رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مستشار رئيس الإمارات للشئون الدينية:

الشيخ على الهاشمى : الغرب يستهدف تفتيت الدول العربية

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 21 أغسطس 2019 21:01
الشيخ على الهاشمى : الغرب يستهدف تفتيت الدول العربيةالشيخ على الهاشمى مستشار رئيس دولة الإمارات يتحدث لـ«الوفد»
حوار - صابر رمضان:

الأزهر رائد الوسطية.. ومطلوب «تفعيل» الخطاب الدينى لا تجديده

الشيخ «زايد» اعتبر مقاطعة العرب مصر فى مؤتمر بغداد «خطيئة كبرى»

الأمة الإسلامية تمر بمرحلة صعبة.. والتسامح علاج للأزمة

التعليم والتنمية وصحيح الدين.. أهم ركائز محاربة الإرهاب
 

سماحة الشيخ على بن عبدالرحمن الهاشمى مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للشئون الدينية والقضائية، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وعضو أكاديمية أهل البيت للفكر الإسلامى، وعضو المجالس الحسينية بالمغرب، ومستشار المؤتمر العالمى الإسلامى، يعشق مصر منذ مراحل حياته الأولى، حتى إنه درس فى جامعة الأزهر الشريف ونال درجة الدكتوراة فى كلية الشريعة والقانون عام 1972، وعمل مستشارا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات، وكان يوفده إلى مصر فى العديد من المهام الرسمية، ثم كان من بعده مستشارا لرئيس الدولة. «الهاشمى» قيمة كبيرة وأحد علماء الأمة الإسلامية ورموزها الكبار، ويبقى مجلس علمه فى منطقة الخزنة فى «أبوظبى» منارة يرتادها أهل العلم وأصحاب الفضائل. وبالرغم من نشاطه الدعوى والدينى والسياسى؛ إلا أنه لم ينس جانب التأليف، حتى إنه أثرى المكتبة الإسلامية بالتحف والنوادر من التراث الإسلامى، فقام بتحقيق كتاب «الشرح الصغير» وتحقيق مدونة الإمام مالك فى 12 مجلدا، وتحقيق كتاب «كفاية الطالب الربانى» وتحقيق كتاب المجالس السنية فى شرح الأربعين النووية، وتحقيق كتاب «النصائح الدينية والوصايا الإيمانية»، وله تحت الطبع تحقيق كتاب «حكم ابن عطاء السكندرى».

< تعيش الأمة الإسلامية اليوم حالة من التشتت والضياع والفرقة الأمر الذى يثير فى نفوس المسلمين اليأس والتشاؤم كيف ترى ذلك؟

<< فى الحقيقة إن الأمة الإسلامية تمر بمرحلة صعبة ولكنها اعتادت على أن تجتاز هذه الصعاب بنصر مبين، لأن الله سبحانه وتعالى الذى نزل الكتاب وأرسل الرسول المصطفى محمد صلوات الله عليه وسلم رحمة للناس جميعا، بل للكون، تكفل بأن يحفظ هذه الأمة لكن عليها أن تعمل بالطرق التى تؤدى إلى الفوز والنجاة والبعد عن الخلاف والشقاق؛ فلا داعى للخلاف بين الأخ وأخيه والزوج وزوجته، الرئيس ومرؤوسيه، ولا بد من التسامح بين الجميع؛ ولذلك فإن دولة الإمارات العربية المتحدة أقامت وزارة للتسامح وأخرى للسعادة، ووضعت أيضًا أسسا وبرامج ومناهج مستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله عليه وسلم ومن الحكمة التى ورثناها عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله.

