رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الشيخة صباح .. ملاذ المرضى ومأوى الفقراء والمنكسرة قلوبهم

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 19 ديسمبر 2018 19:55
الشيخة صباح .. ملاذ المرضى ومأوى الفقراء والمنكسرة قلوبهم

إعداد: د. رامى المنشاوى

أنشأت تكيتها لإطعام الفقراء وتمريض الميئوس من علاجهم بجوار شيخ العرب

روادها أقباط ومسلمون وكان دستورها هو الحب

يوم «زفافها» شاهد الناس كرامتها الأولى فذاع صيتها بقرية ميت السودان

أعادت الإمام الأكبر الشيخ سليم البشرى إلى منصبه بعد أن عزله أمير البلاد ودفعت مظلمة عن مؤذن مسجدها

 

قرابة عشرة أعوام أو يزيد بقليل.. لحظة توقف الذاكرة عند حدث، تستدعى حضور المشهد بكل تفاصيله، تتجسد أمامى كما بدت لى، الحاجة ليلى السبطاسى، أو كما كنت أدعوها «ماما ليلى»، والدة الصديق الذى كان نصيبى من الدنيا حسن عمران، هى برعشة يدها، تلك السيدة التى أغلقت عالمها على ثلاثة أطفال، صاروا صبية ثم رجالاً، بعد أن رحل العم حنفى، رحمه الله، ولعلك لا تعرف عزيزى القارئ من هى تلك السيدة، فاسمح لى أن أعرفك بذلك الملمح الإنسانى الذى ندر فى زماننا، «أمى ليلى» الطيبة، جميلة الملمح بعين خضراء ويد حانية لطالما كانت ترتعش من ألم أصاب أعصابها، وتمكن من ثباتها، لكنها رغم كل ذلك أغلقت عالمها على صبيتها الثلاثة، وربتهم إلى أن صاروا رجالاً، وكأنما نذرت لله حبات عمرها لنمو الصغار وتربيتهم، سافر حسن، الابن الأكبر إلى بلاد النفط، وفى كل مرة من نوبات الرحيل كانت تلقى على أذنه جملة واحدة «يا عالم يا حسن الوشوش هتتلاقى ولا لا».. لكنه حسن قبل سفره الأخير يهاتفنى، يبدو صوته مشروخاً، نسير متجاورين كعادتنا مذ كنا طلبة جامعة، يقول لى: خايف على أمى.. أسمعها فى الليل تناجى الأموات الذين رحلوا عن عالمنا.. وسمعتها، أمس، تناجى الشيخة صباح، ولما دخلت غرفتها تنبهت لى وابتسمت وقالت: «ما تخافش عليا يا حسن دى كانت الست الشيخة صباح».. بعدها بأيام جاء الهاتف هذه المرة صوت حسن ليس مشروخاً فقط إنما مذبوح، «ماما ليلى يا رامى راحت لحبيبتها الشيخة صباح وتركتنى فى الدنيا».

أم الحيارى

فى منتصف أكبر شوارع طنطا يستقر مسجد الشيخة صباح، مأوى الحيارى وأصحاب الطريق والسكك والفقراء، منتصف شارع البحر، لكن الأغرب هو قرب المسافة بينه وبين عيادات التأمين الصحى بطنطا، رحلة المعذبين فى البحث عن علاج، أولئك الذين وفدوا من قرى تجاور المدينة التى تصخب فى نهارها، وكأنما اختارت الشيخة صباح أن يكون مرقدها مجاوراً لمكان آلام الفقراء، ترانزيت أو شئت أن تسميه مكان استراحة مجانية لهؤلاء المنكسرة قلوبهم والفارغة جيوبهم، لا غرابة حين تدخل المسجد وتحديداً من الساعة الحادية عشرة إلى الثانية ما بعد الظهر تجد أولئك الحيارى يفترشون ساحته، أحدهم يخرج أقراص الدواء يتناول حبة وبعدها يروى ظمأه بالماء، مسجد الشيخة صباح استراحة الفقراء فى حر الصيف، بإمكان هؤلاء أن يجلسوا بدون مشاريب، أن يرتوا بالماء ويعيدوا الاغتسال من حر يونيو، وفى البرد هو مأوى لهم، يتناولون فطورهم على مهل، دون أن يطالبهم أحد بالرحيل.

