيل الدين حتى تصان حرمات الأمة وتحمى مقدساتهم لو كان الدين حيا فى قلوب الأمة لما نهبت الأموال من البنوك وما احتكر تاجر قوت الأمة وما تحول الطبيب إلى مضارب بصحة الإنسان وما تحول المهندس إلى خائن فى مواد البناء وما.. وما.. وما.. إلخ، لأن فى تفعيل الدين إحياء للرقابة الذاتية فى داخل الإنسان وإحياء لضميره فيه حياة لقلبه من الموات فيه إصلاح لقلبه من الفساد، ومن هنا ينبغى أن نبدأ بتفعيل الخطاب الدينى، فقد ربط البعض بين الخطاب الدينى وظاهرة الإرهاب والذين روجوا لهذه الأكذوبة هى مراكز البحوث التى أسستها الصهيونية ورصدت لها الميزانية الضخمة لكى تروج للفكر الصهيونى ضد الإسلام والمسلمين فى أمريكا وأوروبا، ولقد ظلموا الحقيقة بقدر ما ظلموا الخطاب الدينى فى هذه القضية، فإن للإرهاب المعاصر أسبابًا اجتماعية واقتصادية وسياسية، نعم نحن نادينا وننادى بتجديد الخطاب الدعوى ليناسب لغة العصر وليضع المستمع فى مواجهة مشكلاته المعاصرة بحلول إسلامية فى ضوء قواعد الدين وأوصله وليس الانعتاق أو الانفلات من الضوابط الدينية تحت هذه المسميات التى تشبه وضع السم فى إناء العسل.

< التطاول على السنة والتشكيك فى الأحاديث النبوية كيف ترى أبعاد هذه الهجمة ولماذا؟

- السنة النبوية تعرضت لكثير من الهجمات أيضاً حتى وجدنا أن هناك من يسمون بالقرآنيين الذين يحاولون الاقتصار على ما جاء فى القرآن الكريم ويرفضون السنة، والتشكيك فى السنة ليس جديدًا وإنما قديم يتجدد، وعلماء الحديث رضى الله عنهم عاشوا هذه المشكلة طولًا وعرضًا، ووضعوا لتحرير الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الموضوعة كتبا ومؤلفات تتمثل منارة عند علماء المناهج الذين يهتمون بنقد المتن ونقد السند، هذان العلمان يدرسان فى كليات التربية على أنهما علوم غربية، وفى واقع الأمر هى علوم إسلامية عاشها علمًا وتعليمًا علماء الحديث القدامى، فوضعوا مبادئ وقواعد المعرفة، الحديث الموضوع، المدسوس على الرسول صلى الله عليه وسلم والحديث الصحيح، الضعيف منه والحسن، هذه القضية أشبعها القدماء بحثًا، لكن فى العصر الحديث حلا للبعض أن يردد ما قاله المستشرقون خاصة مرجليوث وجولدتسيهر وزويمر فى بعض مؤلفاتهم حول بعض الأحاديث المتصلة بما يسمى كتاب «الفتن» وبما يسمى كتاب «الآداب» هناك أحاديث لم يستوعبها عقل البعض، لأنها ربما تتصل بما سيحدث فى المستقبل أو تتصل بكرامات أو معجزات لبعض الرسل فحاول أن يشكك فيها دون علم بهذا الحديث لا متنه ولا سنده ولا بما قاله الأقدمون حول هذا الحديث، لكن الإيمان بالسنة جزء أساسى من الإيمان بالعقيدة الإسلامية، بل لم يؤمن بالسنة النبوية كأنه لم يؤمن بالقرآن الكريم، لأن القرآن الكريم هو الذى أنبأنا بقوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، فالذين يدندنون حول هذه القضايا الآن ربما كانت ألسنتهم وأقلامهم مأجورة لحساب جهات أخرى.