< وأين يتمثل دور العلماء والدعاة وصناع القرار فى ظل الظروف الحالية التى تمر بها الأمة الإسلامية؟

<< العلماء الذين أعرفهم وأحتك بهم وفى مقدمتهم الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وسماحة المفتى وأمين مجمع البحوث الإسلامية للأزهر الشريف، الذين يعملون فى إطار يخدم هذه الأمة ولا نجد منهم تقصيرا. وكثير نقرأ أن هناك من يلومون عليهم لكنهم يعملون فى الإطار الذى يستطيعون أن يعملوا فيه، لكن لإنجاح دور العلماء نحتاج هبة أو مثلما نقول لدينا فى الخليج «فزعة» من الإعلام والصحافة لأنها هى التى توصل المعلومة إلى الناس. والإسلام فى الأساس إعلام؛ فالمؤذن يعتلى أعلى مكان قبل أن تكون الميكروفونات والأجهزة وينادى 5 مرات وبأعلى صوته، فهؤلاء المؤذنون هم رديف لما يقوم به العلماء، وكل هذا يصب فى أننا نحتاج إلى هبة قوية من الإعلام تركز على دور العلماء ولا تتصيد قول أحد العلماء أو خطأ أحد المتعلمين؛ لأن التصيد يكون مثل إشاعة الفاحشة فى الذين آمنوا؛ فالإسلام قائم فى الأساس على الستر لا التشهير.

< التعصب المذهبى يتنافى مع وسطية الإسلام.. فكيف ترون ذلك؟

<< التعصب المذهبى هو فى الحقيقة عبارة عن أناس تعصبوا لغير مذهب، تعصبوا لمفاهيم بعيدة كل البعد عن سماحة الدين الإسلامى ويسره، فالرسول صلوات الله عليه وسلم يقول «إنما بعثت ميسرا ومبشرا، يسروا ولا تعسروا، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، كل الأديان التى سبقت الإسلام كالمسيحية واليهودية جاءت لتبشر الناس بالخير وتدعوهم إلى المعانى التى تحقق سعادة الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم أنزل عليه من ربه جل جلاله قوله تبارك وتعالى، «ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك»، فهذا الذى قيل لموسى وعيسى وإبراهيم وغيرهم من أنبياء الله عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام دعوة للخير ودعوة الناس إلى المحبة ودعوة إلى التصالح وإلى التسامح أيضا، رحم الله رجلا سمحا إذا باع؛ سمحا إذا اشترى؛ سمحا إذا اقتضى؛ فالسماحة تصاحب الإنسان وما تنازل الإنسان عن حق من حقوقه ولو كان يسيرا إلا وكافأه الله سبحانه وتعالى بما هو خير منه.

< ما تقييمكم لجهود الأزهر الشريف فى التصدى لظاهرة «الإسلاموفوبيا» وخدمة القضايا الإسلامية والعربية؟

<< الأزهر له أكثر من ألف عام وهو يخدم اللغة العربية التى هى لغة القرآن والسنة النبوية المشرفة وجهود الأزهر واضحة فى العالم لتصحيح صورة الإسلام المغلوطة لدى الغرب والتصدى لظاهرة الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام وتخرجت أفواج منه فى العالم الإسلامى كله تدعو إلى الخير وتدعو إلى المحبة وإلى إعلاء كلمة الله ليس فيها بغضاء ولا أنانية ولا تكبر، إنما هناك دعوات نِشأت فيما بعد نتيجة ما أحدثه الاستعمار الغربى من اعتداء على الأمة العربية والإسلامية، أشياء كثيرة لا داعى لذكرها، وطرأ لدى بعض الشباب ردة فعل، وهذا الذى يحدث الآن من المتطرفين ما هو إلا ردة فعل مجنونة وليست فعلا، وردود الفعل كما قلنا لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى القوة ومضاد له فى الاتجاه، فهذا الفعل ورد الفعل لا نرد عليه بفعل آخر ولكن نبطل الفعل الأول الذى أسس إلى ما وصلنا إليه، فلا بد من الاهتمام بالتعليم، وهو عنصر مهم، وتعليم التكنولوجيا مهم، إضافة إلى الاهتمام بقيمنا الأساسية كعرب وكمسلمين، فهناك قيم لا بد من إحيائها فى نفوس الشباب وإشاعتها بين الناس وتعليم الغرب؛ وقد التقيت بالأمس القريب بقداسة البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وتحدثت معه فى هذا الشأن وقلت له أنتم أقدر الناس على كفكفة المسيحيين الغربيين الذين هم فى الأصل بيزنطيون، فالمسيحية الحقيقية هى الأقباط الأرثوذوكس فى مصر والشرق عموما؛ أما المسيحية التى فى أوروبا فقد تقولبت ودخلت عليها بعض أفكار الصهيونية وما فعله البيزنطيون فى الكتاب المقدس من أشياء كثيرة تغاير ما عند مسيحيى الشرق من الكتاب المقدس الذى نجله ونحترمه. ومواجهة الإسلاموفوبيا تبدأ من خلال تخلق أبناء الجاليات الإسلامية فى الغرب وفى الدول التى يعيشون فيها بأخلاق الإسلام السمحة والتعايش السلمى مع غيرهم بحيث يظهر ذلك جليا فى تعاملاتهم وسلوكياتهم مع بعضهم البعض البعض ومع غيرهم حتى يرى أهل هذه البلاد تعامل أهل الإسلام فيقبلون على اعتناقه عن اقتناع وفهم للدين الإسلامى القويم.