وكانت استراحة ماما ليلى على رصيفها، كنت أرقبها ساعات مرورى متوجهاً فى شارع البحر، لتوها تسير على مهل متثاقلة بحمل المرض وألمه، تستند رصيف الست، رصيف مسجد الشيخة صباح، وذات مرة نزلت من السيارة الأجرة لعلنى أسألها إن كانت ترغب فى شىء، لكنها يومها أجابتنى: «لا أنا بارتاح جمب حبيبتى الشيخة صباح شوية».

وظلت الشيخة صباح بمسجدها ومقامها يشكل داخل روحى استراحة أصحاب المبالى والألم، تساؤلات عدة حول سبب اقتراب هؤلاء المنكسرة قلوبهم منها، تواجدهم داخل المسجد، جمل كثيرة تسمعها تتردد من سيدات عدة كأنما يروينها ويحادثنها وتلتقيهن فى عالم آخر غير عالمنا.

أم كمال والشيخة صباح

لا أحد من أهالى الشارع المجاور لمسجد الشيخة صباح إلا ويعلم حدوتة الست أم كمال، حدثنى قريب لها أن ابنها سافر إلى المملكة السعودية، وكانت هذه السيدة على الفطرة إلى أبعد حد يمكن تصوره داخل العقل البشرى، كانت الست أم كمال تحتفظ بثلاثة أعقاب سجائر لابنها فى علبة معدنية صغيرة، فبدت الأعقاب هى التذكار الروحى الذى يربط الابن المغترب بأمه، بينما الست أم كمال تأتى كل أسبوع وتقف بجوار ضريح الست الشيخة صباح وتنادى: «يا صباح يا حبيبتى.. أنا نفسى اكل رز معمر»، ويقسم أهل المنطقة أن بعدها بأسبوع تأتى فلاحة بصينية أرز معمر وتسأل عن السيدة «أم كمال» لتسلمها صينية الأرز المعمر، وظلت السيدة أم كمال علامة حاضرة متكررة لزيارة الشيخة صباح، إلى أن انقطعت زيارتها فحاول البعض معرفة سبب غيابها، فاكتشفوا رحيلها، عقب زيارة السيدة التى أتت من قبل بصينية الأرز المعمر، لكنها هذه المرة جاءت بيد فارغة بدون أرز.

 

الطفلة بدر الصباح

فى قرية تبعد عن مدينة طنطا قرابة عشرة كيلومترات، رزقت أسرة الشيخ محمد على الغبارى بالطفلة بدر الصباح، وكان ذلك فى العام 1248هـ، كانت قرية ميت السودان الواقعة على النيل، ملتقى لرحلات المراكب الشراعية الصغيرة والتى كانت تفد محملة بالزوار والصدقات التى كانت توزع فى مولد السيد أحمد البدوى، فينتهز أهالى القرية مرور المراكب الصغيرة كل عام ليخرجوا فى استقبالها محتفين بزوار شيخ العرب، وكانت أسرة الشيخ محمد على الغبارى من شيوخ البلدة، فعمرت الدار بتواشيح المقرئين والأذكار الدينية؛ حيث يقام احتفال المولد النبوى بالدار، فيأتى المنشدون يروون سير الصالحين وكرامات الأولياء، وأثناء الإنشاد لاحظت الأسرة التى لها أبناء ثلاثة من الذكور هم حسن وأحمد وعلى، أن الطفلة بدر الصباح

تنتابها حالة غياب أو سكر من نوع غريب؛ حيث تهيم الطفلة فى ذكر لفظ الجلالة كأنما تصعد بجسدها للسماء لاترى أحداً، وذات يوم وفد إلى القرية أحد كبار رجال الدين ويدعى سيدى أبى الحسن البيجائى.

وكان الشيخ البيجائى رجلاً متشرعاً يعلم الناس أمور دينهم، ويقضى فى أمور الناس بما يرتضيه الحق، فلما طلب الشيخ الغبارى والد الطفلة بدر الصباح أن يشرف باستضافة الشيخ بمنزله، فما إن وقعت عيناه على الطفلة بدر الصباح، حتى قال لأبيها: «هل رأيتم بدراً يظهر فى النهار؟» فتبسم الشيخ محمد الغبارى، وقال ماذا تقصد يا شيخنا الجليل؟

قال الشيخ البيجائى، صاحب المشرب الشاذولى وتلميذ المدرسة الشاذلية التى تنتمى لأحد أقطاب التصوف سيدى أبى الحسن الشاذلى: «إن لهذه الطفلة شأناً كبيراً.. فاليوم أنا شيخكم وغداً لها» ثم ترك الشيخ المنزل وانصرف، ومرت السنون، وكبرت الطفلة التى صارت فتاة. وأقبل الفتية من أهل القرية للتقدم لخطبة الفتاة.

