135 ألف مواطن يصابون سنويًا بالسرطان والفشل الكلوى نتيجة مياه الشرب و1500 قرية فى الصعيد محرومة من المعالجة

الموت.. فى كوب ماء!

الموت.. فى كوب ماء!
تحقيق: إيمان الجندى وأمانى زايد

عندما تتحول المياه، وهى سر الحياة، إلى سبب موت الزرع والضرع، بسبب تلوثها، فهذه مصيبة تحتاج إلى وقفة من هذا الوطن المسكين.. وعندما تصبح المياه سبباً فى قتل الإنسان فهذه مصيبة أكبر تتطلب أن نبحث عن سبب ومصدر هذا التلوث الذى اخترق كل أجهزة التنقية وتسرب إلى نقاط المياه وحولها إلى سموم تفتك بالأجساد وأعضائها الرقيقة!

الأزمة الحقيقية التى نواجهها الآن فى مصر أن كوب المياه النظيف أصبح عملة نادرة بعد أن أصبحت مياه الشرب لها طعم ولون وشوائب ظاهرة للعيان.. وبعد أن أصيب المئات بالتسمم بسبب تلوث المياه الظاهرة التى تعانى منها قرى ومدن المحروسة بأكملها وتحتاج إلى نقاش واسع.. فمياه الشرب لاتزال مشكلة متعددة المراحل تبدأ بتلوث النيل والترع المنتشرة فى أرجاء الريف، ثم اختلاط هذه المياه فى المدن بمياه المجاري، فضلاً عن خزانات المياه فوق أسطح العمارات.. وكان الأمل للتغلب على هذا التلوث هو إنشاء محطات التنقية ولكنها أصبحت أيضاً مصدراً للتلوث وأصبح الكلور متهماً أيضاً ومعه بقية إضافات التنقية بالتسبب فى أمراض جسيمة وآخرها ما يحدث فى قرية صنصفط بالمنوفية وتسمم أكثر من 1800 مواطن ومن قبلها كارثة قرية البرادعة وإصابة مئات الأهالى بحمى التيفود.. وبدلاً من إيجاد حلول وتنفيذ مطالبات من شأنها الوصول إلى كوب ماء نظيف.
«الوفد» تناقش القضية وتدق ناقوس الخطر من جديد وتؤكد أن الحصول على كوب ماء نظيف من خلال بحث أسباب ومصادر التلوث أجرى من تصريحات غير مسئولة لحماية الناس من التسمم والأمراض؟
< من المتهم الحقيقى فى قضية تلوث مياه الشرب بمصر؟!.. سؤال يطرح نفسه من جديد.. بعد إصابة أكثر من ألف مواطن فى قرية صفصفط بالمنوفية بحالات تسمم نتيجة تناول وشرب مياه ملوثة.. فى وقت سابق تزايدت حالات الإصابة بمرض التيفود فى قرى البرادعة وغيرها من القرى المصرية.. أحدث دراسة للدكتور محمود عمرو أستاذ الأمراض المهنية بالمركز القومى للسموم بطب القاهرة أكدت إصابة نصف مليون مصرى سنوياً بالتسمم نتيجة تلوث مياه الشرب ووفاة خمسة آلاف مصرى كل عام بسبب هذا التلوث وأرجعت الدراسة ذلك إلى صب 16 مليار متر مكعب مياه محملة بالمخلفات الزراعية والصناعية فى النيل.. كما كشف تقرير حكومى صادر عن وزارة البيئة عن وصول تلوث مياه الشرب فى مصر إلى مراحل معقدة يصعب مواجهتها. ويرجع السبب المحورى فى تفاقم هذه المشكلة إلى تلوث المصدر الرئيسى للمياه.. وهو نهر النيل، بالإضافة إلى مصادر أخرى عديدة. ورصد مركز أولاد الأرض إصابة 135 ألف مصرى سنوياً بالسرطان والفشل الكلوى نتيجة تلوث مياه الشرب، وكشفت تقارير المركز عن وجود 330 مصنعاً تقوم بصرف نفاياتها فى النيل بواقع 4.5 مليون متر مكعب سنوياً، بالإضافة إلى المخلفات الصلبة التى تلقى فى النيل ويبلغ حجمها 14 مليون متر مكعب سنوياً. وتشير التقارير أيضاً إلى وجود 1500 قرية فى الصعيد تصب مياه الصرف الصحى مباشرة ودون معالجة فى مياه النيل.
الدكتور مجدى خليفة أستاذ الكيمياء التحليلية أكد من خلال دراسة بحثية أن 30٪ من استخدامات الزراعة مثل الأسمدة والمبيدات تتسرب إلى مياه الصرف وتصل إلى النيل وتنتقل منه إلى النبات والحيوان. وأكدت الدراسة التى أجريت على عينات مختلفة من المياه قبل المعالجة وبعدها وجود آمونيا وعناصر ثقيلة وبنسب متفاوتة، كما أشارت الدراسة إلى أن استخدام الكلور فى المعالجة بالمحطات يؤدى إلى أكسدة الأمونيا التى توجد بمياه الشرب قبل المعالجة رغم قرارات حظر وجود أمونيا بمياه الشرب، كما أكدت الدراسة ارتفاع نسبة العناصر الثقيلة خاصة الرصاص فى العديد من المحطات. وحذرت الدراسة من خطورته لما له من تأثير ضار على خلايا الإنسان وخصوصاً الأطفال، كذلك تبين ارتفاع نسبة الميدروكوبونات الحلقية ومصدرها الصرف الصناعى وما تمثله من أضرار على الصحة، كما تبين وجود مادة «D.D.T» بنسبة تمثل 250 مرة أكثر من النسبة المسموح بها خارج المحطات بمياه الشرب وكذلك وجود مادة الإيروسبانو عند إلقاء المخلفات الصناعية والزراعية والصرف الصحى فى النيل وأن مواسير المياه نفسها تعد ناقلة للتلوث وأن محطات الشرب لا يوجد بها معامل على مستوى