< إذا تحدثنا عن فشل مشروع الإسلام السياسى بشكل خاص فى مصر فهل ترى أن الدعوة الإسلامية دفعت ضريبة هذا الفشل بشكل أو بآخر؟

<< من عظمة الإسلام أنه لا يهون بهوان أو خطأ المستخدم، فإعجازه التام وحفظه لله يجعله قائما فى كل حال «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، وقد بين الرسول أن هذا الدين محفوظ، فكلمة فشل كلمة واسعة، فالحمد لله لدينا المساجد ملأى بالمصلين والإسلام يرتبط بالمسجد، فإذا كان المسجد صالحا وفيه كلمات الله تتلى وتقام فيه الصلوات خمس مرات، فالمسيرة ستنصلح، أما الحكم فيحتاج إلى من يستطيع أن يدير، فقد تكون لديك عقيدة إسلامية صحيحة لكن لا تستطيع الحكم، فالإسلام لا يفشل ولكن من يدير دفة الحكم خطأ هم من يفشلون.

< كيف ترى الموقف العربى والإسلامى من القضية الفلسطينية بعد قرار ترامب بضم القدس خلال الأشهر المنصرمة؟

<< هذا أمر مهم جدا، ولكن الأفضل ترك الأمر للسياسيين فهم أهل

الاختصاص، وإن كان هناك بعد دينى فى الموضوع فإنه لا شك أن الأقصى ثالث الحرمين وأولى القبلتين ومنصوص عليه فى كل الكتب المقدسة؛ لأنه مكان مقدس ولا يصح لأحد من الناس كبر أو صغر أن يتصرف فيه بمفرده، ولعل الأمر الدائر الآن فى مصر والأردن يكون مخرجا سديدا من قبل السياسة المصرية والأردنية من أن يفكوا هذا القيد الذى أوجده القرار الأمريكى، والذى ليس له سند من الشرعية الدولية ولا الشرعية الإسلامية والعربية، فالذى ينتزع أرضا ليست ملكه ويعطيها لآخرين لم يطلبوها أصلا هو عديم الأخلاق، خاصة أن هناك قرارات دولية بأنها متروكة لأهلها الأصليين.

< ماذا عن أوجه التعاون بين دولة الإمارات والأزهر الشريف فى مصر؟

<< الأزهر يقوم بدور بالغ الأهمية والحيوية فى خدمة الإسلام والمسلمين فى شتى بقاع العالم من خلال التصدى لقضايا التعاون والترابط بين الشعوب الإسلامية؛ وبالطبع هناك تعاون وثيق بين الإمارات والأزهر ونقدر دوره كرائد للعالم الإسلامى، خاصة من خلال مجلس حكماء المسلمين الذى يرأسه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف والدور الفعال الذى يقوم به الأزهر الشريف فى جميع الفعاليات والمحافل الدعوية والتنويرية بدولة الإمارات لاسيما من خلال منتدى تعزيز السلم والمناسبات العامة التى يحضرها علماء الأزهر الوسطيين لتعزيز المنهج الدينى القويم ونبذ الإرهاب والتطرف فى العالم كله.