اختفت من بيت زوجها وعادت لمحرابها

ومع تقدم الفتية، قالت الأم للفتاة، إنَّ شاباً طيباً قدم لخطبتك، فقالت الفتاة للأم: «يا أمى ما لناش فى الجواز إحنا بتوع ربنا وأهل الله والطريق»، فلما سمعت الأم بهذا الكلام خبطت على صدرها، ثم أعادت فى يوم آخر العرض، فطلبت الفتاة بدر الصباح من أمها أن تخبر أباها بما قالته، غير أن أباها لم يعر الفتاة اهتماماً، وقال فى نفسه ربما كان خجل الفتاة من دفعها لقول ذلك، وقرأ الفاتحة مع الشاب، وبعد أسبوع عقد قرانها، فتوجه الركب لإحضار العروس التى مشطتها سيدة وأعدتها للعُرس، وركبت الفتاة بدر الصباح هودج الجمل فى طريقها لبيت زوجها، ولما دخلت الفتاة غرفة زوجها بصحبة الماشطة، فوجئت الماشطة باختفاء الفتاة، فخرجت تصرخ مهرولة، ولم يصدق أهل القرية؛ لأنهم شاهدوها تدخل غرفة زوجها بصحبة الماشطة، وحمل الرجال المشاعل؛ بحثاً عن الفتاة فى القرية كلها، ولما أنهك الأب من البحث عاد حزيناً إلى بيته، وإذ به يدخل غرفة بدر الصباح فيجد كومة ملفوفة بالسواد، فيرتعب ويسأل ما هذا؟، فتجيبه الشيخة صباح: «هذا أنا يا أبى فقد أخبرتك أننى ليس لى فى الزواج وأننى من أهل الله فاكتم سرى يا أبى فسرى مع الله لا أريد لأحد أن يعرفه».

غير أن الأب خرج مذهولاً يتحدث للناس، الذين وفدوا فشاهدوا الشيخة صباح، ومن ثم بدأ صيت الشيخة صباح فى الذيوع، فكانت تطعم الفقراء والقطط ومخلوقات الله، حتى قضى الله على يديها العديد من الكرامات وتحديداً كرامات الشفاء، فقد روت أكثر من عائلة أن الله قد أنعم على الشيخة صباح بكرامة شفاء المرضى الميئوس منهم.

انتقالها إلى طنطا

ولما زاد عدد زوار الشيخة فى قريتها (ميت السودان)، طلبت الشيخة صباح من مريديها أن يتركوها؛ لأنها تود مجاورة السيد أحمد البدوى بمدينة طنطا، وعلى الفور قامت باستئجار تكية بمنطقة شارع أحمد ماهر، واشترطت أن من يعاونها يكون بهدف التقرب لله، وأنها ستكون خادمة للفقراء وتطعمهم لوجه الله، وظلت التكية مفتوحة لإطعام الفقراء، وفى الليل تقام حضرة دلائل الخيرات فى الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم. وقد ذاع صيت السيدة التى أضحى كبار القوم يأتون للتبرك بها، لكنها كانت لا تفرق بين فقير وغنى. ثم توسعت السيدة فى إنشاء تكية أخرى تجاور السيد أحمد البدوى فكان لها تكية ثانية.

ويروى الحاج على زين العابدين أبوالوفا، أحد أقارب الشيخة صباح، أن هذه التكايا كانت مفتوحة للفقراء وأصحاب الحاجات، وكانت للشيخة خلوة خاصة تصعد إليها بعد صلاة العشاء وليس مسموحاً لأحد أن يدخل خلوتها، ولا أن يفتح بابها. ثم توسعت فى إنشاء تكية أخرى بمنطقة شارع سعيد.

ثم قامت الشيخة صباح بشراء قطعة أرض بمنطقة شارع الجيش بمدينة طنطا، شارع البحر حالياً، وكان هذا فى العام 1903م. اشترت قطعة أرض بمساحة ربع فدان من عائلة تسمى طقطمش، وأعلنت لمريديها أنها ستبنيها مسجداً، وتكية للفقراء، وأنها ستكون مأوى لكل الفقراء الباحثين عن طعام أو كسوة، ثم حددت يوماً لوضع حجر الأساس، وقد حضر فى تدشين البناء الشيخ إبراهيم الحديدى من هيئة كبار علماء الأزهر الشريف والشيخ إبراهيم الظواهرى شيخ المسجد الأحمدى فى هذا الوقت، وقالت الشيخة صباح أثناء وضع حجر الأساس: «بسم الله الرحمن الرحيم بنيت هذه التكية لإيواء الفقراء والمساكين». ثم طلبت الشيخة صباح أن تبنى قبة بجانب التكية، وقالت إن مرقدى سيكون هنا.