عال للكشف عن البكتيريا والفيروسات.. وفى دراسة للمركز القومى للبحوث على مياه الشرب أكدت مسئولية مواتير رفع المياه عن انحراف واختلاط أعداد هائلة من كائنات طفيلية ملتصقة بجدران المواسير مع مياه الشرب، وأن ضغط الهواء يعمل على تزايد تفاعل الكلور مع مواسير الرصاص والبلاستيك مما يمثل خطورة حقيقية على صحة الإنسان وكلها عوامل تؤدى إلى تكاثر أجيال من البكتيريا وظهور طفيل يدعى «كريبوستورديم» يصيب الإنسان بنزلات معوية حادة، ويسرى فى الدم متنقلاً إلى المخ ليحدث به خلل وتلف ملحوظ.

الواقع.. المر
وبعيداً عما أكدته وأثبتته التقارير الرسمية والأبحاث.. فإن الواقع أشد ألماً ومرارة. ويشير إلى مشاركة مصادر أخرى عديدة مع النيل فى تلوث مياه الشرب وتفاقم المشكلة أولها الاعتداء على نهر النيل والذى يمثل نسبة الـ 85٪ من حجم مصادر مياه الشرب فى مصر، بينما تمثل المياه الجوفية النسبة الباقية.. ولذلك فهو يعانى من أشكال مختلفة للتلوث سواء بإلقاء المخلفات الصناعية أو الزراعية أو الصرف الصحى فيه أو بسبب عدم صلاحية شبكات المياه وضعف كفاءة المحطات الخاصة بالتنقية إلا فى حدود 40٪ فقط، فضلاً عن وجود أكثر من 6300 وحدة نهرية عائمة تلقى بمخلفاتها فى النيل ويتلقى النهر ما لا يقل عن 30 مليون متر مكعب من الصرف الصحى سنوياً، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أضرار الصرف الصناعى فى نهر النيل لا تقتصر على مياه الشرب فقط، بل تمتد أيضاً إلى تناول الأسماك والتى أثبتت نتائج تحاليل مأخوذة من الأسماك ارتفاع معدلات الحديد والسيانير والڤينول وبعض العناصر الثقيلة فى خياشيم وكبد وجلود تلك الأسماك وتتركز فى العضلات وهى الجزء الذى يؤكل، وذلك وفقاً للدكتورة منى سعد زكى رئيس قسم الأحياء المائية بالمركز القومى للبحوث.. وحدوث أورام سرطانية متقدمة فى الكلى والكبد وإصابة المواطنين بأنيميا حادة وتشوه الأجنة وتخلف عقلى لدى الأطفال.. وذلك بعد تناول الأسماك لمدة تتراوح من ثلاثة إلى خمس سنوات بشكل منتظم وفقاً للمعايير القياسية لمنظمة الفاو.. ليأتى المصدر الثانى لتلوث المياه فى مصر متمثلاً فى تدنى مستوى خدمات الصرف الصحي، كما تحتوى مياه الصرف على ملوثات بيولوجية وكيميائية مجمعة من 5 آلاف حوض بالقرى النائية تصب مباشرة ودون معالجة فى شبكة المصارف الزراعية.. وحيث يوجد العديد من الأسر المصرية محرومين من مشروعات الصرف الصحى ومن عدم التوازن فى توزيع تلك المشروعات ما بين الحضر والريف، حيث يبلغ إجمالى عدد الأسر المتصلة بالشبكة العامة للصرف الصحى حوالى 8.1 مليون أسرة فقط بنسبة 46.6٪ من إجمالى الأسر المصرية وحوالى 7.1 مليون أسرة بنسبة 41٪ من مساكن أسر يتم صرف مخلفاتها بنظام «الطرنش» أى من خلال آبار تتجمع فيها مياه الصرف يتم تصريفها بعد امتلاء الطرنش من خلال عربات التصريف والتى بتأخرها تطفو المياه وقد تختلط بمياه الشرب، ولذلك تمثل الشبكة الأهلية حوالى 8.7٪ من إجمالى الأسر على مستوى الجمهورية و28.9٪ من المبانى السكنية فقط متصلة بالشبكة العامة للصرف الصحى بالشبكة العامة حوالى 3 ملايين مبنى من بين حوالى 10.5 مليون مبنى سكني، بينما يتم تصريف مخلفات نحو 6.7 مليون مبنى سكنى إما عن طريق شبكة أهلية أو عن طريق الطرنش بنسبة 64٪ ومن ثم فإن نحو 7.1٪ من مجمل المبانى السكنية لا يوجد بها صرف صحي،  علاوة على وجود أكثر من 40٪ من قرى مصر محرومة من خدمة توصيل هذا المرفق، ولن يتحقق لها ذلك قبل عام 2013. وبحسبة بسيطة ومن واقع البيانات الرسمية نجد استحواذ القاهرة الكبرى على ثلث الطاقة الاستيعابية لمحطات