< قضية تجديد الخطاب الدينى كيف تراها وهل نحتاج إلى ثورة للتجديد وهل ترى الأزهر متعثر فيها؟

<< كثير من المنادين بتجديد الخطاب الدينى لا يعرفون شيئا فى الأصل عن مفهوم الخطاب الدينى، فهناك أصول للخطاب الدينى لا يعرفها إلا أهل العلم والاختصاص، فلو فهمنا الخطاب الدينى على مفهومه الصحيح ما احتجنا أن نجدد شيئا، وأنا أقول لمن يطالب بتجديد الخطاب الدينى ماذا نجدد فيه، وكيف نجدده، فالخطاب الدينى محكم وعندما نقول تجديد الخطاب الدينى ففيه ما فيه من الخطورة على بنية الإسلام وعلى ثوابت الدين، لكن الصحيح هو تفعيل الخطاب الدينى لأنه لا يجدد، فالدين منذ أنزل من لدن حكيم خبير على الأنبياء والرسل السابقين وحتى خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جديد فى ذاته قال تعالى، «ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد»، والقول بأن الخطاب الدينى يحتاج إلى تجديد يفهم منه أنه تقادم ولم يعد صالحا، فلا يوجد فى الخطاب الدينى قديم وجديد، وما علينا إلا التمسك بكتاب الله وسنة رسوله بتفعيل الخطاب الدينى بمفهومه الصحيح، فالإسلام يعرف الإصلاح ولا يعرف الثورة؛ والإصلاح هو تأليف القلوب، كما أن الإسلام دعوة صلاح وحياة، قال تعالى، «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» (الأنفال، 24). ولذلك لا بد من المصالحة مع الدين واتباع تعاليمه والعمل على التآلف بين الناس المرتكز على العدل، فنحن بحاجة إلى التصحيح الدينى وليس تجديد المفهوم الدينى. أما بالنسبة للأزهر فهو لا يتعثر فى شىء أبدا، لأن العلماء الأجلاء الذين أقدرهم وأجلهم كثر؛ وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر يقومون بواجبهم ولا يقصرون فى شىء؛ وقد كنت بالأمس القريب فى ضيافة شيخ الأزهر، وهو رجل يحترمه الجميع ويجله وله تقدير فى مصر والعالم الإسلامى، وله مكانته الأصيلة وهو لا يقصر، ولكن كما ذكرت بعض الصحفيين والإعلاميين ينشرون معلومات مغلوطة أو يسيرون فى الطريق المعاكس ويشغلون الأزهر وغير الأزهر بقضايا لو تركت لأهلها من أهل الاختصاص لكان أفضل على حد قول الإمام الشافعى رحمه الله الذى قال كلمة توزن بميزان الذهب ألا وهى، «لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف».

< رغم أن الإرهاب والتطرف ظاهرة عالمية فقد تم تجاهل جميع أشكاله والتركيز على ما لدى المسلمين من أحداث وتضخيمها حتى أصبح الإسلام يوصم بدين التطرف فما ردكم على هذه الأكاذيب؟

<< الاستعمار الغربى جاء على أكف التبشير لكى يقضى على الإسلام وقد سمعت من متحدثين مصريين مفكرين وعلماء أن الاستعمار الغربى كان يركز على تقزيم دور العلماء ودور الدين فى المجتمع لكى يتفرغ لمرحلة تالية، فالاستعمار الغربى جاء ليجعل المسلمين ينسون هذا الكتاب «القرآن» ولعل واحدا من اللوردات فى مجلس العموم البريطانى طلع عليهم بالمصحف وقال، «ما دام هذا المصحف موجود عند العرب والمسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم أبدا».