فكانت التكية مقصداً لجميع المرضى الميئوس من علاجهم، حتى وصل صيتها لأسرة الخديو فكانت بعض أميرات القصر تأتى لزيارتها والتبرك بها، وقد روى الشيخ

محمد السيد أبوالوفا فى كتابه إشراق الصباح فى التعريف بنور الصباح، أن الله قد أجرى على يديها كرامات الشفاء من الصرع والعقم، وكانت تشترط فى أن الولد الذى ستلده السيدة التى تطلب من الله الشفاء أن يسميه الأب باسم السيد المندوه. وروى أن سر الأولياء مع الله هو إخلاص القلب ومعرفة الاسم الأعظم لله وهى خصيصة اختص بها صفوة عباده.

التوسل بالصالحين فى الكتاب والسنة

وقد يسأل البعض فى شرعية التوسل بالنبى والأولياء لله لقضاء الحاجة، فنستشهد بقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة» (المائدة، الآية 35)، فالتوسّل بالأنبياء والأولياء جائز فى حال حضرتهم وفى حال غيبتهم، ومناداتهم جائزة فى حال غيبتهم وفى حال حضرتهم كما دلّت على ذلك الأدلة الشرعية- وهو ما ذكرته دار الافتاء-. فرسول الله صلى الله عليه وسلم علّم الأعمى أن يتوسّل به فتوسل الأعمى الضرير برسول الله، توسّل بحبيب الله، توسّل بأفضل خلق الله، فردّ الله تعالى إليه بصره. فلقد علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: اللهمّ إنى أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبى الرحمة يا محمّد إنى أتوجّه بك إلى ربى فى حاجتى لتقضى لى. وذكر المرداوى وهو من الحنابلة فى كتاب الإنصاف تحت عنوان فوائد ما نصه «ومنها - أى من الفوائد - يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب وقيل يستحب». وفى فتاوى شمس الدين الرملى الشافعى ما نصه «سئل عما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين فهل ذلك جائز أم لا؟ وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثةٌ بعد موتهم؟ وماذا يرجح ذلك؟ فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم؛ لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع بموتهم، أما الأنبياء فلأنهم أحياء فى قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار، وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، وأما الأولياء فهى كرامة لهم فإن أهل الحق على أنه يقع من الأولياء بقصد وبغير قصد أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم».

 ودللت دار الافتاء المصرية باستشهادها بقوله تعالى: «فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا» (الكهف، الآية 21).

قال الإمام الرازى فى «مفاتيح الغيب» (21/ 447، ط. دار إحياء التراث العربى) فى تفسير قوله تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا): «نعبد الله فيه، ونستبقى آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد» اهـ.

وقال العلامة الشهاب الخفاجى فى «حاشيته على تفسير البيضاوى»: «فى هذه دليلٌ على اتخاذ المساجد على قبور الصالحين» اهـ.

كرامات الشيخة صباح

يحكى المهندس أحمد واعر، أحد رواد مسجد الشيخة صباح، بأنه لا يعنيه قول الجهال بمقام الصالحين ولا قدرهم عند ربهم، لكن دعنى أخبرك – والكلام لمهندس الديكور- أن الأمر لو قسته بمنطق حامل المسك ونافخ الكير كما ورد بالحديث الشريف، فإنَّ مجاورة الصالحين والسقيا من نبعهم مسك يعم بالخير والبركات على الروح والنفس، وقد كان الشيخ الشعراوى ملازماً لمساجد الأولياء، وكان يبجلهم فى خطبه ودروسه، وبضغطة زر واحدة على عالم الإنترنت ترى على اليوتيوب موقف الشيخ الشعراوى من الأولياء والصالحين.

ويضيف «واعر»: «إن فلسفة الطريق مبنية على الإخلاص لله والحب، فالشريعة تعلمنا أداء حقوق الله بينما الطريق والصالحون يعلموننا أن نستعذب هذه العبادة وتكون خالصة لوجهه الكريم، فنتعلم الإخلاص فى الحب الحقيقى لله، وألا نضمر سوءاً أو غلاً فى قلوبنا لمخلوقات الله».

