رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د. محمد السيد الجليند: فرَّطنا فى أمور ديننا فأصابنا الضعف والهوان

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 20 مايو 2020 22:48
د. محمد السيد الجليند: فرَّطنا فى أمور ديننا فأصابنا الضعف والهواند. محمد السيد الجليند
حوار: صابر رمضان

القرآن يأمرنا بالبحث فى العلوم الكونية لتعمير الأرض

العلم نعمة كبرى من الله وهبة للإنسان لتحقيق مصالحه

ادعاء التنويريين بأنه لا تقدم إلا بالتخلى عن الإسلام محض افتراء

 

ولد المفكر الإسلامى الكبير الدكتور محمد السيد الجليند بقرية منشية الأمراء بمركز المحلة الكبرى، وحفظ القرآن الكريم فى كُتاب القرية وهو فى العاشرة من عمره، أكمل دراسته الأولى حتى أتم الشهادة الثانوية الأزهرية ثم التحق بدار العلوم وتخرج فيها وحصل بعد ذلك على الماجستير عام 1971 وكان عنوان أطروحته العلمية «الإمام بن تيمية وموقفه من قضية التأويل» ثم حصل على الدكتوراه عن رسالة «قضية الخير والشر فى الفكر الإسلامي.. المعتزلة والأشاعرة نموذجا»، ثم تدرج فى العمل الأكاديمى حتى رأس قسم الفلسفة الإسلامية بدار العلوم، «الجليند» قال إن الإسلام يؤكد دائماً أن العلم نعمة كبرى من الله وهبة للإنسان لتحقيق مصالحه ودفع الضرر عنه، وأشار إلى أن الغرب صدر إلى بلاد المسلمين معركة ضمن الصادرات الثقافية وهى أن الدين يقف ضد العلم، حتى أن بعض رواد التنوير والحداثة فى العالم العربى ينادون بأن المسلمين لن يتقدموا وينهضوا إلا إذا تخلوا عن الإسلام، مؤكدا أن هؤلاء وأولئك ظلموا العلم والدين معاً، «الوفد» انتقلت إليه وحاورته وهذا نص الحوار:

< بداية.. تتحدث فضيلتكم عن قضية العلم والدين والعلاقة بينهما، فهل ترى أن المسلمين أقاموا هذه العلاقة على الوجه الأكمل؟

ـ نحن فرَّطنا فى أمور ديننا من ناحية الاهتمام بالعلوم الكونية ـ للأسف الشديد ـ وأهملنا العقل، فأصابنا الضعف والهوان وقد ظلم بعض فقهائنا الأمة، لما حصروا الدين فى العبادات مثل الصوم والصلاة وما إلى ذلك، فهذا يخص علاقة العبد بالله وعلاقة الله بالعبد، أما الجانب الذى يشمل الكون قد أهملوه حتى أن بعض علماء الدين والشريعة غمز فى عقيدة علماء الكونيات وبعضهم ـ بكل أسف ـ شغلنا بمسائل هى من نوافل النوافل مثل إطالة اللحى وتقصير الثياب، رغم أن الله خلق الإنسان المسلم فى هذا الكون إنما ليعمره مصداقاً لقوله تعالي: «وهو أنشأكم فى الأرض واستعمركم فيها» ونحن ندرك أن حرفى «السين والتاء» إذا دخلا على الفعل حولاه إلى فعل أمر، أيضاً هناك وظيفة أخرى هى الاستخلاف، بمعنى إظهار قوانين الله الكونية فى هذا العالم، حتى أن المقصود فى قوله تعالى: «إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ» هم علماء الكونيات وليسوا علماء التفسير والحديث، ولذلك وجب على العلماء أن ينتبهوا إلى أهمية قراءة الكتاب المنظور «الكتاب الكوني» التى لا تقل أهميته عن قراءة الكتاب المسطور «القرآن الكريم» فكما نتعبد إلى الله بالقرآن يجب أن نتعبده بالعلم وأن نجلى آياته الكونية للخلق.