الرفع بنسبة 32.9٪ يليها الإسكندرية بنسبة 11.4٪ وبقية المحافظات بنسبة 55.7٪ وذلك وفقاً لدراسة حديثة للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء حول «الوضع الراهن والاحتياجات المستقبلية للصرف الصحى فى مصر».
وتعد مياه الصرف بذلك مسئولة عن 70٪ من نسبة تلوث مياه الشرب بسبب سوء تصميم شبكاتها وعدم وجود خرائط هندسية للتعرف على أماكن وجودها وأقطارها وأعماقها ومما يتسبب فى إهدار كثير من مياه الشرب بسبب الكسور والشروخ المتكررة، كما يعانى الصرف الصحى من مشكلة افتقاد مياه الشرب للكثير من الدقة العلمية لتغذية المناطق العشوائية والهامشية الموجودة حول المدن والقري، وبالتالى حرمان بعض المناطق خاصة فى نهاية الشبكات من مياه الشرب النقية، ولذلك وعلى الرغم من المبالغ الكبيرة التى تخصص للإنفاق على قطاع الصرف الصحى وتقدم قيمة الاستثمارات المخصصة لمشروعات المياه والصرف الصحى المستهدفة فى الخطة الخمسية 2007/ 2008 - 2011/ 2012 بحوالى 61.3 مليار جنيه بواقع 43.8 مليار جنيه لمشروعات الصرف الصحى بنسبة 71.4٪.. إلا أن الوضع الراهن يشير إلى وجود قصور فى هذا المرفق ولم تتحقق الاستفادة القصوى من مياه الصرف التى لم تخضع بالكامل للمعالجة، حيث تشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى أن مجمل مياه الصرف الصحى فى مصر تبلغ 6.5 مليار متر مكعب، يتم معالجة 3.65 مليار منها وأن هناك خطة لإعادة معالجة المتبقى بـ 2.5 مليار متر مكعب وإعادة استخدامها فى الزراعة مرة أخرى.
الدكتور محمود عمرو مدير المركز القومى للسموم بقصر العيني، يقول: لا يوجد فى مصر كوب مياه صالح للشرب بنسبة 100٪، فالمياه فى مصر ملوثة، ولا يتم تنقيتها جيداً، كما أن نسبة الكلور التى تضاف عند التنقية تعد سلاحاً ذا حدين، حيث تتسبب فى العديد من المشاكل فى حالة زيادة نسبتها أو انخفاضها، وتشكل مياه الشرب الملوثة خطورة كبيرة على الجهاز الهضمى بكامله، خاصة الأمعاء والكبد، فعندما يصاب المريض الذى يتناول هذه المياه بإسهال وقىء يصل به الأمر إلي الجفاف، مما يؤدى لانخفاض ضغط الدم ويمكن أن تحدث الوفاة، أما إذا لم تحدث وفاة فإن الملوثات والبكتيريا سوف تمر في أي مكان بجسم الإنسان المريض، هذا بخلاف المواد الكيماوية التي تناولها في كوب الماء، وهي عبارة عن صرف صحي ومواد حافظة، ومساحيق غسيل، ومبيدات، وكل هذا يمثل خطورة شديدة علي الجهاز الهضمي والكبد والكلي ويؤدي لانهيارهم، وتدمير الكبد والإصابة بأمراض الفشل الكلوي، لذا يجب أن نحرص علي وضع هؤلاء المصابين تحت الرعاية الطبية الكاملة بعد خروجهم من المستشفي وذلك لمدة 3 شهور علي الأقل، وذلك لأن المرض لم يعد بسيطاً ويجب معالجته بسرعة قبل أن يتحول لفيروس كبدى أ، هذا فضلاً عن إمكانية إصابة المريض بالفشل الكلوي إذا كان الكبد ضعيفاً، فأكباد المصريين غير سليمة ويعاني أغلبها من البلهارسيا والفيروس الكبدى، لذلك يجب المتابعة الجيدة حتي نتجنب الإصابة بتلك الأمراض.