< إذن أنت تؤمن بوجود مخطط غربى لتفتيت المنطقة العربية؟

<< المخطط موجود، لكن المخطط لهم عليهم أن يستيقظوا من غفلتهم، فإذا كان الله سبحانه وتعالى جعل لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن، فالقرآن الكريم نص على ذلك بالنسبة للرسول صلوات الله عليه وسلم، فأعداء الأمة موجودون ولكن تحقيق غرضهم يتم عند غفلتنا، ثم أيضًا أننا لا نعادى الكون ولا نعادى لا الغربيين ولا الشرقيين ولا نعادى أحدا، ولكن يوجد من بينهم أعداء لنا ولكن الأغلبية تسير مع التفاهم والسماحة وكل ما يحقق للبشرية النماء والاستقرار والتقدم، فنحن لا نصدر أحكاما جزافية، فلست ممن يتحدثون بمبدأ الشمولية، فهناك أحزاب نحكم عليها بالفساد وهناك الصالح والطالح، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الناس هكذا قال تعالى،«وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة وما أدراك العقبة»؛ وهناك مثل خليجى يقول، «يا بوى شتموك» قال، «لو أنت لم تشتمهم ما شتمونى» فالمسألة تعود للتربية والقيم، ومسألة المحافظة على النظام أيضًا، وإن كان هذا النظام لا يعجبه لكن لا بد أن يحافظ عليه لأن فيه الاستقرار ويمكن عن طريقه الإصلاح، فالإصلاح لا يأتى عن طريق العنف، لا من الأفراد ولا من الجماعات ولا من أى جهة من الجهات، إنما يأتى الإصلاح عن طريق التفاهم واتباع الطرق الأمنية التى تؤدى إلى أن يقول الناس ما فى خاطرهم من غير توجس أو خوف، كما قال الرسول،«من أصبح منكم آمنا فى سربه معافى فى بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».

< كيف ترى تنظيم داعش وتداعيات وجوده على الإسلام والمسلمين؟

<< نحن الذين صنعنا داعش، فلم يصنعها الغرب وذلك بتشددنا، فهناك بعض الجهات تتشدد وصدرت التشدد إلى مصر فى وقت من الأوقات، وقد نبهت إلى ذلك من حوالى ربع قرن.

< إذن «داعش» ليست صناعة غربية؟

<< لا.. فالغربيون أيضًا يئنون من الإرهاب عندهم.

< البعض يتهم المؤسسات الإسلامية بالتقصير فى مواجهة التطرف والغلو فما ردك؟

<< لا.. ليس كل المؤسسات؛ فالشمولية تؤدى إلى الظلم؛ ففى المؤسسات يوجد أناس مغفلون لكن قوام المؤسسة ونظامها قائم على النفع العام، لكن أن يوجد متشدد أو متراخٍ لا يحسب ذلك على المؤسسات بل على من يرون هذه المؤسسات أن ينتبهوا لذلك حتى لا يخسروا النظام والسمعة.

< إذا استعرضنا جهود دولة الإمارات العربية الشقيقة فى إقرار مبدأ التسامح حول العالم.. فماذا تقول؟

<< المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان نهجه القائم حتى اليوم وبعد وفاته يقوم على الإصلاح، فكم سعى ليصلح بين المغرب والبوليساريو، وكم سعى للإصلاح بين «السادات والقذافى»، وقد أوفدنى للقذافى ثلاث مرات فى هذا الشأن، كما سعى لإصلاح ما فى العراق من خلل وخاطب فى ذلك الرئيس العراقى وقتها صدام حسين، ولكن لو كان هناك سميع لما حدث ما حدث؛ حتى إن الشيخ زايد رفض مقاطعة، مصر فى مؤتمر الذى كان يسميه السادات مؤتمر البداءة بسبب رفضهم اتفاقية كامب ديفيد التى أعادت سيناء واعتبر مقاطعة العرب مصر خطيئة كبرى حتى إن الشيخ زايد رحمه الله وقف فى المؤتمر وحده وقال لا تقاطعوا مصر فالسادات أعاد لخريطة مصر جزءا منها وهو سيناء ويجب أن نناصره فاسألوه إن كان فى حاجة إلى دعم لكنهم صمتوا جميعا؛ إلا الشيخ زايد الذى رفض مقاطعة مصر وصلته لم تنقطع بها وكان يوصى بإنشاء المدارس والمساجد فى مصر خاصة التى أسقطها الزلزال؛ فقد تكفل ببناء جزء كبير منها ولم يكن يحب أن يعلن عن ذلك، ومواقفه حية إلى اليوم فى أبنائه الشيخ خليفة بن زايد والشيخ محمد بن زايد ولى العهد وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