< تبنى رواد العلمانية والتنوير الدعوة إلى رفض الدين وإقصائه عن حركة المجتمع كما فعلت أوروبا فجعلوا الإسلام سببا لتخلف المسلمين وانحطاطهم فما ردك على هذا الطرح؟

ـ لقد صدر لنا الغرب هذه المعركة إلى بلاد

المسلمين ضمن الصادرات الثقافية خلال القرنين الأخيرين وحمل لواءها نيابة عن الغرب مجموعة من تلاميذ المستشرقين فى العالم الإسلامى، ومن أبناء العربية من يرفعون شعار العلمانية والتنوير والحداثة، ونادى رواد التنوير بأن المسلمين لن يتقدموا وينهضوا إلا إذا تخلوا عن الإسلام ونفضوا أيديهم منه وأبعدوه تماما عن حركة الحياة، ونادى بعضهم بأنه لا شيء مقدس يعلو على النقد، وأخضعوا القرآن الكريم لمنطق النقد، وحاولوا أن يجعلوه محلاً للشك ومضوعاً للتشكيك، وهذا هو جوهر حركة التنوير التى يروج لها العلمانيون فى العالم العربى، وفى الحقيقة لقد ظلم هؤلاء وأولئك العلم والدين معاً، ولابد من التنبيه على أمرين أولاً وهو أنه لا ينبغى أن تجعل واقع المسلمين المعاصرين مقياساً نحكم به على الإسلام، لأن واقع المسلمين لا شك أنه واقع متخلف علمياً، فلا ينبغى أن نجعل تخلف المسلمين دليلاً على تخلف الإسلام، كما أن واقع المسلمين متردٍ اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، فليس من الحكمة أن نجعل هذا الواقع المؤلم مقياساً نحكم به على سلامة المبدأ وصحته الذاتية فكم من المبادئ الصحيحة تحولت على يد أبنائها إلى فساد وانحلال عند التطبيق، وهذا أمر لم يخل منه مجتمع ولا خلت منه حضارة، ثانياً: موقف الإسلام من توظيف العلم وتسخيره فإن نتائج العلم والمعرفة أمر محايد صالح لأن يستعمله الإنسان فى الخير الذى يسعد البشرية ويحقق لها الرفاهية وطيب العيش، كما أنه صالح فى الوقت نفسه لأن يستعمل فى الخير أو الشر على السواء صالح لفعل الضدين، وهنا تختلف الغايات وتتعارض المقاصد حسب ثقافة العالم وحضارته والإسلام يؤكد هنا أن العلم نعمة كبرى من الله، وهبة للإنسان لتحقيق مصالحه ودفع الضرر عنه.

< من حين لآخر تثار حول قضية التراث العديد من الآراء، فهناك من يرى أن حاضرنا المنتكس لا سبيل لنا إلى إصلاحه والنهوض به إلا إذا نفضنا أيدينا من الماضى وأغمضنا أعيننا عن قيود ومفاهيم التراث فما ردك وكيف ترى تأثير ذلك على الشباب؟

ـ هذه نغمة ليست جديدة، لكن خطرها يكمن فى أن أصحاب هذه الدعوة أوهموا الشباب أن هذه الحضارة الغربية لم تقم الا بعد الانسلاخ من الماضى تماما وأن سبب تأخرنا يرجع أساساً إلى تمسكنا بذلك الماضى وتقاليده ولا شك أن الشباب قد عاش فترة طويلة من الزمن فيما يشبه الفراغ الدينى والثقافى واستطاع أصحاب الانتماءات المذهبية والفكرية خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ أمتنا أن يوسعوا الهوة بين شبابنا وبين ماضيه وأن

يقطعوا الصلة بينه وبين تراثه وصوروا التراث الإسلامى على أنه مجموعة قيود كبلت ماضينا وأعاقته عن التقدم، وأصبحت أى دعوة لاحياء هذا التراث ردة فكرية أو دعوة للتحجر والجمود، وإذا كان هناك من يحاول ذلك فإن محاولته كانت لابد أن تجهض قبل تنفيذها بأى وسيلة وكانت نتيجة طبيعية لكل ذلك أن يشغل الشباب نفسه بما يملى عليه من ثقافات وآراء ويعتنق ما يطرح عليه من مذاهب وأفكار ظاهرها الرحمة وباطنها الفساد والتحلل من كل قيمة اجتماعية أو خلقية أو دينية.

