حرب تكسير العظام لا تزال مستمرة

مصر بين دولة المرشد وعودة الحزب الوطنى

مصر بين دولة المرشد وعودة الحزب الوطنى
تحليل: محمد ثروت

أعادت الانتخابات الرئاسية مصر إلى المربع رقم صفر أو بمعنى آخر إلى مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير.. الصراع بين الإخوان المسلمين والحزب الوطني الديمقراطي المنحل على السلطة في البلاد.

في مصر قبل الثورة، كانت جماعة الإخوان المسلمين هي أكبر الجماعات المعارضة لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، وكانت نتائج انتخابات مجلس الشعب في نهاية 2010 هي "القشة" التي قصمت ظهر بعير النظام السابق، بعد أن انفرد الحزب الوطني الديمقراطي المنحل بمقاليد الأمور ولم يترك مساحة ولو حتى للمعارضة الشكلية تحت قبة البرلمان.

قلبت الثورة الأمور رأسا على عقب، وأصبح الإخوان المسلمين ومعهم حزب النور السلفي  المسيطرين على مجلسي الشعب والشورى، وخرج من بينهما الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان، ليكون مرشح تيار الإسلام السياسي في انتخابات الرئاسة، وشاءت الأقدار أن يكون منافسه في جولة الإعادة الفريق أحمد شفيق المدعوم من عدد كبير من قيادات الحزب الوطني المنحل.

وخارج هذا الإطار، تتواجد القوى السياسية والثورية، لم تتوافق تلك القوى منذ بدء الثورة في 25 يناير وحتى الإعلان عن نتائج انتخابات الرئاسة في جولتها الأولى، ودفعت ثمن عدم التوافق غاليا، فأصوات القوى الثورية في البرلمان يمكن عدّها على أصابع اليدين، بينما تفتت أصوات الثوريين بين حمدين صباحي والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح لتخرج الثورة من السباق الرئاسي "خالية الوفاض"، لتبدأ مرحلة البحث بين خيارين "أحلاهما مرّ".

إذن فالواقع الحالي يشير إلى أن مستقبل مصر سيكون بين دولة المرشد، وهي دولة الإخوان المسلمين، وبين إعادة إنتاج نظام مبارك دون توريث.

ولكن قراءة الأوضاع من بين السطور تشير إلى واقع أكثر خطورة، كلا الطرفين يريد كرسي الرئاسة كي يضمن النجاة من انتقام

الطرف الآخر وفتح الملفات القديمة وهي تشبه الصندوق الأسود لدولة سقطت في حادث ثوري، ولكن الصندوق لم يتم فتحه حتى الآن.

 الإخوان وعكاشة وسليمان

في 28 يناير المعروف إعلاميا وثوريا باسم "جمعة الغضب" خرج الملايين من المصريين للمطالبة بإسقاط النظام، كان من الطبيعي أن يكون هناك رد فعل أمني عنيف، ولكن ما لم يتوقعه أحد أن يكون هناك ما يعرف باسم "الفراغ الأمني"، والهجوم المنظم على أقسام الشرطة والذي تبعه هجوم آخر على عدد من السجون، وخروج عناصر من حزب الله وحركة حماس لتصل إلى الحدود في وقت قياسي.

في أقواله أمام النيابة قال اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة السابق إن أجهزة المخابرات التقطت اتصالات بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين يوم 27 يناير 2011، وفي حوار له مع جريدة الأهرام إبان ترشحه للرئاسة قال سليمان إن الإخوان نزلوا الثورة لغرض الانتقام وكانوا وراء الهجمات على أقسام الشرطة والسجون.

القضية ليست في تصريحات سليمان، التي يمكن أن تحمل قدرا من المبالغة، أو أنها يمكن أن تكون محاولة لتبرئة النظام السابق، ولكنها في الأساس في "صمت الإخوان" على تلك الاتهامات المباشرة والصريحة، حيث اكتفى المستشار القانوني للجماعة الدكتور عبد المنعم عبد المقصود بالقول: إن الجماعة تدرس مقاضاة سليمان على تلك التصريحات، في حين أن تصريحات مسيئة للإعلامي توفيق عكاشة ضد الدكتور مرسي كانت كفيلة بشكل فوري وعاجل بتحريك دعويين قضائيتين من الإخوان تطالب فيها بوقف بث قناة الفراعين والتحقيق

مع عكاشة.

 الحصن البرلمانى وانتفاضة الوطنى

وتحت القبة ربما يتضح المشهد بصورة أوسع نطاقا، فقد لجأ نواب الإخوان المسلمين إلى "تحصين البرلمان" من الأحكام القضائية ليصبح النسخة المعدلة من "سيّد قراره"، من خلال قانون يمنع المحكمة الدستورية العليا من حل البرلمان، وأن يكون حل البرلمان قرارا ذاتيا من أعضائه، وهو أمر يستحيل حدوثه.

ومن جهة أخرى صدر قانون برلماني آخر بالعفو عن جميع الجرائم السياسية التي من عام 1976، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، إلى 11 فبراير 2011 تاريخ تنحي مبارك، كما تجدر الإشارة إلى قانون العزل السياسي الذي كان الهدف منه الإطاحة بشفيق وسليمان من سباق الرئاسة رغم الآراء القانونية التي تؤكد "عدم دستورية القانون" لصدوره بعد فتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة.

على الجانب الآخر فإن شفيق يبدو ضوء الأمل الأخير للعديد من الأطراف، أعضاء الحزب الوطني المنحل، رجال الأعمال، النظام السابق الذي يقضي عدد من أركانه عقوبة السجن، المجلس العسكري الذي يريد خروجا آمنا ربما يهدده وجود "إخواني" على رأس الحكم في البلاد، كما أن شفيق يسعى لإنقاذ نفسه من اتهامات بالفساد ربما تضعه إلى جانب أقرانه من النظام السابق إذا ما خسر معركة الإعادة مع مرسي.

الصعود المفاجئ لشفيق دفعه العديد من العوامل لعل أهمها "كفر" قطاع عريض من الشعب بالثورة وما يفعله عدد من الثوار، وخوف كثيرين من تيار الإسلام السياسي، وأخيرا الدعم الهائل من كتيبة الحزب الوطني التي لا تزال متوغلة في الأقاليم التي لم تصل إليها الثورة، والتي يعتمد أنصارها على مخاطبة بعضهم البعض "فيس بوكيا" وفضائيا وميدانيا في التحرير.

في النهاية فإن مستقبل مصر الثورة يقع بين طرفين، الأول جمهورية المرشد وهو العالم الخفي الذي لا يعلمه إلا الإخوان المسلمين ومن يعرفهم جيدا فقط، وفي ظل شكوك تدعمها مؤشرات حول دعم "قطري" تمثل في زيارة خيرت الشاطر إلى الدوحة منذ شهرين، وبين جمهورية الحزب الوطني المباركي، ولكن تلك المرة بدون "وريث"، وبفساد لا أحد يمكن أن يعلم حدوده سلبا أو إيجابا، وهناك طرف ثالث وهو الطرف الثوري، ربما يكون قد تحرك أخيرا ولكن الخوف من أنه انتبه بعد أن غادر القطار المحطة.

 

 

 

 

 

 

 

أهم الاخبار