 كانت الشيخة صباح فى حياتها مثالاً للذى باع نفسه لله وخدم الفقراء والمرضى وكان يفد إليها كل المصريين مسلمين وأقباطاً لا تفرق بينهم فى المعاملة. إلى أن اصطفاها الله لجواره فى يوم الاثنين الموافق 10 جمادى الآخرة سنة 1327هـ. وظل مسجدها كما ترى هو مأوى للفقراء والمحبين للست.

كلمة أخيرة يود أن يقولها المهندس أحمد واعر، 38 عاماً، أن حب الأولياء ليس بالسهولة التى يتخيلها البعض، الطريق ملىء بالكذابين والمخادعين وأصحاب المصالح، والأمر أصبح لدى بعض الناس تجارة يتاجرون بالأولياء بهدف التكسب المادى واختلاق جو أسطورى، وللأسف الأمر متوقف على صدق المريد ونيته، هى فقط من تنجيه من المدعين والكاذبين.

أعادت الإمام الأكبر إلى منصبه عقب خروجه من المشيخة

إنَّ الكرامة الأشهر التى تتردد بين مريدى الشيخة صباح هو ما ذكره الشيخ محمد السيد أبوالوفا حيث قال فى مؤلفه: «وقد رأيت بنفسى فضيلة الإمام الأكبر الشيخ سليم البشرى شيخ الجامع الأزهر فى زيارة لها عقب خروجه من مشيخة الأزهر أول مرة وبصحبته فضيلة الشيخ إبراهيم الظواهرى شيخ المسجد الأحمدى ومعهم الشيخ إبراهيم الحديدى من هيئة كبار العلماء، وقد كان فى نفس الشيخ البشرى أن يطلب إليها الدعاء له حتى يعود إلى مشيخة الأزهر لأنه خرج منها بوشاية عند أمير البلاد، لكن عندما دخل إليها صافحته وهى تقول له أهلاً بشيخ الأزهر وبشرته بالعودة ثانية، فلما عاد للقاهرة جاءه رسول يطلبه للقاء الخديو الذى تفهم الوشاية وأمر بإعادته إلى مشيخة الأزهر ثانية.

ردت المظلمة ودفعت الغرامة

الكرامة المتداولة بين مشايخ المسجد هى كرامة رد مظلمة الشيخ صلاح مؤذن المسجد فترة الثمانينيات، فقد تم عمل محضر كيدى للشيخ صلاح مؤذن مسجد الشيخة صباح، وتم تحرير غرامة قدرها جنيه واحد، فشكا الشيخ أمره للشيخة صباح، ورغم أن أهالى المنطقة تطوعوا لدفع الغرامة، فإنَّ الشيخ رفض أن يدفع أحد الغرامة؛ لأنه مظلوم وقال للجميع كيف أظلم وأنا مؤذن مسجد الشيخة صباح؟

الحاج على زين العابدين سلطان قريب الشيخة صباح من جهة الأم يقول: «كنت وقتها فى المرحلة الإعدادية، وفوجئت بالشيخ يقول للمقام فى صوت ذليل أنت تتحملين هذه الغرامة؛ لأنك لن تقبلين ظلمى». وبينما الشيخ صلاح المؤذن بمنزله جاء عامل المسجد يخبره بوجود زوار، فاصطحبنى لأنه كان كفيفاً وذهبنا للمنزل وفوجئنا بزائرة تشير على الشيخ صلاح وتقول: «هو الرجل الذى رأيته فى المنام، - واستكملت – أنا من القاهرة وجاءت لى الشيخة صباح فى المنام وطلبتنى لزيارتها وأمرتنى أن أضع جنيهاً فى ظرف وأغلقه ثم أسلمه للشيخ صلاح المؤذن».

كرامات أخرى عديدة ما زال هناك شواهد واقعية وحية باقية لتدلل وتبرهن وتؤكد على معنى واحد هو أن هؤلاء الأولياء لهم البشرى فى الحياة الدنيا والآخرة. فإذا كانت الشيخة صباح هى خادمة الفقراء وممرضة المرضى فى حياتها، فإنها بعد وفاتها كما أوضح الفقيه المالكى نور الدين الأجهورى: «الولى فى الدنيا كالسيف فى غمده، فإذا مات تجرد منه؛ فيكون أقوى فى التصرف».

أهم الاخبار