< وماذا عن دور الإمارات فى التواصل مع العالم الإسلامى وجهودها فى تصحيح صورة الإسلام؟ وماذا عن العلاقة الوطيدة بين الإمارات والأزهر الشريف؟

<< دولة الإمارات العربية المتحدة دولة ناشئة على يد المغفور له بإذن الله حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لكنها دولة أصيلة أصالة العروبة والإسلام، فدائما كان الشيخ زايد ومن بعده أبناؤه يسيرون على نفس النهج ويؤكدون على تأصيل التسامح الذى رسخ له الشيخ زايد رحمه الله من حيث التواصل بين الناس وبذل المعروف، فالتسامح قيمة إسلامية وشرعية وإنسانية؛ ونحن لدينا حوالى 140 جنسية يعيشون فى الإمارات فى تسامح وكل يتعبد على حسب ديانته؛ وقد شاركت بنفسى فى وضع حجر الأساس للكنيسة القبطية فى الإمارات، ولدينا مؤسسات خيرية إنسانية كبرى، فهناك مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية وغيرها من المؤسسات التى تعمل فى البلاد العربية والإسلامية، وقد بدأ الشيخ زايد رحمه الله العمل فى مصر فى الإسماعيلية بعد الحرب ثم بعد ذلك مدينة 6 أكتوبر وفى مدن الصعيد ومدينة الشيخ زايد، فالسعيد من يسعد العالم، فكان يؤصل للروح العربية البدوية الأصيلة بعيدا عن التمايز، فزايد رحمه الله كان يؤكد أن نهجنا القرآن الكريم والسنة النبوية، وكان له اتصالات بالأزهر الشريف، وقد كنت على علاقة طيبة بالإمام الأكبر الشيخ عبدالحليم محمود ومن بعده الشيخ جاد الحق والإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيوخ الأزهر رحمهم الله جميعا، وكنت أوفد إليهم رسميا؛ وقد قمنا بطباعة العديد من الكتب فى الأزهر ولولا الشيخ زايد ما طبعت المدونات فى العديد من المجلدات وأمهات الكتب سواء فى الفقه المالكى أو الفقه عامة أو الأحاديث النبوية. ونحن لاعلاقة لنا بمسألة المذهبية، فهناك جنسيات مختلفة فى بلادنا لكن الكل يعيش فى سلام ووئام، وتعمل الإمارات على نشر التسامح فى العالم ونبذ التطرف وتصحيح صورة الإسلام وتقديم نموذج الإسلام السمح فى كل مكان بالعالم. وعلاقة الأزهر الشريف بدولة الإمارات ستظل متميزة تخطت مرحلة القوة الناعمة وصارت رسالة، فعبر تاريخ مشايخ الأزهر الشريف ظلت محطة التواصل ثابتة، لأن الإمارات شقيق مؤازر لجهود مصر، وقد زادت هذه العلاقة فى عهد الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالى من خلال سلسلة من المشاريع التى تدعم جهود مصر الإمارات من أجل السلام وتحقيق الاستقرار فى الوطن العربى وحماية الأقليات المسلمة، وقد كلل هذا التعاون بحصول شيخ الأزهر على جائزة شخصية العام الثقافية ضمن فعاليات جائزة الشيخ زايد للكتاب وهو تكريم للأزهر لأنه الحارس الأمين لاعتدال الدين الإسلامى الحنيف وترسيخ منهج الوسطية وسيظل يعمل لخدمة الإسلام والمسلمين.

