محاكمة مبارك.. و«أوهام» سقوط النظام

محاكمة مبارك.. و«أوهام» سقوط النظام
تحليل يكتبه: مصطفى عبد الرازق:

رغم أن حالة الغضب العارمة ضد الأحكام على الرئيس السابق مبارك ونجليه ووزير داخليته حبيب العادلي ومساعديه كانت متوقعة، إلا أن أحدا لم يكن يتخيل أنها من الممكن أن تتحول إلى ثورة ثانية

وأن تعيد إلى الأذهان مشهد الثورة في 25 يناير بشكل لم يحدث على مدى الستة عشر شهرا هي عمر الثورة، الأمر الذي عبر عنه الكثيرون في الميدان بقولهم: اليوم 25 يناير.
تثير تلك الحالة العديد من التساؤلات حول أبعاد غضبة المصريين بهذا الشكل، رغم محاولة تقديم الأحكام بشكل تبدو معها متوازنة ورغم الإجراءات التي سعى من خلالها القائمون على الحكم إلى امتصاص ردة  الفعل الشعبي ضدها وتحجيمها في أضيق مستوى. بدا ذلك في البيان الذي تلاه المستشار أحمد رفعت في بداية الجلسة وهو امر غير معهود، مما أثلج صدور الكثير من المتابعين للمحاكمة بشكل توقعوا معه أن تكون عادلة وتصور أن المحكمة تؤمن بعدالة القضية ضد مبارك ووجوب محاكمته على سوء فترة حكمه. كما بدا الأمر كذلك في الإسراع بنقل مبارك إلى سجن طرة، رغم أن ذلك على الصعيد الإجرائي لم يكن متوقعا أن يتم بهذه السرعة وعلى النحو الذي تم به.
غير أن تلك الإجراءات التسكينية لم تفلح في إخماد غضب الشارع الذي هب بشكل تلقائي ودون ترتيب من قوى ثورية أو غيرها إلى الميادين للتعبير عن رفضه للأحكام.  ولم تمر ساعات إلا وكان ميدان التحرير وغيره من ميادين المحافظات يعج بالمواطنين المنددين بالأحكام ضد مبارك ونجليه والعادلي ومساعديه.
لعل أقرب التفسيرات صحة للحالة التي تحول إليها الشارع المصري بعد صدور الأحكام هو ذلك القائم على أن «صبر المصريين» إزاء مساعي الالتفاف على الثورة قد نفد وهو نفس العامل الذي كانت تقوم على أساسه سياسات النظام السابق، الأمر الذي كان وراء قيام ثورة يناير أصلاً. فبعد نحو عام ونصف العام من الثورة بدا لهم أن تطورات الأمر على أرض