الدكتور سيد سرحان مستشار وزير الصحة ومدير مراقبة جودة مياه الشرب بالوزارة سابقاً يقول: من أهم مصادر تلوث مياه النيل الصرف الصناعي والزراعي والآدمى، هذا بخلاف الأنشطة السكانية، وعند تلوث المياه يتم المعالجة في المحطات التي لا تتناسب مع طبيعة ومكونات الملوثات الموجودة في النيل، وهناك عدة طرق في معالجة المياه منها الطريقة التقليدية المعمول بها في مصر وتتناول معالجة المياه باستخدام الشبه، ثم عملية الترويق والترشيح وإضافة الكلور، وأخطر ما في هذه العملية هي إضافة الكلور في أول مراحل المعالجة، وذلك لأنه عند إضافة الكلور المبدئى يمكن أن تتكون مركبات عضوية «مكلورة» وتلك المركبات لا يمكن التخلص منها بهذه المعالجة، لأنه يجب أن يكون هناك مراحل للمعالجة فيجب أن تمر المياه علي طبقات من الكربون النشط، وهذا لا يطبق لدينا نظراً لكونه مكلفاً ويتم استيراده من الخارج، أما المرحلة الثانية من المعالجة، فبعد الترشيح تمر المياه علي خزانات داخل محطات المياه ثم يتم ضخها في الشبكة، والأخطر من ذلك أن الحكومة لا تراعي تغيير المواسير، فلا توجد في مصر خطة لعملية إحلال وتجديد شبكات المياه.
ففي القاهرة الكبرى يوجد ما يقرب من 18 محطة تنقية مياه، هذا بخلاف 3 محطات في كل محافظة، وهناك أيضاً المحطات الصغيرة التي تسمي «النقالى» وهي محطات متنقلة وسريعة وتستخدم في إمداد المناطق النائية بمياه الشرب الصالحة كحل مؤقت، ومع الأسف عندما يتم ضخ المياه في الشبكات الرئيسية لمياه الشرب قد يحدث تآكل للمواسير وانفجار، هذا فضلاً عن تلوث تلك المياه إذا وجدت بجوار مواسير صرف صحي فيحدث اختلاط بمياه الشرب والصرف الصحي مما يتسبب في كارثة، ولكي تتم تنقية المياه لابد من معرفة جميع الملوثات، ومكوناتها سواء عضوية أو غير عضوية، ويتم تجهيز المعالجة بناء علي تلك الملوثات لكي تتلائم معها، ولابد من استخدام الأوزون الذي تستخدمه محطات المياه المعبأة نظراً لأن تأثيره في قتل الملوثات والكائنات سيكون أقوى. وهذا الأوزون مع الأسف لا يستخدم في شبكات المياه لأن عمره قصير ويستخدم في مرحلة من المعالجة، ويتم التخلص منه بالكربون النشط وهنا يجب أن يتم تغيير وتطوير طرق المعالجة والكشف عن عمر الشبكات وتجديدها باستمرار لتجنب مشاكل التلوث والتسمم.
 

أهم الاخبار