< قضية التكفير فى الوقت الراهن وما تجره على الأمة من عواقب وخيمة من أين استقت مصدرها؟

- قضية التكفير مصدرها فى الفكر الإسلامى هو موقف الخوارج من الإمام على رضى الله تعالى عنه، وبعض الأحكام المدسوسة فى كتب الفقه القاصرة على من أنكر ما هو معلوم من الذين بالضرورة كالمسائل العقدية أو ما أخبر به القرآن الكريم، حتى لو كان يجهل جهله عذر، لكن إذا علم وأنكر هذه هى القضية، ومشكلة التكفير فى وقتنا الحاضر لها أسباب تكلم عنها الكثيرون فى مؤلفاتهم البعض يرجعها إلى أسباب أن الجيل المعاصر لم يترب تبرية دينية نافعة، وإنما وجد نفسه أمام كتب بها بعض القشور المتعلقة بالجانب الأخلاقى وبالجانب الشعائرى التعبدى، أما العقيدة فلم تدرس دراسة وافية حتى نعلم متى يصدق حكم التكفير ومتى لا يصدق والذين أشاعوا هذه القضية هى نسبت إلى بعض المتطرفين فى منتصف القرن العشرين ونسبت إلى جماعات بعينها جماعة التكفير والهجرة وبعض المنتسبين إلى الجماعات الأخرى فى باكستان، ولعل «أبوالأعلى المودودى» حين تكلم فى هيه القضية كان يتكلم فى مجتمع يكتم على أنفاسه الاستعمار الإنجليزى وكان للاستعمار الإنجليزى أذناب ومؤيدون وعملاء كما فى كل بلد احتلها الإنجليز، كان «أبوالأعلى المودودى» يخاطب هؤلاء العلماء الذين يتسمون بأسماء إسلامية ويعيشون بين المسلمين وربما يدخلون المساجد لكنهم بأعمالهم وأهوائهم وأموالهم وأقوالهم مع الإنجليز نقلت إلينا القضية ربما دون تمحيص لمعناها هناك ولا إلى الأرض التى سترد إليها فى العالم العربى، وشاعت بين المتزمتين والذين- أشك- فى ثقافتهم الدينية فمن الأسباب الأساسية هو الجهل بالعقيدة الإسلامية وبأحكامها ومما يوصف له أن البعض يحاول أن ينسب هذه التهمة أحياناً بالإمام الغزالى أو الإمام ابن تيمية، وهذان الرجلان من أنصع مفكرى الإسلام دفاعًا عن المسلم وعدم تكفيره.

< البعض يرى أن الخطاب الوسطى المعتدل ليس له تأثير فى فئات كثيرة متنوعة بينما يؤثر الخطاب الدينى المتشدد فى كثير من الفئات فلماذا من وجهة نظركم؟

- على العكس، الخطاب الدينى المتشدد ليس له تأثير إلا عند المنتمين مذهبيًا لفكر الفرق الإسلامية كالخوارج والشيعة وبعض المنتمين إلى السلف الذين يقرأون النصوص ويكتفون بحفظ ألفاظها دون أن يتدرجوا إلى فقه النص وفهم روح النص «المقصد الشرعى من النص» والفارق بين القراءتين المتشددة والوسطية هو الفارق بين القراءة الحرفية الظاهرة للنظر والقراءة المقاصدية للنص وربما يكون هناك نوع من التحفظ على كلمة الخطاب المتطرف لأن شيوع هذا المصطلح على ألسنة الكثيرين وفى أجهزة الإعلام قد ضيع معنى المصطلح وأصبح يطلق على كل ملتزم أنه متطرف فالذى يتكلم عن الحجاب يعد فى نظر البعض متطرفًا، ومن يتكلم عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يعد فى نظر البعض متطرفًا، وهكذا تاهت معالم المصطلح، ومن المهم أن نعلم أن التطرف علة فى الدين وآفة فى التدين، وقد نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فى أكثر من حديث حيث قال: «بشروا ولا تعسروا» «بشروا ولا تنفروا»، «وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما» وأخذ أصحابه رضى الله عنهم بهذا المنهج فى التيسير أما الغلو والتطرف فهذا أمر من التزم به يجب عليه ألا يلزم الآخرين به، وقد كتبت كتابًا مستقلًا بعنوان «الأصولية والحوار مع الآخر» بينت فيه الفرق بين الالتزام كمفهوم شرعى والتطرف كفهم شخصى لبعض القضايا الفرعية وبينت أن ذلك يتنافى مع روح الإسلام وأصوله، قال تعالى: «وما جعل عليكم فى الدين من حرج» (الحج: 78)، وهذا مبدأ أصولى يمثل قانونًا عامًا تجسد فى قوله تعالى: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (البقرة: 185)، ومن شدد شدد الله عليه.

 

أهم الاخبار