الواقع تشير إلى تراجعات على صعيد مختلف الأوضاع بشكل يمكن الانتهاء معه إلى أن الثورة لم تقم، وأن التضحيات التي قدموها تكاد ان تضيع هدرا. ولتخسر مرة ثانية السلطات الحاكمة – المجلس العسكري والحكومة هذه المرة - الرهان بأن المصريين يمكن أن يتحملوا الظلم ويصبروا إلى ما لا نهاية وهو ذات الرهان الذي كان يعتمده نظام مبارك على مدى سنوات حكمه الثلاثين إلى أن فوجئ بالثورة.
تجد تلك الأوضاع المتعلقة بتراجع الحالة الثورية وملامح الانقضاض على أهداف الثورة تفسيرها في خطط الثورة المضادة التي سعت منذ اللحظة الأولى للعمل على إحتواء الثورة واجهاضها وتفريغها من مضمونها بشكل تعود معه الأمور إلى سيرتها الأولى قبل يناير أو ما هو أقرب الى ذلك الوضع. وكان من السهل على المواطن العادي أن يلمح ما يمكن وصفه بمحاولة «تطبيع» المصريين على أوضاع ما قبل الثورة بشكل يؤكد مقولة إن النظام لم يسقط وأن ما سقط رأسه فقط. ورغم تعدد خطط وسياسات القضاء على الثورة إلا أنها اتخذت شكلا فجا خلال الشهور الماضية بشكل كان يعكس تصورا لدى خصوم الثورة بأنهم على وشك جني ثمار العودة مرة أخرى، ويمكن رصد أهم ملامح هذه الخطط في:
1ـ محاولة فرض عمر سليمان، أحد أركان النظام السابق، كمرشح رئاسي وهي المحاولة التي كانت من الفجاجة بمستوى استنفر المصريين بمختلف فئاتهم ضد رفضها ووأدها، فكان لهم ما أرادوا وإن بشكل ملتوٍ يوحي بأن استبعاده ليس بناء على موقفهم وإنما لمشكلة في الإجراءات.
2ـ «هندسة» نتائج الانتخابات الرئاسية بشكل تمكن معه شفيق رئيس الوزراء في النظام السابق من دخول جولة الإعادة، على نحو يصعب معه
القول بوجود تزوير في الانتخابات، ووضعه في ساحة المنافسة مع مرشح قوة فقدت تعاطف الشعب معها بشكل لا يجعل أمام المواطنين خياراً سوى التصويت لشفيق. وستكشف الأيام المقبلة خفايا «تزييف» إرادة المصريين في هذه الانتخابات.
3ـ ثم كانت الخطوة الأخيرة في طريق التطبيع والتعايش مع حالة النظام السابق من خلال الأحكام التي قدمت صورة ملتبسة من خلال أحكام متباينة هدفها شق وحدة المصريين إلى «مع وضد»، ومحصلتها في النهاية اتخاذ خطوات مخففة من رموز النظام السابق بشكل قد يتحول معه الأمر إلى خطوات أكثر وضوحا حال سماح الظروف بذلك، كنجاح شفيق في انتخابات الرئاسة الأمر الذي قد يمكن معه الإفراج الصحي عن مبارك وتمرير أحكام براءات من القضايا المعلقة سواء للعادلي او لنجلي مبارك.
على هذه الخلفية تلقى المصريون الأحكام فكانت غضبتهم التي عمت مختلف أنحاء البلاد بعدما بدا واضحا لهم ملامح خطط إعادة انتاج النظام السابق، وهو التعبير الذي كان يقال على سبيل التوقع، وأصبح حقيقة واقعة نلمسها مع كل خطوة للأمام في طريقنا لبدء مرحلة ما بعد إجراءات المرحلة الانتقالية.
ورغم ذلك لا يمكن تبرئة القوى الثورية تماما من الحال الذي نشهده وهنا نشير إلى أن الثورة بالشكل الذي تمت به حملت بذور فنائها وأن الآوان الآن هو جني الثمرة من قبل خصومها.. أو هكذا تصور الخصوم.. فقد فرح المصريون بتنحي مبارك دون الانتباه إلى اللغم الذي يواجهونه في طبيعة ترتيبات نقل السلطة، وهي الترتيبات التي قضت على فكرة التغيير الشامل الذي يمثل هدف أي عمل ثوري وجعلت من عملية التغيير جزئية سمحت بنمو القوى الرافضة للثورة، والتي تتمتع بالقوة والفعالية في قلب النظام الذي لم يسقط كله بالطبع بالشكل الذي انتهى بنا إلى ما نحن عليه. وعزز من ذلك عدم تشكيل مجلس لقيادة الثورة من قلب الميدان مما جعلها ثورة بلا عقل مفكر يمكن لأى كان أن يتحدث باسمها بشكل لم يعد معه من المستغرب أن تعلن مجموعة تطلق على نفسها ائتلاف ثوري الدعوة بحرارة إلى انتخاب شفيق.
مؤدى ما سبق أن المصريين أمام مفترق طرق، وهو ما يعني الاستفادة من دروس وأخطاء الفترة الماضية من عمر الثورة والعمل على الوصول بها إلى بر الأمان، الأمر الذي لن يتم سوى بالحيلولة دون تسلل عناصر النظام السابق للسيطرة على مقدراتنا مرة ثانية.. فمن أجل هذا الهدف قامت الثورة ومن أجله يجب أن تواصل كفاحها.


 

أهم الاخبار