< ما تقييمك لوثيقة الأخوة الإنسانية، وهل ترى أنها أتت ثمارها المرجوة منها؟

<< هو جهد كبير يحسب للإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والبابا فرانسيس بابا الفاتيكان، وهى وثيقة تاريخية فى نظرى للتعايش الكريم فى ظل الإسلام بين المسلمين بعضهم البعض أو بينهم وبين غيرهم، وكل ذلك يتسق مع أول وثيقة أصدرها سيدنا محمد النبى الأمى الكريم فى المدينة المنورة؛ والوثيقة نتاج عمل مشترك وحوار متواصل استمر لأكثر من عام ونصف العام بين الإمام الأكبر وبابا الفاتيكان وتحمل رؤيتهما لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين أتباع الأديان وللمكانة والدور الذى ينبغى للأديان أن تقوم به فى عالمنا المعاصر؛ لكن حتى تؤتى الشجرة أكلها وثمارها ويكون طرحها نافعا ومثمرا غالبا ما تأخذ سبع سنوات على الأقل، وكذلك فإن تفعيل هذه الوثيقة حتى تؤتى ثمارها يحتاج إلى صبر، وكثير من الزعماء الحاليين يوصى بالصبر؛ لأن الصبر هو طريق النجاة، أما الاستعجال فلا يفيد، فبناء الأمم يحتاج إلى صبر.

< هل ترى أن مناهجنا فى التعليم سواء العام أو الأزهرى كان من المفترض أن تتضمن ما يدعو إلى فكرة التسامح وتأصيلها فى نفوس أبنائنا؟

<< المناهج موجودة وقائمة بالفعل، لكن لا بد من القدوة وعلينا الاهتمام بالتعليم والمعلم القدوة أولا ثم بالمنهج الدراسى، وهذه منظومة متكاملة ويجب أن تتضمن المناهج نماذج من السيرة النبوية، وكيف كان النبى ونشأته، وأن ترتقى المناهج إلى الشمائل من الأخلاق والمعاملات بين الناس على أساس ما يدعو إلى التآلف والتعايش والتسامح.

< وهل ترى أن الأجواء مهيئة لنشر فكرة التسامح أكثر من ذى قبل؟

<< نعم.. ولِمَ لا، فالتسامح كما قال الرسول صلوات الله عليه وسلم، «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»؛ فالمصالحة خير، فالنفس البشرية فيها خير.

< كيف يمكن مواجهة الإرهاب والأفكار المتطرفة؟ وهل التجديد فى الفتوى من الممكن أن يواجه الفكر التكفيرى والتطرف؟

<< بالتعليم عن طريق تصحيحه والعودة إلى القيم، لأنه لا يمكن مواجهة الإرهاب بإرهاب، فالنفس البشرية قابلة للخير مهما يكون، فلا يوجد شرير محض إلا الشيطان؛ ولا يوجد معصوم تماما من البشر إلا المصطفى صلوات الله عليه وسلم، فإذن لدينا مساحة لهداية الضال وخير طريق ما يفعله الصوفيون القدامى الأصليون من تزكية للنفس البشرية وتهذيبها وإصلاحها. والتجديد فى الفتوى مطلوب فمن خلاله يتم توضيح الفتوى وشرحها من أهل الاختصاص للمستفتى على منهجية علمية راسخة تراعى أحواله وواقعه وزمانه لتبعده عن السقوط فى براثن الفتاوى الشاذة التى يطلقها أصحاب الفكر الضال ولا بد من التربية السليمة والصحيحة للأجيال الناشئة وتأسيسهم تأسيسا دينيا صحيحا؛ بالإضافة إلى القضاء على الجهل والفقر والبطالة من خلال التنمية الحقيقية ونشر الثقافة الإسلامية الصحيحة بدءا من مراحل التعليم الأولى لأن التربية السليمة والتعليم والتنمية أهم ركائز محاربة الإرهاب والتطرف.