< إذا كانت الطاعة والمعصية أو النعم والمصائب مقدرة فلماذا فرق الله بينهما فأسند الحسنة إليه سبحانه وأسند السيئة إلى نفس العبد مع أن الجميع بقضاء الله؟

ـ من المعلوم أن إحسان الله إلى عباده يقع منه سبحانه وتعالى بلا سبب تقدم من العبد، بل يحسن إليهم بالخلق والرزق والصحة وتهيئة أسباب الهداية للعباد، بلا سبب تقدم منهم، فالله سبحانه يبدأ علاقته بالعبد بالإحسان والفضل إليه، والسيئة إذا وقعت من العبد فإنها لا تكون إلا لفراغ قلبه من معنى الحسنة، وهناك فروق حاسمة فى نسبة الحسنة إلى الله والسيئة إلى العبد، أولاً: أن الحسنة إذا وقعت من العبد فالسبب الرئيسى فيها هو الله لأنه قد هداه إليها أولاً ومنحه أسباب التعرف عليها من العقل والشرع بخلاف السيئة فإنها لا تكون إلا لذنب سبق من العبد، ثانياً أن الحسنة يضاعفها الله للعبد إلى سبعمائة ضعف ويثيب على الهموم والعزم عليها حتى وإن لم يفعلها العبد بخلاف السيئة فلا يضاعفها ولا يعاقب على الهم بها، ويمحوها بالتوبة وبالمصائب المكفرة، ثالثا أن الحسنة لا يوجد وجه من وجوه تحققها فى الخارج إلا ويصح إضافته إلى الله تعالى، فهو محسن بها من كل وجه بخلاف السيئة فإنها تقع من العبد والله كاره لها غير راض عنها، رابعاً: أن السيئة خبيثة لا تحمل إلا بالنفوس الخبيثة، والنفس الخبيثة لا يناسبها ولا يحل فيها إلا العمل الخبيث والنفس لما أعرضت عن هدى ربها، وانشغلت بفعل ما يكره كان خلق الطاعة فيها بعدما ضلت، وضع للشيء فى غير موضعه اللائق به وهذا ظلم كما أن خلق السيئة فى النفوس التى اهتدت وأذعنت لربها وضع للشيء فى غير موضعه وهذا ظلم أيضاً فيجب أن ينزه الله عن هذا وذاك.

< أخيراً.. كتاب «خلل فى مسيرة الأمة» من أهم مؤلفاتكم ما أهم ما أردت طرحه خلاله؟

ـ هذا الكتاب هو العدد السابع من سلسلة «تصحيح المفاهيم» ويكشف عن كثير من مظاهر وأسباب هذا الخلل وأثره فى مسيرة الأمة، أنه محاولة شجاعة وجريئة نواجه خلالها عيوبنا الذاتية التى أفرزت هذا الخلل الذى نعيش نتائجه تخلفاً وفرقة وتشرذماً وعصبية أشبه بعصبية الجاهلية الأولي.

إن من أسباب هذا الخلل ما صنعته أيدينا لنا ومنه ما صنعه لنا الآخر واستدرجنا إليه ودفعنا نحن فى شباكه وطالت بنا المسيرة ونحن نعيش مظاهر هذا الخلل على مستوى الثقافة والفكر وعلى مستوى السياسة والاجتماع والمنهج والتربية، ولعل من نافلة القول أننا ما لم نواجه أنفسنا بأسباب الخلل الذاتية فى مسيرتنا فسوف نكون عاجزين تماماً عن مواجهة الخلل المفروض علينا من الخارج، إن الجسم العليل لابد أن يكتسب المناعة الذاتية أولاً حتى يقوى على مواجهة الآخر، وهو ما ننبه إليه ونحذر من غض الطرف عنه خاصة بعد أن تفشت مظاهر هذا الخلل فى كثير من مواريثنا ومناهجنا الدراسية، لابد من مواجهة أنفسنا بهذا الخلل والبحث عن أسبابه والطريق إلى علاجه ومن هنا ينبغى أن نبدأ مسيرتنا فى الإصلاح وهنا تأتى أهمية هذا الكتاب.

 

أهم الاخبار