< هل أنت مع التقارب بين السنة والشيعة؟

<< التقارب موجود منذ زمن بعيد بالفعل، لأن كلا الجانبين يؤمن بأركان الإسلام الخمسة ولنبتعد عن الخلافات السياسية والفرعيات.

< ماذا عن دور الإعلام فى مواجهة الإرهاب والتطرف فى المنطقة العربية؟

<< الإعلام يحتاج إلى أن يعطى دورا أكثر جدية فى إشاعة روح التسامح وعرض ما يقوم به العلماء من جهود، فالعلماء فى الغرب لهم مكانة كبرى، فالإعلام لا بد أن يوجه إلى القيم الإسلامية ودور العلماء فى ترسيخ ذلك، وإبراز جهودهم ومساهماتهم الطيبة فى بناء المجتمع.

< ماذا عن التصوف وعلوم التزكية التى تتحدث عنها دائما ودورها فى المجتمع؟

<< نقصد بعلوم التزكية علوم التصوف الحقيقى الذى يبنى على الفضائل والقيم والأخلاق الحميدة بين أفراد المجتمع ويؤخذ هذا العلم من العلماء الثقات فى هذا المجال ومن تراثهم وكتبهم وأحاديثهم وهم علماء لا يعرفون طريقا لهم إلا منهج الوسطية فى نشر التصوف الحقيقى من أمثال الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله، والذى كان يطلق عليه شيخ المتصوفين، والشيخ محمد زكى إبراهيم – رحمهما الله تعالى- ومشايخ الأزهر، وفى مقدمتهم الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، فعلوم التزكية أو التصوف الحقيقى قادرة على الحماية من السقوط فى براثن التطرف والفتاوى الضالة والشاذة التى تتسبب فى الفهم المغلوط للإسلام على أنه دين العنف والقتل والجمود، كما أن نشر علوم التصوف الحقيقى التى تستقى من مصادرها الصحيحة قادرة على تصحيح الصورة الخطأ عن الإسلام التى تسبب فيها بعض من ينتسبون للإسلام الدين الحنيف وهو منهم براء ولا يعرف لهم ذكرا ولا اسما.

< قام كل من الأزهر والأوقاف بإنشاء أكاديمية لتأهيل الدعاة وتدريبهم، فكيف ترى مثل هذه الخطوة للارتقاء بمستوى الدعاة؟

<< هى خطوة جيدة، لكننا نرى ضرورة الاهتمام بالكتاتيب أولا، مثلما فعل الشيخ عبدالحليم محمود الذى افتتح أكثر من 1500 كتَّاب فى الريف، فلا بد من العودة للكتاتيب التقليدية وتعليم الأطفال اللغة الرشيدة وقواعدها وتطويع اللسان العربى على لغة القرآن، ووقتها سيخرج جيل داعية بأخلاقه وسلوكياته مؤهل لقيادة الدفة، فالتعليم فى الصغر كالنقش على الحجر.

< أخيرًا.. رسالة توجهها للمسلمين وإلى الأوروبيين؟

<< لا بد أن يقرأ المسلمون، فهناك أساطين من الذين كتبوا فى الأدب والدين كطه حسين والبهى الخولى والشيخ الغزالى صاحب الـ120 مؤلفا، وكذلك مؤلفات الشيخ محمود شلتوت وكبار العلماء حتى يتم إعداد جيل بعيد عن التطرف والفكر المنحرف، وعلى الأوروبيين أن ينظروا نظرة إنصاف للدين الإسلامى بعيدا عن الشطط واتهامه بالعنف والإرهاب، فالإسلام براء من كل الاتهامات التى توجه إليه، وليس فى حاجة للذود عنه، فهو دين الله الباقى تكفل بحفظه.

 

أهم الاخبار